تأخذك إلى أعماق الفكر

كارل ماركس ونقد الدولة الرأسمالية

“إن طاحونة اليد تعطيك مجتمعًا ومعه اللورد الإقطاعي، بينما تعطيك طاحونة البخار مجتمعًا ومعه الرأسمالي الصناعي”. كارل ماركس

حاجتنا إلى فلسفة كارل ماركس

يجب الاعتراف بأن الحداثة السياسية والحقوقية، جلبت للإنسان المعاصر حقوقه السياسية والمدنية، ورسخت بالقوة والفعل، لوائح الدفاع عن حق الإنسان في الوجود والحرية والامتلاك، لكن، منطق الرأسمالية الجشع عوض أن يساير هذا المكتسب الإنساني، أساء إلى تلك الحقوق، حيث تم اغتيال كرامة الإنسان العامل، وصار أداة مسخرة لتحقيق الربح السريع وجني الثروة لصالح فئة معينة، خاصة في دول العالم المتخلف، حيث لا زالت العبودية السياسية والاقتصادية والاجتماعية حاضرة بقوة، وعلى حساب الكرامة الإنسانية، والعيش الكريم. هنا تظهر الحاجة إلى فكر ماركس السياسي والاقتصادي، حيث الارتباط بالواقع، والتطلع إلى تحقيق غايات الأفراد والمجتمعات عبر النضال المستميت، فالماركسية أمدت الانسان بأدوات التحليل المادي، لفهم براديغم الممارسة السياسية، وتفكيك منطق السلطة، والوقائع السياسية والاجتماعية.

بعض التحليلات الأيديولوجية المتسرعة، ترى أن كارل ماركس بنقده للدولة الرأسمالية قد بث الروح في الإنسانية الحالمة والمتطلعة إلى السعادة، وذلك بجعلها تعيش الأحلام فقط، تلك قراءة تجزيئية تبسيطية واختزالية لفلسفة كارل ماركس السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لأن الرؤية العميقة لمنتوج ماركس، تكشف عن عمق التفسير العلمي الرصين، حيث فهم حركة التاريخ وتطور الأنظمة وتقدم المجتمعات، وإعادة الاعتبار للنضال ومقاومة ظلم الرأسمالية المتوحشة.

روح ماركس، تجلت في نداءات التحرر التي اجتاحت قارات الأرض، حيث رفعت المجتمعات الإنسانية شعارات كثيرة، كالحرية والتحرر، والعدالة الاجتماعية والخبز واللقاح ضد كورونا للجميع، داعية لهدم وتقويض أسس الاستلاب، وتحقيق الحق الإنساني في العيش الكريم العادل، ومقاومة الأصنام الرأسمالية الجديدة، انطلاقًا من الإنسان ذاته، وليس التوسل بنبوءات لاهوتية. النضال والثورة الفكرية والتنوير العقلي والصراع ضد الديكتاتوريات لتغيير العالم المعيش، قد تبدو هذه العناصر ميتافيزيقية وخيالية، ولكنها لا زالت حاضرة في وقتنا الراهن، وثورات الربيع العربي خير مثال على ذلك، حيث خرجت شعوب إلى الشارع مطالبة بالتغيير، فسقطت أنظمة، وماتت أصنام، وتشكلت دساتير جديدة جعلت للشعوب مكانة معتبرة رمزيًا، وأن صمت الشعوب لا يعني الانقطاع عن الكلام، ولكنه تجميع لعناصر القوة من أجل انطلاقة جديدة.

فالثورات التي حدثت في العالم المعاصر، موشومة بأطياف ماركس، وروحه الفكرية التي لا زالت محلقة فوق المعامل والمصانع والشركات المتحكمة في رأس المال، والمستغلة للطبقة العاملة، النضال الأممي المفعم بالأمل الإنساني، والمجسد لرغبة الشعوب في الانعتاق من الظلم، إنه نموذج مميز للحداثة الماركسية في ثوبها الإنساني، حيث خلخلة الواقع المادي، وفضح المؤسسات الدينية، وهزها من جذورها، في أفق فهمها وإدراك أوهامها. عبر عملية الوعي بالجدلية المادية، بحيث يصبح العمل الفلسفي ممكنًا، عبر أليتي الفهم والتغيير، إنها الهزة السياسية التي أحدثها كارل ماركس داخل الوعي النضالي.

