تأخذك إلى أعماق الفكر

العودة إلى الفلسفات القديمة

لوك فيري

نشهد اليوم عودةً قويةً لكلٍّ من علم النفس الإيجابي ونظريات التنمية البشرية إلى الحِكَم القديمة، لا سيما البوذية والرواقية باعتبارها نماذج من فلسفات السعادة. فلكي نتحدث عن السعادة الحقيقية، لابدّ من توفر شرطين أساسيّين سبق وأن تطرقت إليهما الفلسفات القديمة بإفاضة: يجب، أولًا، أن يكون هناك تطابق تامّ بين رغباتنا والواقع، بين طموحاتنا الأكثر تجذرًا والكوسموس (le cosmos). لكن يجب أيضًا، وهذا هو الشرط الثاني، ألّا يكون هذا التطابق عابرًا فقط، كما هو حال الرغبات المؤقتة كالشرب والنوم والأكل، بل متماسكًا وحتى مستمرًا لغاية آخر يوم في حياتنا إذا ما تمكنا من الاشتغال، بما فيه الكفاية، على تحديد رغباتنا الأساسية حتى نصل إلى هذا الانسجام المستمر في الزمن.

غير أن الرياح لا تجري دائمًا بما تشتهيه السفن، فمن البدهي أنّ رغباتي والواقع ليسا دائمًا على وفاق، هذا أقل ما يمكن قوله، وعلى كل حال، ليس هناك أي سبب ليكونا كذلك. هذا ما يجعل الرواقيين لا يكلّون من دعوة الناس إلى تغيير رغباتهم بدلًا من نظام العالم، وذلك عن طريق ممارسة نوعين من التمرينات الحكيمة، والتي قام علم النفس الإيجابي، في السنوات الأخيرة، بإحيائها. التمرين الأول يتعلق بتعلم الاستمتاع بالحاضر، بممارسة ما يعرف باللاتينية بـ”carpe diem” أي انتهاز الفرصة، حب ما هو كائن، هنا والآن.

الماضي يجرنا إلى الوراء من خلال شعور قوي، هو الحنين إلى الزمن الجميل، في حين أن المستقبل يسرقنا من اللحظة الراهنة عن طريق شعور لا يقلّ قوة، هو الأمل. لكن، في حقيقة الأمر، لا وجود للماضي والمستقبل لم يحِن بعد، وحده الحاضر يُوجد، وكما يقول سنيكا، بكثرة ما نهرب منه: “نضيّع فرصة العيش”. من هذا المنظور، يتوجب على المرء تعلُّم قولِ “نعم” للواقع، كيفما كان. يُحكى أن ابيكتيتيوس كان يدّعي القدرة على تحمل كافة أنواع التعذيب. وعندما صار، في يوم من الأيام، عبدًا مملوكًا لسيد غليظ القلب، قرر هذا الأخير، ومن أجل اختبار مدى صحة الفلسفة الرواقية، بتعذيبه عن طريق كسر رجله بمهل. يقال أن ابكتيتوس صمد حتى النهاية في وجه الألم دون أن يشتكي – من هنا المعنى المتداول لكلمة “رواقي”، باعتبار الرواقي هو ذلك الشخص الذي لا ينحني في وجه نوائب الزمن.

أما التمرين الثاني، فيحث على “عدم التَّعَلُّق”. الرواقيون والبوذيون يعتبرون أنه من واجب المرء تعلّم عدم التعلق، سواء بالكائنات أو بالأشياء، سواء بالممتلكات المادية أو بالأشخاص الذين يحبهم من قبيل الزوجة والأبناء، أي الأقارب بصفة عامة. التعلق هو الجنون بعينه، إذا ما اعتبرنا أن حقيقة الكون تكمُن في زوال كل شيء وانقطاعه.

ألمْ يقل الفيلسوف الإغريقي هرقلطيس: “كل شيء يمضي ولا شيء يبقى إلى الأبد”؟ إذا حدث وارتبطتُ بشيء ما أو بشخص معين، سيأتي زمن تنتهي فيه هذه العلاقة مخلفةً وراءها كافة أنواع الأحزان. علم النفس الإيجابي، ومن خلال استلهام هذه الفلسفات القديمة، ينصحنا في نهاية المطاف باتباع نفس خطوات الاشتغال على الذات من أجل الوصول إلى انسجام تام مع الواقع، كنوع من رد الاعتبار للقدماء في مواجهة المجتمع الحديث. من هنا تلك النصائح التي يعرضها هذا النوع من علم النفس في المجلات والكتب الأكثر مبيعًا: الاستمتاع باللحظة الراهنة، تعلم فن اللامبالاة، الحذر من الارتباط والتعلق، الإقامة في الجسد، القيام ببعض التصرفات الجيدة كل يوم، التوقف عن اجترار الماضي، الابتعاد عن الأمل الذي يبعدنا عن الحاضر باعتباره الحقيقة الوحيدة لصالح مستقبل غير متوقع، تعلم حب الذات والاكتفاء به، الاستغراق في الـتأمل.

إعلان

هل أتوفر على الجرأة اللازمة التي تجعلني أعترف بأن هذه الدعوات من أجل العودة إلى الفلسفات القديمة لا تقنعني أبدًا؟ أولًا، لأنني شخص يحب التاريخ والمشاريع المستقبلية، الذكريات والآمال الجميلة. ثانيًا، كما سبق أن اعترف الدالاي لاما نفسه بذلك، لأن حياة الرهبان وحدها توفر إمكانية التحرر من كافة العلاقات والارتباطات، والتي تظل أمرًا لا مفر منه ما دمنا نعيش وسط مجتمع ونملك أصدقاءً وأحبابًا. ولكي أكون صريحًا معكم، أنا لست مستعدًا لكي أصبح راهبًا.

 

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

مصدر Le Figaro Magazine, 2 juillet 2017, Ces sages qui nous aident à vivre.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: يوسف اسحيرد

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

تعليقات
جاري التحميل...