تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف يرى العلماء العالَم؟ -الجزء الثاني

لكلّ إنسان رؤيته الخاصة التي تنطلق من تخصّصه الذي يعمل فيه، ولأنّ التخصصات مختلفة تعدّد الرؤى للعالَم. وهنا أدعوكم لنتخيّل كيف تكون رؤية هؤلاء العلماء للعالَم من حولهم من خلال نماذج منتقاة من علماء الطبيعة. ومن خلال هذا المقال سنكمل الجزء الأول لنتحدث عن رؤية علماء آخرين للعالم ولنبدأ بـ عالِم الفلك

خامسًا: عالِم الفلك

=============

أتخيّل عالم الفلك يرى العالَم عبارة عن.. عن.. ماذا؟ لا أظنه يتخيّله أكثر مما هو عليه الآن، وذلك لأن مختبر عالم الفلك هو الكون كلّه.

إنه يخرج من نطاق صُغر حجم الأرض إلى توسع الكون الشاسع.

منذ أن تطلّع جاليليو عام 1609م بتلسكوبه البدائي إلى القمر من حولنا وأقمار المشتري، منذ ذلك الحين والبشر لم يملوا من النظر إلى خارج الأرض، بل راحوا يحاولون الخروج من نطاق الأرض سواء بمركباتهم الاستكشافية أو بأجسادهم، وهذا ما كان منذ منتصف القرن الماضي ولا يزال. أما بأفكارهم فقد خرجوا منذ زمن بعيد، وها هُم يبحثون عن حياة أخرى أو حيوات أخرى خارج الأرض.

إعلان

عالم الفلك جسمه على الأرض، لكنّ أفكاره وعقله متعلّقان هناك في الأقاصي البعيدة في غور الكون السحيق، بل وما وراء الكون، إن كان للكون (ما وراء)! مسافاته سنوات ضوئية، عيونه أشعة راديوية،  طلائعه مجسات حساسة، أما أزمنته فأحقاب متطاولة.

لحظة البدء لديه كانت قبل 13.8 مليار سنة مع الانفجار العظيم Big Bang، صحيح أنه لم يعِش ذلك المشهد المروّع، لكنّ أجهزته وخياله أعاشتْه وحلّلته ووثّقته وتتبّعت آثاره الخالدة، حتى يكاد يكون الانفجار العظيم أقدم أحفورة على الأطلاق في الكون.

الفضاء الخارجي لـ عالِم الفلك هو المتنزّه للبحث عن حقيقة الوجود الإنساني على سطح الأرض؛ إنه ينقّب في أغوار الفضاء ليعرف سرّ الأرض التي تحت أقدامه، بل وسرّ نفسه!

اليوم، مركَبات فوياجر1 وفوياجر2 Voyager تمخران خارج نطاق المجموعة الشمسية؛ ضاحيتنا المحلية، ضمن أذرع مجرّة درب التبانة، لكنها قفزة نوعية للبشر خلال القرون الأخيرة، بل لم يحلُموا أن يصلوا إلى هذا البُعد. (على بعد حوالي 19 مليار كيلومتر من الأرض).

عالِم الفلك يقدّم صورًا متعددةً للكون الذي يعيش ضمنه، يساعده الحاسوب على تصوّر هذا الكون من خارجه، كما حدث في تجربة عام 2007م لرسم خريطة للكون! لا أظن عالِمًا يبلغ نطاق بحثه اتساعًا كما يبلغ نطاق عالم الفلك،

وكلٌ في فلكٍ يسبحون.

سادسًا: عالِم الحاسوب

===============

أتخيّل عالم الحاسوب يرى العالَم عبارة عن حاسوب كبير! وكلّ ما يدخل هذا العالم هو INPUT يخضع لعمليات الحياة المختلفة ليظهر على السطح OUTPUT. طبعًا صورة غريبة، لكنها ليست شطحة في الخيال! فقد فكّر بها علماء الفيزياء ذات يوم “مقال نُشر على مجلة العلوم الامريكية تحت عنوان: الكون، هذا الحاسوب الهائل!”

عالِم الحاسوب يتعامل مع خوارزميات متعددة في كلّ شيء، لأنه يرى أنّ كل شيء يسير وفق خوارزمية محددة سواء أدركناها أو لم نُدركها، وما البشر في نظره- وكذلك الكائنات الحية الأخرى- إلا مجرد روبوتات متحركة، أما الجمادات فروبوتات انتهت طاقتها!

عالِم الحاسوب يحاول أن يبحث عن (برمجة) أي شيء أمامه التي تجعله على تلك الشاكلة! فنّ المحاكاة لديه واسع النطاق، ولربما الوجود مجرد محاكاة عملاقة، محاكاة لماذا؟ الحقيقة أنني لا أدري!!

