فيلم “The Exterminating Angel”: فلسفة من نوع آخر

من أين جاءت فكرة فيلم The Exterminating Angel؟

فى بدايات القرن الـ 19، قام الرسام الفرنسي “ثيودور جيريكو” برسم لوحته الرائعه “طوف قنديل البحر “، والمعروفه فنيًا بـ”طوف ميدوسا” التي تحكي عن غرق السفينة ميدوسا قرب سواحل موريتانيا، وبقاء عدد أفراد لا يتجاوز الـ 15 على سطح خشبي في منتصف البحر يعانون من الجوع والعطش، إلى أن يقوموا بأكل بعضهم تباعًا، توصف اللوحة فنيًا بأنها أحد أهم عناصر الحركة الرومانسية الكلاسيكية القصصية في العصر الحديث، حيث أن بعد عرض تلك اللوحة لاقت قبولًا جماهيريًا شديدًا مما جعلها أحد أهم اللوحات الفنية في متحف اللوفر بباريس.

لوحة طوف ميدوسا

 

عام 1944، كتب الفيلسوف الفرنسي “جان بول سارتر” مسرحيته الشهيرة “لا مخرج” وتدور حول ثلاث شخصيات ميتة داخل غرفة ضيقة، وتكتشف لاحقًا قدرها بأن تظل في تلك الغرفة إلى الأبد وأن تعذب الأرواح بعضها البعض، وكانت تلك المسرحية تلقي الضوء حول قدر البشر بأن يظلوا سويًا فى نفس البوتقة وألا يخرجوا منها سواء كانوا أحياء أو أموات، وأن مجرد وجودهم سويًا يعتبر عذابًا ولكنه عذاب من أقسى الأنواع.

في عام 1962 قدم المخرج الأسباني السيريالي “لويس بونويل” رائعته الفنية “الملاك المبيد” التي تتشابه تدريجيًا مع مسرحية سارتر ولوحة جيريكو، ولكن فلسفه بونويل كانت من النوع غير القابل للفهم، فسير أحداث القصة كان مغايرًا للطبيعة البشرية التي يستعصي عليها الفهم لما لم يكن هناك من مخرج، كيف لا يخرج الجميع إذا كان الخروج ممكنًا؟

أحداث الفيلم

تبدء أحداث الفيلم حول حفل عشاء رسمي يقيمه زوجان من الطبقة البرجوازية (الطبقة الغنية) وقبل بدء العشاء ينسحب تدريجيًا الخدم بدون أسباب تذكر، ليتركوا رئيس الخدم وحيدًا في ذلك الحفل، ويبدأ حفل العشاء ويتبادل الأطراف الأحاديث حول مجتمعهم البرجوازي الغني ويتّضح من كلامهم انفصال تلك الطبقة عن المجتمع بشكل كبير، فهم فعليًا لا يشعرون بأن هناك طبقات أخرى سواهم، وأن من ليس منهم فهو فعليًا يعتبر –حيوانًا– وتلك رمزية هامة في الفيلم، سوف يتم التطرق إليها لاحقًا، وتبدأ إحدى السيدات في الحديث عن عذريتها وفخرها بذلك، ولكن نظرات تلك الطبقة تلاحقها بشيء من التهكم.

إعلان

فيلم The Exterminating Angel

يبدأ العبث عندما يحاول الأفراد داخل الحفل مغادرة الحفل، ولكن لسبب غير واضح يفشلون في مغادرة الغرفة، على الرغم من أن الأبواب مفتوحة، وسيارتهم في الخارج، إلا أن هذا المنظر العبثي جعلهم يخفقوا واحدًا تلو الآخر في عبور الغرفة، ويبدأ الأمر في البداية بالدعابة العبثية، ويقرروا  ليلتها أن يناموا ليلتهم الأولى على الأرض والأرائك داخل الغرفة، ولكن في صباح اليوم التالي اكتشفوا ما لا يمكن سبر غوره.