استهلال واستشكالات:

الماركسية بشكل عام تسعى إلى فهم العالم في أفق تغييره، تبعا لمنطق المادية الجدلية، وفي ذلك خدمة للإنسانية، وتغيير للحياة السياسية والاجتماعية، رؤية ماركسية موشومة بالتقدم والتغيير وفق صيرورة جدلية وسيرورة تفاعلية، وتفسير كلي للأحداث بمختلف تجلياتها، الماضية والحاضرة والتطلع للمستقبل. تفسير ينصب على دراسة الأشياء، وكيفية انتقالها، ونشوئها، بما في ذلك البحث في مسالة نشأة الدولة وأفول نظامها، ليبزغ فجر نظام جديد من رحم النظام السابق. فنقد كارل ماركس للدولة الرأسمالية، نقد جذري لجميع أنماط الحكم، بإبراز عيوبها ومساوئها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. يتجلى ذلك في رؤية ماركس لمسألة الاقتصاد والتحليل النقدي للمسار السياسي للتاريخ، لذا، فتعاليم ماركس السياسية، مرتبطة برؤيته للشأن السياسي، وفهم التاريخ والقانون، بمعنى فهم المجتمع في وضعيته الراهنة. وهو ما يفسر اهتمام الفلاسفة بفكره، كألتوسير، ومشيل فوكو، ويورغن هابرماس، وجاك ديريدا…

إعلان

فكر كارل ماركس السياسي والاقتصادي، غني بتصورات نقدية حول التحولات العالمية الكبرى، المميزة لمنطق العولمة، حيث الصراع على الثروات، والصدام بين الدولة والشعوب، فلا أحد بمكنته اليوم إخفاء الدور الكبير الذي تلعبه نظريات ماركس والماركسية، في فهم أساليب الاستغلال والاضطهاد والاستحواذ الناتج عن جشع النظام الرأسمالي، فالعولمة حالة مفهومية، معبرة عن تاريخ ليبرالي تهيمن عليه النزعة الفردانية والطبقية، حيث ولادة أصنام جديدة من الاستعباد والاستلاب والتشييء.

إن فهم الفكر الماركسي المتعلق بمسألة السياسية/ الدولة، يتطلب الحضور المكثف لمجموعة من المفاهيم، كالمادية التاريخية، والظروف الاقتصادية، وقيمة العمل، والصراع الطبقي، والبنيتين التحتية والفوقية، وتفكيك طبيعة الرابطة بين المادية التاريخية ونظريته حول قيمة العمل [1]. حيث الارتباط بالواقع المادي، والنظر لكيفية تطور حركة المادة، عبر النفي، والصراع بين الأضداد/ الأنظمة، الذي يجعل العقل، وكأنه مجرد تمظهر عضوي لحركة المادة [2]. وفي ذلك، مخالفة للتصورات المثالية التي ربطت الدولة بالعقل المطلق على طريقة هيغل، أو نظرية العقد الاجتماعي مع فلاسفة الأنوار.

فالرؤية المادية الواقعية لماركس تتجلي في نقده لهيغل، منهجًا وتصورات، معتبرًا أن الجدل الهيغلي يمشي على رأسه وقد وجب قلبه ليمشي على رجليه. (علمًا أن المادية الجدلية علم متطور، وكل اكتشاف رئيسي في العلم الطبيعي، والتغيرات التي تحدث في الحياة الاجتماعية تفيد في دعم وتطور مبادئ وقضايا المادية الجدلية، التي تستوعب الدليل العملي الجديد والخبرة التاريخية للإنسانية) [3]. فما هي نظرية كارل ماركس للدولة؟ وما أصل الدولة بالنسبة له؟ وأين تتجلى أهميتها، خاصة في تاريخنا المعاصر، المشوب بشوائب الاستغلال والاضطهاد؟ ولماذا انتقد ماركس الدولة الرأسمالية؟ وما مآل النظام الرأسمالي في فكر ماركس السياسي والاقتصادي؟

المحور الأول: الماركسية وأصل الدولة

  • الانسان بين العقلانية والإنتاجية

     ينطلق كارل ماركس في حديثه عن الدولة، من مبدأ يتعلّق بكون الاقتصاد هو عصب الدولة الحديثة وقطب الرحى فيها، فهو لب المجتمع بحيث يصعب، بل يستحيل النظر إلى المجتمع والدولة دون الحديث عن الجوانب الإنتاجية والاقتصادية، لذا، ففهم الاقتصاد يستدعي من الناحية النظرية والمبدئيّة، فهم العناصر المتحكمة في المجتمع والمساعدة على تطوره الكمي والكيفي، بما في ذلك فهم العلاقات الرابطة بين الطبقات الاجتماعية المحكومة بنمط إنتاج معين، فالاقتصاد هو قوة محركة للمجتمع والدولة والتاريخ. إلى درجة أن هناك علاقة جوهرية بين الدولة والاقتصاد، وبين الاقتصاد والمجتمع، فاكتشاف الاقتصاد هو الأساس الحقيقي للمجتمع، والحياة الإنسانية بصفة عامة [4].

