تأخذك إلى أعماق الفكر

ما هي الروح إن لم تكن نسخة محسنة عن أنفسنا؟

ما المغزى من حيازة العالم كله بين أيدينا إن فقدنا أرواحنا؟

ما قيمة أن تملك العالم كله وتخسر روحك؟ في الوقت الحاضر، يدرك القليل من الناس الأصداء الدينية لهذا السؤال بنسبة أقل مما كان عليه الحال قبل خمسين سنة خلت. والحال أن السؤال يطرح نفسه بقوة مرة أخرى.

ربما لم يعد لدينا تعريفٌ محددٌ عن ماهية الروح ولكننا نمتلك تصورًا عما تعنيه خسارتها، فيكون الانحدار والتدهور الأخلاقي وتلاشي المقدرة على التفريق بين الصواب والخطأ هو النتيجة. يصبح العالم الذي نملكه بين أيدينا بلا قيمة، ونكتشف أننا أضعنا حياتنا سعيًا وراء مكاسب خادعة.

كان الفكر السائد دائما أن العلم والتكنولوجيا سيجلبون لنا الكون كله ولكن الآن يبدو وكأنها تساعدنا على تدميره. واللوم لا يلقى على المعرفة العلمية في حد ذاتها التي تعد من أعظم إنجازات الإنسانية بل على الطمع وقصر النظر من جانب الإنسان الذي استغل هذه المعرفة أسوء استغلال؛ يبقى أسوء احتمال أن ينتهي بنا المطاف خاسرين للكون ولأرواحنا معًا.

لكن ما هي الروح؟ يستبعد العلم الحديث المفاهيم الخاطئة والمخيفة عن الروح كتصورات الأشباح وما شابهها، وفي المقابل يجيب عن هذا السؤال بأننا جزء كامل متأصل في الطبيعة حيث أننا نعيش ونتعايش في نفس الظروف الفزيائية والكميائية والبيولوجية الموجودة حولنا.

لا يقتضي الأمر أن ننكر قيمة المنظور العلمي ولكن الخبرة الإنسانية لها أوجه عديدة لا يمكن أن تشرحها موضوعية هذا المنظور. فور ما نستجيب لمصطلح “الروح” إن جاء في سياق أدبي من شعر أو رواية أو حتى الكلام العادي. تقع كلمة الروح في ضمن التجربة الإنسانية التي نشاركها جميعًا والتي تعطي معنًى لحياتنا، هذه التجارب تتضمن: الفرحة الناشئة عن حب شخص آخر، أو الدهشة التي تصيبنا إن وقفنا أمام عمل فنيّ أو موسيقى مدهش، أو كما في قصيدة ويليام وردزورث “Tintern Abbey“، (حالة السكينة والهدوء) التي تصيبنا عندما نتوحد مع الطبيعة من حولنا.

إعلان

هذه التجارب الثمينة تعتمد على قدرات إنسانية حسية لا نتمنى أن نفقدها بأي ثمن. كلمة “الروح” تشير لهذه التجارب فلا يقتضي الأمر أن نعتبر أنفسنا كائنات -أشباح خالدة-. في المقابل يمكن أن نعرّف الروح على أنها وعي ومنطق وأحاسيس تعتمد على عمليات بيولوجية تؤهلنا لدخول عالم من المعاني والقيم يسمو فوق الطبيعة البيولوجية. دخول هذا العالم يتطلب سمات استثنائية بشرية من الفكر والمنطق. يجب أن نفهم أننا لسنا عباقرة منعزلين عن العالم المادي نفهمه ونتلاعب به من بعيد، كما أن ثراء استجاباتنا الحسية وعمقها هم الذان يربطاننا بالعالم من حولنا ويجعلاننا إنسانيين بالكامل. تلاحم الجزء الحسي من حياتنا مع الجزء المنطقي- المتمثل في الأهداف والمشاريع الحياتية- هو جزء غاية في الأهمية لانسجام وتوحد الروح الإنسانية.