الكابوس الوجودي الهزلي يستمر معهم عندما يفشلوا صباح اليوم التالي في العبور للعالم الخارجي، ويبدأ شعور البعض بالجوع والعطش في إظهار الجوانب الأخرى من شخصياتهم البعيدة كل البعد عن طبقتهم البرجوازية التي تحمل على عاتقها حفظ جوانب البروتوكول، ويظهر الجانب الخادع من هؤلاء الأشخاص في كونهم مجردًا من أي مشاعر إنسانية وتبدأ حالات الصراخ والتآمر والسرقة والسلوك الشائن في الظهور، ونرى ذلك فى هيستريا بحثهم عن الماء بعد ما قاموا بكسر الحائط لكي يشربوا من الخط الداخلي للماء الذي يمر عبر الحائط، ونرى تدافعهم وظهور الجوانب الهيسترية المريضة دليلًا على أن تلك الطبقة ليست إلا قشرة زائفة ليس أكثر.

فيلم The Exterminating Angel

يبدأ رجال الشرطة في البحث عن محاولة لإخراج هؤلاء الأفراد ولكن يعجزون في المرور، ويبدأ أحد الضيوف في التفكير في كيفية الخروج وبالفعل يقوموا بإعادة المشهد الأول ليجمعهم سويًا، وتنجح محاولتهم في الخروج، ليقرروا بعدها الذهاب إلى الكنيسة ليشكروا الله ولكن يتكرر نفس الموقف، ويختتم الفيلم بحملان وثوار شعبيين يسيرون باتجاه الكنيسة.

 

رمزيات الفيلم

فمثلا تكرُّر المشاهد مرتين وأحيانًا ثلاثة، وكأنّ بونويل يريد أن يقول بأن الحياة نفسها ما إلا مشاهد مكررة وأن كل يوم يعيد نفسه تباعًا، وأيضا وجود دب وحملان داخل القصر، وأن ذلك الدب دفع الحملان أن تخاف فتهرب إلى الغرفة التي يحُتجز فيها البرجوازين، فيقوم أحدهم بقتل أحد الحملان وشٌيّ لحمه بعد أن قام بقطع أحد قطع الأثاث لكي يستخدمها حطبًا، ولربما كان بونويل يريد أن يوجه رسالة بأن ذلك الدب هو “الشيوعية” وأن الحملان هي الطبقة الفقيرة التي سوف تلتهمها الطبقة الغنية إذا شعرت بالجوع.

لويس بونويل

في بداية الفيلم يشير بونويل بأن الشارع الذي سوف يكون مسرحًا لتلك الأحداث والذي يقع فيه القصر الذي سوف تكون إحدى غرفه سجنًا لهؤلاء البرجوازين، هذا الشارع يدعى بـ providence/ أو شارع العناية الإلهية، وكان تركيز الكادر الشديد على اسم الشارع كان نابعًا من رغبة بونويل بأن يقول بأن العناية الإلهية قد تنقذهم من شرور الآخرين، فماذا لو كانوا هم أنفسهم الآخرين!

رغبة لويس بونويل في تغيير عالمه البرجوازي الفاشي، ظهرت في عدد من الصور الفنية داخل فيلم The Exterminating Angel، فعندما يموت أحد الأشخاص يموت ويوضع جثمانه في خزانة الملابس، وزوجان يقفلان على أنفسهما في إحدى الخزانات ويقومون بالانتحار، والهلوسة التي تصيب إحدى الفتيات بأن ترى يدًا تتحرك من تلقاء نفسها، تلك الصور السيريالية تعبر عن صانع العمل ذاته، ورغبته في ربط ما يحدث في عالمه الحقيقي بعالم اللا وعي والأحلام الذى يحيا بداخله، فهو يصور فيلمًا عن طبقة برجوازية مكروهة لديه، ولكن فى نفس الوقت ربط ما يقومون به من أفعال بهلاوسه هو نفسه، بأن تلك الطبقة سوف ينتهي بها الحال إلى مجموعة من الهمج، البدائيين، غليظي المشاعر.. أو ينتهي بهم الحال كـالحملان كما في نهاية الفيلم، مجرد طعام للثائرين من أجل مستقبل أفضل.

نرشح لك: الخادم The Servant: فيلم عن الطبقية والجنس

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: أحمد علاء

تدقيق لغوي: رنا داود

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا