تأخذك إلى أعماق الفكر

قراءة في فيلم The platform: العالم دائما بحاجة إلى المُخلّص

The platform أو “المنصّة”، فيلم إسبانيّ من إخراج جالدير جازتيلو أورتيا، من إنتاج عام 2019، يدور حول منظمة مجهولة، تدير مكانًا يُعرف بـ [الحفرة]، وهو أقرب إلى سجنٍ عمودي، يقضي فيه النُزلاء مدّتهم في أدوارٍ متعاقبة، ويستيقظون كلّ شهرٍ في طابق مختلف، وفق آلية غير معلومة.

الجهة المسؤولة عن إدارة الحفرة تعدُّ طعامًا للنُزلاء، وتضعه على منصّة تنزل إليهم عبر الطوابق المُختلفة، الأمرُ الذي يعطي لنزلاءِ الطوابق العليا ميّزة الحصول على طعامٍ وفيرٍ كل يوم، في المقابل لا يصلُ منه شيء إلى نزلاءِ الطوابق السُفلى.
يستيقظُ البطل “غورينج”، الذي انضمَّ إلى الحُفرة للمرّة الأولى، ليجدَ نفسه في الطابق رقم 48، ليبدأ رحلة استكشاف هذا المكانِ الغريب، ليخوض ثورته على نظام الحُفرة.

عبقريّة الفكرة تبدأ من بساطتها:

فيلم The platform يطرحُ تساؤلاتٍ عميقة جدًا، من خلال حكايةٍ تنتمي إلى فئةِ السهل الممتنع، بأسلوبٍ رمزيّ بسيط، وهنا بالضّبط تكمنُ الحيلة البارعة: أن تكون عبقريًّا دون أن تحتاجَ إلى الكثيرِ من التعقيد، أن تقولَ الكثير دون أن تحرّك فمكَ.

عبقريّة الفكرة، تكمنُ في المقامِ الأوّل في بداهتها وغموضها في آنْ، فالفكرة في بذرتها تبدو من نوع الأفكار الذي يمكن للواحد منّا أن يتعرقلَ فيه وهو يمشي في الشارع، أما تفاصيلها فيحيطُ بها بعض الغموض، لكن هذا لا يسبب تشويشًا، على العكس يساهمُ في اندماجنا أكثر، فلا نشعر كمشاهدين بحاجةٍ إلى السؤال عن هدف المكان، وكيفية اختيار النزلاء، وآلية عملِ المنصّة على سبيل المثال، إننا نتقبل الحُفرة كما هي، وكأنَّ إجاباتِ هذه الأسئلة معروفةٌ بالبداهة لدينا، أو هو أمرٌ متروك لنا لنتخيله.

إعلان

فعندما التقط “غورينج” تفاحة من المنصّة ووضعها في جيبه، كي يدّخرها إلى ما بعد، انقلبَ جوّ الطابق إلى ما يشبهُ الجحيم، بكيفية مجهولة، لم يسأل عنها البطل. المنصّة نفسها تتدلى من أعلى، مارّة بكل الطوابقِ بآليةٍ غريبة، يكفينا فقط أنّها تنزل هكذا ببساطة، ربما ليُترك لنا كمشاهدين الحريّة في تخمين السبب وراءه.

فيلم The platform الإنسان: ذئبٌ أم خروفٌ؟

أبرزَ هذه التساؤلات التي يطرحها فيلم The platform ، تدورُ حول طبيعةِ الإنسانِ وأخلاقه، وإلى أيّ مدى يمكنُ التعويلُ على هذه الأخلاق، وهو ما يمكن اختصارهُ في السّؤال الأشمل: هل الإنسانُ بطبيعته ذئبٌ أم خروف؟

المبدأ الذي يسود في الحفرة، ويبدأ البطل “غورينج” في اكتشافه، هو أنّ من هم بالأعلى مُنِحوا أفضليّة الحصول على كمّية وفيرةٍ من الطعام، لهذا بإمكانهم التّصرف كيفما شاءوا في الطعام الذي تحمله لهم المنصة.

ينتجُ عن هذا الإحساس بالتفوّق رغبةٌ تدميريّة يوجّهونها نحو من هم في الأسفل، لأنّ من في الأسفل يستحقوّن أنْ يكونوا في الأسفل، يستحقّون أنْ يعاملوا على أنّهم في الأسفل، وعلى من في الأعلى أن يحصلوا على امتيازات كونهم في الأعلى؛ إنّها بديهيات الحُفرة، ذلك المجتمع المقموع، الذي يعبّر عن هيراركية الاحتقار.