يرى ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، أن كارل ماركس في معرض حديثة عن تحليل الاقتصاد الرأسمالي مثلا، وما يطرحه من تفاوتات واستغلال بشع لقوى الإنتاج، يفكك مفهوم العمل، محددا قيمته، وأثره على ذاتية العامل، فالعمل وسيلة لفهم كيفية حصول الإنتاج، من الإنتاج البدائي إلى الرأسمالي، والانتقال من الماضي إلى الحاضر، ومن نظام الى آخر، وتلك هي المادية التاريخية، حيث النظر في كيفية انتقال الأشياء من طور إلى أخر. والحديث عن المجتمع والدولة في الفكر الماركسي السياسي، هو حديث ودراسة حول الإنسان، بطريقة مادية واقعية، دراسة الانسان الحقيقي/ الواقعي، وليس الإنسان ككائن مجرد ومتخيل، يعني، أن ماركس يهتم بدراسة الكائن الواقعي، وليس الممكن المثالي، ونفس الشيء بالنسبة لثنائية الدولة والمجتمع، فقد حرص ماركس على تحليل الظروف المادية المشكلة للدولة، وليس فهم خير نتمناه، ونرجو حصوله، ونسعى لحضوره، أو إعادة بناء رؤية جديدة حول إنسان طبيعي عاش في  حالة أصلية اصطلح عليها بالحالة الطبيعية مع فلاسفة الأنوار، وإنما هو حديث سياسي واقعي ومادي عن إنسان منوجد في مملكة الواقع، إنسان تجريبي متفاعل مع حركية الواقع والتاريخ عبر البراكسيس[5].

يخالف كارل ماركس، هيغل الذي يعتبر أن الدولة غاية في ذاتها، وليست وسيلة لتحقيق غايات خارجية عنها، فالدولة حسب هيغل، تمثل روح وإرادة ووعي أمة من الأمم، وتجسيدًا للعقل المطلق في التاريخ [6]. منتقدًا أيضًا فلاسفة العقد الاجتماعي، الذين تخيلوا حالة افتراضية اصطلح عليها بالحالة الطبيعية، رغم اختلافهم في توصيفها وإبراز خصائصها، وهل هي موصوفة بالخير أم الشر؟ سواء أكانت الحالة الطبيعية، حالة هدوء وسعادة أم حرب الكل ضد الكل، فإن ماركس ذهب عكس ذلك، في فهمه لأصل الدولة عامة، والرأسمالية خاصة، بحيث ينطلق من الواقع، للحديث عن ظروف مادية، تجعل الإنسان منتج للأشياء رغم بساطتها، ومستخدم لأدوات، لكن، بازدياد الكثافة السكانية اضطر إلى تحقيق الضروريات للبقاء في الوجود والمحافظة على الذات، فعن طريق الإنتاج، صار الناس مميزين ومختلفين عن بقية الكائنات، وهنا نقطة مهمة لا بد من الإشارة إليها، وهي أن الحياة وفق رؤية ماركس مطبوعة بالعمل والإنتاج، اللذان يعتبران المحددان الأساسيان لنشأة الدولة في التاريخ ومن داخل المجتمع كما سنرى، فالوعي والعقلانية ثانويان [7].