الكاتب ليون كاس يناقش في كتابه المثري “1994 The Hungry Soul” أن كل النشاطات الإنسانية حتى العادية جدا منها كالانضمام للأكل حول طاولة طعام يمكن أن تلعب دورها في تحسين طبيعتنا. في كتاب آخر أحدث “3rd edition 2014 Places of the Soul”  تكلم المهندس صاحب العقلية الإيكولوجية كريستوفر داي عن حاجة البشر ليعيشوا ويبتكروا ثم يبنوا هذه الابتكارات في شكل هندسي يتناغم مع أنماط الطبيعة فينتج عن هذا إشباع لأعمق احتياجات الإنسان وتطلعاته. لغة الروح الموجودة هنا وفي سياقات أخرى عديدة قديمة وحديثة تحاكي حاجة الإنسان الضخمة للسمو فوق العالم المادي. هذه الحاجة لا يمكن استدراجها في سياقات فلسفية أو دينية ذات الطابع التجريدي؛ فتصبح الممارسة أفضل طريقة للتعامل مع هذه التطلعات.

الممارسات الشعبية الروحانية مثل الأفعال البسيطة من التفاني والالتزام -التي توجد في تقاليد مثل التي تصور مراحل الانتقال الحياتية كولادة أو موت شخص عزيز، أو طقوس إهداء الخواتم وتلقيها كهدية- تصبح وسيلة قوية للتعبير عن هذه التطلعات. جزء من قوة هذه الطقوس والممارسات أنها تصل لحيز أعمق من المشاعر والروحانيات والأخلاق أكثر مما يفعل الفكر وحده. البحث عن طرق للتعبير عن تطلعنا للمعنى الأعمق في حياتنا يبدو أنه جزء لا يتجزأ من طبيعتنا سواء نعتبر نفسنا متدينين أم لا. إن كنا لنصمم حياتنا في إطار محكم -مهمشين العاطفة- سيكون في ذلك انتقاص لإنسانيتنا. لكن هناك شيء بداخلنا يرفض الاستمتاع  بالروتين؛ فيمد يده باحثًا عن شيء لم يحققه بعد آملًا أن يجلب معه الكمال والسعادة.

وأخيرا وليس آخرا، فكرة الروح مرتبطة بالبحث عن هويتنا. كتب الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت في 1637 “الأنا التي أكون هي روحي وهي ما أنا عليه“. أخذ يناقش مسألة لا مادية الروح. نادرًا ما سنجد من العلماء الآن من سيوافق ديكارت في نظريته. ولكن حتى إن رفضنا نظريته عن لا مادية الروح لا يزال كل منا في داخله يشعر بهذه “الأنا”، الأنا التي تجعله ما هو عليه. تربطنا جميعًا رحلة لفهم هذه الذات في سياقها المعنوي.

هذه الروح التي نريد أن نفهمها ونبغي جني ثمار نموها وعقلانيتها فينا ونشجع الآخرين أن يجدوها ليست ظاهرة جامدة أو منغلقة على نفسها؛ فكل منا في رحلة ليكبر ويتعلم ويبلغ أحسن صورة يمكن أن يصل إليها؛ لذلك مصطلح الروح ليس فقط وصفيّ بل أحيانا يطلق عليه الفلاسفة لفظ معياريّ؛ استخدام لغة الروح لا يلفت نظرنا فقط للطريقة التي نحن علينا الآن بل أيضا للأشخاص الأفضل الذين سنصبحهم، وللطاقة التي نمتلكها لتحقيق ذلك.

جزء من قولنا أننا نملك روح يعني أننا كبشر -بالرغم من كل عيوبنا- ننجذب للخير بالفطرة. نحن نعلو فوق القذارة والانحطاط الذان -بكل سهولة- يمكنهما أن يسحبوننا للأسفل. وتجارب الإنسان وممارساته الحسية نجد فيها شيئًا من القيمة الروحانية التي تدفعنا للأمام؛ استجابة لهذا النداء نأمل أن يدرك الإنسان ذاته الحقيقة، الذات التي عنى أن يكونها وهذا ما يهدف إليه السعي وراء ماهية الروح، إن كان هناك معنى لحياة الإنسان فيجب أن يسعي إليه.

نرشح لك: عبور الروح حدود الجسد – تناسخ الأرواح وأشياء أخري

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: حبيبة المدبولي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.