يتجلّى هذا في حديثٍ بين “غورينج” وزميلٍ طابقه “تريماغاسي”، حين بصقَ الأخير ما في فمهِ على المنّصة قبل أن تصلَ إلى الطابق الأسفل، ليعلن غورينج عن تعجبه: لمَ فعلت هذا؟
فكانت الإجابة: إنّه لأجلٍ من في الطابق السُّفلي، كي يأكلوه!
-ماذا لو فعل من فوقنا الأمرَ نفسه؟
-على الأرجحِ يفعلون الأمر نفسه، الأوغاد.

نرشح لك: وسوسة الشيطان: قراءة في كتاب “تأثير لوسيفر” لفيليب زيمباردو

يقول الفيلسوف الألماني إرنست فيشر في كتابه “جوهرُ الإنسان”، إنّ السؤال حول ما إذا كان الإنسانُ ذئبًا أم خَروفًا، يعد مجرّد صيغةً خاصّة لسؤالٍ شَكّل إحدى أكثر المشكلات أساسيّة في الفكر الفلسفي الدينيّ والغربي، والتي يعبّر عنها بسؤال: هل الإنسان في جوهره شريرٌ وفاسد، أم أنه خيّرٌ وكامل؟

وردًّا على هذا السؤال، يطرحُ الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، في كتابه الليفياثان، أن الحالة البدائيّة للإنسان، حالةُ انعدامِ السّلطة المشتركة، التي تخضع الأفراد وتمنعهم من الانقضاض على حقوقِ الآخرين، بسيفِ الرّهبة، هذه الحالة هي حالة حربِ الكلِّ ضدّ الكلّ، والتي يكون فيها كلُّ إنسانٍ عدوًا لكل إنسان.

بتطبيق هذا على مجتمع الحُفرة، فصحيحٌ أنّ هناك سلطةً ما للمؤسسةِ التي تدير الحُفرة، تختصُّ بعملِ الحُفرة ذاتها، لكن هذه السلطة ترفع يدها عن الأمور التي يتوجب على النُزلاء القيام به حيال النزلاء الآخرين، وهو ما ينتجُ عنه أن يكون فعلًا كل نزيل في حالة حربٍ ضدّ الآخرين، لأنّ لديه حريّة التصرّف دونَ الخوف من العقاب.

فيلم The platform وحتميةُ الافتراس:

مجتمع الحفرة ليس فقط مجتمعًا بدائيًا بدون سلطة، كما أشار “هوبز”، لكنه فوق هذا مجتمعٌ طبقيّ حَرفيًا، تمارسُ فيه الطبقات العليا العنفَ والاحتقار بوصفه استثمارًا لوضعِ الطابق الجيّد، فمن الخسارة ألا تمارسَ على من هم أسفل منك، ما يمارسه عليك من هم بالأعلى.
الفيلم يضعنا أمام سؤالٍ أخلاقيّ ثقيل: ماذا كنت لتفعل إذا ما كنت في هذا المجتمع، واستيقظتَ لتجد نفسك في طابقٍ علوي، بعد أن ذقت مرارة الجوع في الطوابق السفلى سابقًا؟ هل ستعوض ما فاتك وتأكل كما يحلو لك، بغض النظر عمّن هم أسفل منك؟
حسنًا، ماذا لو استيقظت لتجد نفسك في طابق سفليّ لا يصل إليه الطعام، ولديكَ شريكُ زنزانة، ما الذي ستفعله حياله، بينما تعرف أن أمامك خيارين: إما أن تأكُل أو أن تؤكَل؟

في الشهر التالي، عندما استيقظ “غورينج” بصحبة “تريماغاسي”، في الطابق رقم 171، وجدَ نفسه مقيّدًا إلى السرير، بفعلِ زميله الذي واجهه بحقيقة أنّ الصداقة بينهما ستتلاشى، وتنتهي بعدمِ ثقةٍ متبادلة، سرعانَ ما تؤدي إلى الصراع على لحمِ الآخر.