الانتشار الهائل لوسائل التقنية الحاسوبية تجعل من عالِم الحاسوب مزهوًّا بذلك، وكأنه يقول أنا من صنعت عالَم اليوم وصبغتُه بصبغتي الخاصة؛ فالكمبيوتر والإنترنت والألياف الضوئية وهندسة البرمجيات العملاقة هي صبغة هذا العصر.

التوجه لصناعة الكمبيوتر الكمّي (يعمل وفق قوانين ميكانيكا الكم) يُعتبر نقلة نوعية في دنيا الحاسوب، ويكاد يكون إحكام القبضة الفولاذية للحاسوب في كل جوانب الحياة. منذ أفكار ليبتز وباسكال في القرن السابع عشر حول الآلات التي تعمل أوتوماتيكيا وحتى بيل جيتس وستيفن جوبز مرورًا بابيج ونيومان وتورينج وغيرهم.. والحاسوب يتغلغل في كلّ دقائق حياتنا.

عالِم الحاسوب يتميز بالجدية مثل النظام الثنائي المحصور بين الصفر والواحد ولا توجد منطقة رمادية في قراراته! (إذا استثنينا الكمبيوتر الكمي) الحوسبة السحابية جعلتنا ننتقل دون حملٍ لبرمجياتنا، إذ أنّ البرمجيات مبثوثة في كلّ نبضة من المكتبة العالمية: الإنترنت.

لقد غيّر الحاسوب وعالِم الحاسوب وجه الأرض!

سابعًا: عالِم الجيولوجيا

===============

أتخيّل عالِم الجيولوجيا يرى العالَم عبارة عن سطحٍ لا يظهر منه إلا القليل! تمامًا مثل جبل الجليد الطافي على الماء الذي لا يظهر منه إلا نسبة بسيطة والباقي غاطس في الماء. ومثله الجبال الصخرية؛ فالذي نراه لا يمثّل إلا السبُع من عمق الجبل الكلي.

عالِم الجيولوجيا مغرم بالتنقيب في الأعماق، لأنه يعرف أنّ ثروات كلّ شيء في أعماقه! وخير دليل على ذلك الأرض التي نمشي على سطحها، أين تكمن ثرواتها؟ عن طريق عِلم الجيولوجيا عرفنا العصور التي مرّت بها الأرض في تاريخها الطويل؛ كالكمبري والجوراسي والطباشيري والجليدي وغيرها. بل عرفنا عمر الأرض نفسها ( يُقدّر بـ 4,6 مليار سنة). وكذلك عرفنا كيفية استخراج ثرواتها المدفونة فيها، طبعًا بالتعاون مع علوم أخرى.

وهذا الأمر ليس وليد العصر الحالي، بل منذ العصور القديمة، منذ بدأ الإنسان استخدام التكنولوجيا، فكان العصر البرونزي والحديد والفحم ثم عصر النفط، وأخيرًا عصر اليورانيوم.

يُحدّثك عالِم الجيولوجيا عن (الطبقات) و(الطيّات) و(الصدوع) و(الشقوق) والزلازل والبراكين، وهناك تفرعات من علم الجيولوجيا مختصة بتلك الظواهر السابقة.

يمدّ عالِم الجيولوجيا علومًا أخرى ببيانات تُفيد أعمالهم كالأحافير لعلم الأحياء، واللُّقى الأثرية لعلماء التاريخ، وغيرها من العلوم. كما يستفيد علم الجيولوجيا من تطوّر العلوم الأخرى المفيدة لعمله؛ كالفيزياء وما يتعلق بالنشاط الإشعاعي الذي ساعده في تقدير عمر الصخور، وكذلك الكيمياء وغيرها. وهذا من ترابط العلوم؛ لأنّ شجرة المعرفة شجرة واحدة وكلّ العلوم فروعٌ لها وأغصان!

أهم نظرية قدّمها علم الجيولوجيا هي نظرية الانجراف القارّي، التي تبيّن زحف القارات وتباعدها عن بعضها البعض (التباعد بمعدّل  2سم كل سنة). النظرية تفترض أنّ الأرض كانت قارّة واحدة اسمها بانجيا Pangaea منذ 150 مليون سنة، ثم انقسمت خلال عمر الأرض الطويل حتى صارت القارات التي نعرفها بالشكل الموجود.

الذي قدّم النظرية هذه هو العالِم الألماني ألفريد فاجنر عام 1912م، رغم أنّ نظريته لاقت ردود فعل مضادة لها عندما نشر كتابه (أصل نشأة القارات والمحيطات) عام 1915م، إلا أنه بمرور الأيام أثبتت الشواهد صدق تلك النظرية.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.