تأخذك إلى أعماق الفكر

شهد علماء اللغة ولادة وتطور لغة جديدة كليًا

قبل عام 1980، تمّ عزل المواطنين الصمّ في جمهورية نيكاراغوا عن بعضهم البعض وعن التعليم النظامي. ثم جُمع الأطفال الصم من أنحاء البلاد مع بعضهم البعض عندما أُسّست أوّل مدرسة مخصّصة لتعليم الصمّ. ومن الجدير بالذّكر أنّ اللقاء الأول بين العديد مِن هؤلاء الأطفال مع أطفال يعانون من الصَّمَم مثلهم حصل عندما تمّ جمعهم سويًّا لإلحاقهم بمدرستهم الخاصّة. على الرغم من أنّ الهدف الأوّلي من إنشاء المدرسة كان تدريب الأطفال على اللغة الإسبانية المحكية وقراءة الشِّفاه، إلا أنّ الأطفال ابتكروا نوعًا مرتجلاً من لغة الإشارة استخدموه للتّواصل سوية. حيث تكوّنت هذه اللغة من الإيماءات المختلفة التي استخدمها كلّ طفل للتواصل مع عائلته. ثمّ قام الجيل الجديد من الطلّاب بتحويل هذا النظام البدائيّ إلى لغة إشارة متكاملة نحويًّا، عُرفت فيما بعد بـ “Idioma de Señas de Nicaragua”. وبدأ علماء اللغة بتسجيل ودراسة هذه اللغةِ حديثةِ النشأة في عام 1986، وتمكّنوا من توثيق ولادتها.

تطوّر الـ ‘’Pidgin’’ إلى لغة

عادةً ما تنشأ اللغات الجديدة من لغات موجودة على أرض الواقع. حيث أنّ إحدى طرق نشوء اللغة تتمثل بتغير اللغة وأخذها مناحٍ جديدة بين المتحدّثين بها إلى درجة أنها تصبح غير مفهومة لأشخاص سَبَق أن تحدّثوا بها. وهذا ما يفسّر كيف تحوّلت اللغة اللاتينية إلى اللغتين الفرنسية والإسبانية. كما ويمكن أن تتلاقى لغات مختلفة كليًّا مما يجبر المتحدّثين بهذه اللغات على ارتجال لغة مشتركة للتواصل، مشكّلين لغة الـ “pidgin” أو لغة بدلية ومؤقتة لغايات التواصل. وقد يتطوّر هذا النظام اللغوي المرتجل عبر السنين ليصبح لغةً متكاملةً لها متحدثين أصليين. ومن الأمثلة على إحدى اللغات التي بدأت ك “pidgin”  ثمّ تحوّلت إلى لغة متكاملة نحويًّا لغة Creole English Hawaiian ولغة Patois Jamaican.

لا تطابق لغة الإشارة في نيكاراغوا لغة الـ ‘’pidgin’’ بشكلٍ تامّ، لأنها لم تنبع من مزيجٍ من لغات مستخدمة من قِبَل مجموعة معينة من البشر. إلا أنّها في مراحل تطوّرها الأولى، شاركت لغة الإشارة في نيكاراغوا بعض خصائص الـ pidgin. حيث أنّها سمحت بالتواصل الفعّال. إلا أنها افتقرت التناسق والقواعد اللغويَّين، مما أدى لحاجة مستخدميها إلى اللجوء إلى التخمين وسياق الكلام حتى يكون بمقدورهم التواصل فيما بينهم.

كيف تمّ تنظيم بنية الجملة؟

عندما التحق الجيل التالي من الطلاب بالمدرسة، لاحظ كلّ منهم نظام التواصل الذي يستخدمه الطلاب الأكبر سنًّا وقاموا باستخدامه بطريقة أكثر تناسقًا. فعلى سبيل المثال؛ بدلاً من استخدام إيماءةٍ ما لشرح كيفية حدوث فعلٍ ما وإيماءة الإشارةٍ باليدِ للشخص الذي أدّى الفعل أو تأثّر به، قام الطلاّب باستخدام إيماءة واحدة تُظهر كلا الإيماءَتين. حيث أصبح شرح مشهدٍ ما بسهولةِ تصريف الأفعال. كما وبدأ الطلاّب باختصار أوصافٍ طويلة لمحاكاة الأحداث التي يمرّون بها إلى جمل مركبة وأكثر تعقيدًا. حيث أنّهم قاموا بتحويل السلاسل الطويلة من الأوصاف والأفعال إلى عبارات تُظهر عدّة معانٍ في آن واحد.

على سبيل المثال؛ قام الطلاب باستخدام نظامٍ من القواعد المكانية والمتناسقة لاستخدام المفاهيم الخاصة بحروف الجرّ أثناء استخدام الأسماء والأفعال؛ أي في ذات الجملة. فبدلاً من محاكاة أو تقليد حركة الوقوع أرضًا باستخدام كامل الجسد، يتمّ استخدام كلتا اليدين بطريقة متناسقة لفهرسة الأجسام، في هذه الحالة إنسان وجبل، ثمّ باستخدام حركة واحدة، يقوم الشخص بالإشارة إلى شخص يقع من جبل. حيث أنّ الإشارات بدأت تتخذ معنى وشكلاً أكثر قابيلة للتوقّع والفهم.

إعلان

رؤى جديدة حول طبيعة اللغة

على الرغم من أنّه لم يكن باستطاعة علماء اللغة سابقًا أن يحصلوا على توثيق دقيقٍ لبداية ظهور اللغة أثناء نشأتها، إلا أنهم شهدوا تفتّح هذه اللغة. حيث أنهم قاموا بتصوير الطلاب من جيلٍ لآخر باستخدام تقنية الفيديو، ثمّ قاموا بالمقارنة بينهم، ووجدوا أنّ الأطفال الذين التحقوا بالمدرسة في عُمرِ الخامسة أو السادسة كانوا المحرّك الذي جعل اللغة ثابتة ومستندة إلى قواعد.

إذن، لابدّ من وجود سرٍّ كامنٍ في عقول هؤلاء الأطفال يساعدهم على بناء اللغة عن طريق التواصل فحسب. هذا السرّ هو أنّ البنية اللغوية لم تكمن في البرنامج التعليمي الذي تعرّضوا له، بل في قرارة أنفسهم. إلا أنهم لم يبتكروا اللغة من فراغ. حيث أنّ تعريضهم لنظام تواصلٍ قائم لدى مجتمع ما كان أمرًا في غاية الأهمية. ونتيجة لتأقلم المجتمعات مع بعضها البعض مع مرور الوقت، طوّر هذا النظام بعض الأساليب اللغوية. وكلما طالت مدة مكوث المجتمع في مكان ما، كلما تعرّض الأطفال لمدخلات أكثر للمعالجة.

ومن اللافت للنّظر أنّ الأطفال الذين التحقوا بالمدرسة في سنّ مبكرة لم يكونوا الوحيدين الذين اكتسبوا مهارات لغوية عالية، بل وحتى الأطفال الذين التحقوا في آخر فترات البرنامج التعليمي. يحتاج ابتكار اللغة إلى عقول الأطفال المرنة وإلى الأساليب اللغوية التي تنشأ من التفاعل بين أفراد المجتمع.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

إعداد: راما ياسين المقوسي

تدقيق لغوي: ضحى حمد

تدقيق علمي: ضحى حمد

الصورة: gettyimages

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.