“تريماغاسي” بحكمِ أنّه قضى فترة طويلة في الحُفرة، خاضَ فيها نحو 10 طوابق، اختبرها خلالها الأعراف التي سادت في الحفرة، وتبادلتها الأجيال، بحُكم هذا، يعتبر خير تمثيلٍ عن الكيفية التي تجري بها الأمور وفقًا لـ “إنسانِ الحفرة”.
الأمر بسيطٌ للغاية بالنسبة لـ “تريماغاسي”، إنه جائع، ولا ويمكن لومُه؛ لأنّ الظروف هي التي وضعته في هذه المعضلة: إما أن تأكُل أو أن تجد نفسك مأكولًا، بل أكثر من هذا، إنه يُلقي بالمسؤولية على نزلاءِ الطوابق العليا، لأنّهم هم من تركوا المنصّة تنزِل إلى طابقه بلا طعام.
ما نعرفه عن “إنسان الحُفرة”، أنّه لا يعرف الرحمة، وبإمكانه أن يرتكبَ أفظع الجرائم، وببساطة سيجد لها المبررَ المناسب، كما فعل تريماغاسي، وسينامُ بعدها مرتاح الضمير لأنه فعل الشيء الصواب من وجهة نظره.

العالم دائمًا بحاجةٍ إلى المُخلّص:

حلُّ المشكلة، لا يأتي أبدًا من مجتمع الحُفرة ككل، ففكرة “الجميع” لا يمكن التعويلُ عليها كثيرًا، والرّهان على “إنسانِ الحٌفرة” لن يصدق إلا إذا كانَ رهانًا على الجانبِ السّيئ فيه؛ لأن كل فردٍ يريدُ النّجاة بنفسه، هذا هو الشيء الأهم، ولا مجالَ للتفكير بالآخرين، وهنا بالضبط تكمنُ معضلةُ الحُفرة: لن ينجو أحد، إلا إذا فكّر الجميع في الجميع.
مجتمعُ الحُفرة بحاجةٍ إلى “مُخلّص” يحرك المياه الرّاكدة، يدعو النُّزلاء إلى التفكيرِ مليًّا في الأمر، إلى إحداث تغيير ما؛ لأن بقاء الوضع على ما هو عليه، ببساطة لن يفيد أي أحد؛ فنزلاء الطوابق العليا سيأتي عليهم يومٌ يجربون فيه الأوضاعَ في الطوابق السفلى.

“غورينج”، مسيحُ الحُفرة، بدأ يبشّر برسالته عندما حاولَ حثّ النزلاءِ على تحديدِ حصصهم، فما كانَ من زميلٍ طابقه إلا أن اتّهمه بالشيوعيّة، ثم زعقَ عندما سقطتْ جثّة نزيلٍ من الأعلى: ألنْ يفعلَ أحدٌ شيئًا!

المسيحُ الذي أراد التغييرَ لم يكن طريقه لتحقيق هذا خاليًا من الدّماء، فقد قتل زميله في الطابق 171 بعدما نجا من يديه، ثم أكل لحمه، ولم يتعفف عن أكل لحم زميلته في الطابق 202، بعدما انتحرت مقدمة لحمها إليه كي ينجو، واستخدم العنفَ وصولًا إلى القتل تُجاه كل من حاول اعتراض سبيله من النزلاء، كان مسيحًا واقعيًّا عرف أنه لم يكن ليصل إلى أي شيء لولا هذه الأخطاء.
كان هذا المسيح لديه من الإيمان ما يكفي ليترك نعيمَ الطابق السادس، حين وجدَ نفسه فيه، ليفكّر في جحيمِ من هم في الأسفل، واضعًا على عاتقه مهمّة تطبيقِ العدالة على نزلاءِ الحفرة، وتوزيعِ الطعام بحصصٍ تضمنُ للجميعِ بقاءهم على قيدِ الحياة، لا أكثر ولا أقل، وهي ليست سوى مهمة انتحاريّة.

حكمةُ مسيحِ الحُفرة، يمكنُ اختصارُها في أنّه قد يكون من المهم أن تراقبَ أفعالك وأنت في الأسفل، لكنْ الأهمُّ هو أن تراقبَها وأنتَ في الأعلى، أن يكون لديك الاستعدادُ للتخليّ عن النعيم للتفكير فيمن يعيشونَ في الجَحيم.

المراجع:
-توماس هوبز، اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حبيب وبشرى صعب، دار الفارابي، 2011.
-إريش فروم، جوهر الإنسان، ترجمة سلام خيربك، دار الحوار للنشر، 2011.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد عبد الجليل زهير

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.