وبناء عليه، يمكن القول، بخصوص الجزئية السابقة، أن الإنسان حيوان منتج، إنتاجه، يختلف عن الإنتاج الحيواني، فالإنتاج الإنساني، قصدي وواع، لكن، وفق ضرورات وظروف مادية، إنتاج يجعل الإنسان متميز، وفريد من نوعه، وكان على كارل ماركس أن يتحدث عن صفة العقلانية أولا ثم الإنتاجية ثانيًا، بمعنى النظر إلى الإنسان من زاوية آلة الإنتاج التي هي العقل، ثم النظر بعد ذلك في المنتوج كنتيجة، امتنع ماركس عن قول ذلك، ربما لكي لا يناقض منهجه الجدلي المتمثل في أن أساس الحياة الإنسانية يتمظهر عبر عملية الإنتاج، بينما الجوانب العقلية ثانوية، يعني أن الحاجة إلى تحقيق الضروريات عبر الإنتاج أو الممارسة هي التي دفعت الإنسان إلى العمل والإنتاج. وبالتالي، (لما كانت الدولة هي الشكل الذي يتمكن عن طريقه أفراد طبقة مسيطرة من ترجيح كفة مصالحهم المشتركة والذي يتلخص فيه كل المجتمع البرجوازي لعصر من العصور، فإن كل المؤسسات المشتركة تمر من خلال وساطة الدولة وتتلقى شكلا سياسيًا، ومن هنا كان الوهم القائل، أن القانون يقوم على إرادة، والأنكى من ذلك على إرادة حرة منفصلة عن أساسها العيني) [8].

فضغط الحاجات، أجبر الإنسان على أن يسموا بإنسانيته، بحيث سيتحدد مضمون عقله تبعًا لظروف مادية واقعية بعيدة عن عقله، هذه الظروف المادية المتمثلة أساسا في الاقتصاد، هي التي ستكون سببًا في نشوء السياسي، واختفاء نظام وظهور آخر، موجب لتأسيس دولة.

  • الظروف المادية ونشأة الدولة

لا يمكن تفسير نشأة الدولة في الماركسية، عن طريق نظرية الحق الإلهي، أو التفويض، ولا عن طريق العقد الاجتماعي، لأنهما يرتبطان بالتفسير المثالي المجرد والبعيد عن الواقع، عكس ماركس والماركسية حيث الانطلاق من الظروف المادية الواقعية للحديث عن نشأة الدولة. فأنماط الإنتاج (من البدائي، والإقطاعي، والرأسمالي) أحدثت انشطارات وصراعات داخل المجتمع، وحفاظًا على وحدة المجتمع، كي لا تتطاير جميع أجزائه، فإن الحاجة المادية، فرضت ظهور سلطة إكراهية من داخل المجتمع. ويؤكد ماركس استنادًا إلى ليو شتراوس وجوزيف كروبسي: (أن سلطة الدولة هي بصورة دقيقة الفاعلية التي اخترعتها القلة الظالمة لكي تتحكم في سلوك الكثرة. إن الدولة هي أداة القهر الطبقي، جعلها تقسيم المجتمع أمرًا ضروريًا، يوجدها بدورها، التحكم الخاص في وسائل الإنتاج، وغني عن البيان، أن الحكومة لا تظهر بهذه الصورة لجمهور الناس، ويقر ماركس أن الطبقات تشترك في تدعيم الحكومة باحترامها، واحترام سلطة قهرها، بيد أن ذلك يعني سوى أن الناس بسبب قصور ظروفهم المادية مستعدون ومجبرون على أن ينصبوا على أنفسهم طاغيتهم الخاص، مخلوقهم الخاص الذي لا بد، كما يفعل، أن يؤكد نفسه ضدهم) [9].

وعليه، فظهور الدولة جاء نتيجة لتطور المجتمع في سياق تاريخي، إنها تعبير عن طبيعة نمط الإنتاج الاقتصادي السائد في مجتمع ما، والعامل الأساسي والحاسم في نشأة الدولة، يتمثل في الإنتاج الاقتصادي، وما يرتبط به من مفاهيم، كنشأة الملكية الخاصة في التاريخ، التي أدت إلى انقسام المجتمع إلى نوعين من الطبقات: طبقة المالكين لوسائل الإنتاج، وطبقة المحرومين من الإنتاج. بمعنى أن الدولة لم تكن موجودة في التاريخ، وليست شيئا طبيعيًا، ولكنها ناشئة وفق ظروف معينة، (لم تكن الدولة موجودة دائما. فلم يكن هناك في المجتمع البدائي شيء اسمه الدولة، بالطبع، كانت هناك وظائف اجتماعية محددة، لكن، هذه الوظائف كان يقوم بها أناس اختارهم جميع أفراد المجتمع، وكان يحق للمجتمع الاستغناء عنهم في أية لحظة، وتعيين آخرين محلهم، وكانت العلاقات بين الناس تضبط في تلك الزمان السحيقة بقوة الرأي العام) [10].

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد لمعمر

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.