تأخذك إلى أعماق الفكر

مدخل إلى مفهوم الجندر وعلاقته بالنسوية

نشأة مفهوم الجندر

يُعد الجندر مفهومًا معاصرًا اتخذ أهميته بداية من السبعينات خاصة مع الحركات النسوية، إلا أن الجندر كمفهوم فلسفي بدأ مع الفيلسوفة الفرنسية سيمون دي بوفوار في كتابها “الجنس الآخر” والذي ميزت فيه بين الجنس والجندر من خلال مقولتها المشهورة “لا تُولد المرأة امرأة، وإنّما تُصبح كذلك!”

في الستينات كان عالم النفس روبرت ستولر قد صاغ مفهوم الجندر لتميز المعاني الاجتماعية والنفسية للذكورة والأنوثة عن الأسس البيولوجية للفروق الجنسية الطبيعية التي خلقت مع الأفراد، وبالسبعينات استعارت آن أوكلي فكرة التميز بين الجنس والجندر من ستولر لتكون أول باحثة تستخدم مفهوم الجندر في علم الاجتماع وفي سنة 1975 ظهر مفهوم الجندر بالساحة الدولية من خلال “العام العالمي للمرأة” وترسخ المفهوم مع العقد العالمي للمرأة (1976– 1985) بعدها كان مفهوم الجندر قد انتشر واستخدم بشكل واسع خصوصًا في مجال العلوم الاجتماعية وبقضايا التنمية.

مفهوم الجندر

الجندر أو النوع الاجتماعي ويعني: “العلاقات والأدوار والسلوك المناسب الذي يحدده المجتمع لكل من الرجل والمرأة مسبقًا في ضوء موروثات اجتماعية ومنظومة ثقافية تضم مجموعة من العادات والتقاليد والقيم السائدة في مجتمع ما وفي فترة زمانية معينة (1) لنأخذ تعريف آخر للمفهوم والذي يرى الجندر بأنه: “الدور الاجتماعي والمكانة الاجتماعية والقيمة المعنوية الذين يحملهم الفرد في مجتمع ما، والمرتبطون بكونه ذكر أو أنثى (2) ولكي نوضح مفهوم الجندر نأخذ مثالًا بسيطًا وهو تغير دور المرأة في المجتمع العربي التقليدي؛ فقد اتسع دورة المرأة من الأم وربة المنزل إلى دور المرأة الفاعل خارج الأسرة في المجتمع العربي الحديث، فرغم أن طبيعة المرأة وكينونتها لم تتغير إلا أن دورها ومكانتها بالمجتمع مستمرين في التغير.

الفرق بين الجنس والجندر

هناك فرق بين الجنس (النوع البيولوجي) والجندر (النوع الاجتماعي) آن أوكلي من أوائل الذين فرقوا بين المصطلحيْن وهي تُعرف الجنس بأنه: “الخصائص الفسيولوجية والبيولوجية التي تميز الذكور male عن الإناث female”، أمّا الجندر فهو: “عبارة عن الذكورة masculinity والأنوثة femininity المبنيين اجتماعيًا والمشكلين ثقافيًا ونفسيًا (3). ويرى أنوتي غدنز أن مصطلح الجنس استخدم من طرف علماء الاجتماع للدلالة على الفروق التشريحية، والفسيولوجية، والاجتماعية، والثقافية بين الذكور والإناث. أما الجنوسة فتعني الأفكار والتصورات الاجتماعية لمعنى الرجولة والأنوثة (4).

الاتجاهات الجندرية

هناك ثلاثة اتجاهات سيسيولوجية يحمل كل منها مجموعة من النظريات قدّمت تفسيرات متعارضة للاختلافات الجندرية وكيفية تطور الهوية الجندرية، واكتساب الأدوار الجندرية، وأوجه عدم المساواة بين الرجل والمرأة، وهي كالتالي:

إعلان

البيولوجيا والجندر: يرى هذا الاتجاه أن التكوين الجسمي البيولوجي للإنسان مثل الهرمونات، والكروموسومات، والمؤثرات الجينية، وحجم الدماغ، هي المسؤولة عن فوارق فطرية في سلوك الرجال والنساء وإلى عدم المساواة بين الجنسين.

التنشئة الاجتماعية والجندر: يرى هذا الاتجاه أن تعلم الأدوار الجندرية يتم من خلال مؤسسات التنشئة الاجتماعية مثل العائلة ووسائل الإعلام. وما يحدد الفروق الجندرية بين الرجل والمرأة ليست البيولوجيا، بل هي الثقافة السائدة التي تؤدي إلى عدم المساواة بين الجنسين.

البنية الاجتماعية للجنس والجندر: يرى هذا الاتجاه أن الجندر ليس وحده نتاجًا اجتماعيًا، فالجنس كذلك يتعرض لقوة اجتماعية تعمل على إعادة تشكيله بطرق مختلفة. على سبيل المثال يستطيع الأفراد إعادة بناء أجسامهم عبر عمليات التجميل أو علميات تغيير الجنس، وبفضل التكنولوجيا والتطور العلمي لم تعد الخصائص البيولوجية للإنسان ثابتة، فهي أيضًا أصبحت نتاج المؤثرات الاجتماعية.

النسوية والجندر

بداية من الموجة النسوية الثانية كانت الحركة النسوية المحرك الأساسي للدراسات الجندرية، فقد أتاح مفهوم الجندر دراسة وتحليل البنى الاجتماعية التي تشكل الهوية الجندرية وتصنع الفوارق الجندرية واللامساواة بين الرجال والنساء. وقد أدت الجندرية إلى التحرر من الجبرية البيولوجية التي كانت ترد اللامساواة بين الرجال والنساء إلى الفوارق الطبيعية؛ فلقد أصبحت السلطوية التي تقيد وتخضع المرأة لا تنبع من الخصائص البيولوجية بل من عوامل اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية، تسعى الحركة النسوية بمختلف اتجاهاتها إلى تحليلها وإعادة بنائها بما يُمَكّن المرأة من استعادة حقها الطبيعي.

المرأة والتنمية والجندر

يحتل مفهوم الجندر أهمية كبيرة في قضايا التنمية، وتنطلق الدراسات التي تهتم بالمرأة والتنمية من أن المرأة مدمجة مسبقًا في عملية التنمية لكن بصفة غير متساوية. ولكي تسير التنمية بشكل أفضل وأقوى نحو تحقيق نتائج إيجابية بالمجتمع؛ يجب تقدير مجهودات المرأة وتمكينها، وإتاحة فرص متساوية ومتكافئة للنساء للمشاركة والتفاعل في كل المجالات؛ إذ لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية بمجتمع ما ونصف أفراده مهمشين من المشاركة في عملية التنمية.

المصادر:
1 دليل للمبادرات النسوية/النسائية الشابة، هند محمود، شيماء طنطاوي، ص17
2 النوع الاجتماعي وأبعاد تكوين المرأة في الوطن العربي، مجموعة مؤلفين، ص 33
3 الجندر الأبعاد الاجتماعية والثقافية، عصمت محمد حوسو، ص80
4 علم الاجتماع،أنتوني غدنز، ص 186

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: نبيل علال

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

تعليقات
جاري التحميل...