تأخذك إلى أعماق الفكر

فيلم Public Enemies: قصة سقوط أشهر سارق بنوك في أميريكا

تمردًا على عادة هوليوود، يتجاهل فيلم Public Enemies الطريقة التي نعتمد بها على الأسطورة لإضفاء عاطفة على الخارجين عن القانون، لمرة واحدة، لا يبدو أن الممثل الذي يلعب دور رجل عصابات يبني أدائه على الأفلام التي شاهدها، كما يقول الناقد الأشهر روجر ايبيرت، حتى اهتم بطريقة تحدثه والأماكن التي ارتادها في الحقيقة، يبدأ الفيلم بشخصية باردة ثم يتطور لصورة حية للشخص الذي يجسده.

يلعب جوني ديب دور سارق البنوك ديلنجر كواقع لا مجرد فيلم، فقد عاش بالطريقة التي يريدها ولم يقبل بتسوية أو حل وسط، لم يهتم بالمستقبل ولم يكن لديه استراتيجية هروب في النهاية، استمتع بيومه حتى لم يفكر في الغد، جوني ديب في آخر أدواره المميزة، في فيلم آكشن يحسن توظيف مشاهد الأكشن بدون اختزال القصة في طلقات نارية ومطاردات في الشوارع.

عدو الشعب رقم 1:

 

جون ديلينجر الحقيقي (على اليمين) بعد القيض عليه، قبل هروبه مجددًا

يقوم فيلم Public Enemies خلال فترة الثلاثينات في أمريكا، والتي ميزها موجة الجريمة الجديدة، وبداية العصابات والجريمة المنظمة، وصعود أسهم مجرمين كبار أمثال آل كابوني، وتشارلي لوتشيانو مؤسس عائلات المافيا الإيطالية، وموضوع الفيلم جون ديلينجر اأسطورة السطو على البنوك في العالم.

في مقابل هذا المد الإجرامي في البلاد، شهدت نفس الفترة ميلاد المباحث الفيدرالية FBI، لملاحقة هؤلاء المجرمين حول البلاد، حيث كانوا دائما يقومون بالسرقة من ولاية والاختباء في أخرى، فلا يمكن محاكمتهم إلا في بلد الجريمة، لذلك كان لزاما سن قوانين فيدرالية تسمح للحكومة بملاحقتهم في أي ولاية، وهذا دور المباحث الفدرالية، على يد الشاب إدجار هوفر مؤسسها، والذي لم يختلف كثيرا عن هؤلاء المجرمين، بل ربما أسوأ منهم، لو لزم التعقيب.

وكان أكبر المجرمين على رأس قائمة المطلوبين، يطلق عليهم ‘عدو الشعب أو Public Enemy‘، وأخطرهم عدو الشعب رقم 1.

 

إعلان

قائمة اعداء الشعب في ال 30s، من بينهم ال كابوني و جون ديلينجر

يقوم جوني ديب بدور جون ديلينجر أشهر سارق بنوك أميريكا، في الفصل الأخير من حياته ورحلته نحو السقوط، بعد مسيرة قصيرة لكن أسطورية، حظي خلالها بشهرة كبيرة وشعبية جارفة بين العامة مثل أ غلب المجرمين الكبار، باعتباره روبن هود أو نصير للفقراء، حيث كان يسرق الأموال من بنوك الحكومة، ويرفض أخذ أموال الناس التي يحملونها معهم هناك، وفي ظل فترة الكساد العظيم وسوء الأحوال الاقتصادية، صورته الصحافة على أنه شخص مرح يضحك دائما، ويسرق من البنوك الظالمة التي تصادر منازل الفقراء مقابل القروض، كان يبحث الناس عن أي رمز أو مغامر، ينفس عنهم ظروفهم ويواجه عجز الحكومة من أجلهم، ويرون فيه كاريزما مميزة تلهم أحلامهم، خصوصًا وأنه منهم، طفل يتيم توفت أمه أثناء الولادة، وعاش حياة صعبة مع والده العصبي وزوجة أبوه القاسية.

بدأ مغامرته الإجرامية سريعًا في المراهقة، وتم القبض عليه بعد أن سرق سيارة، لكنه تفادى السجن عن طريق التطوع في البحرية، ثم هرب من الجيش وعاد إلى عالم الجريمة، وتم القبض عليه مرة أخرى، وبالرغم من اعترافه في سبيل حكم مخفف إلا أنه تلقى حكمًا تعسفيًا ب 10 سنوات، تعرف خلالها على صف جديد من المجرمين وسارقي البنوك، وخرج في 1933 غارقًا في الغضب والاكتئاب، ومحملًا بشحنة عنيفة من الطاقة أطلقها على العالم، مستغلًا ذكائه وقدرته على التخطيط، فقد تمكن وعصابته من سرقة 500 ألف دولار، ما يقارب 7 مليون دولار في فترة الكساد، والسطو على بعض أقسام الشرطة، حيث حصل على بنادق وسترات واقية من الرصاص، وتمكن من الهرب من السجن 3 مرات، أشهرها عندما أدخل نفسه السجن ليساعد أصحابه على الهرب، وهي ما يبدأ بها الفيلم في المشهد الاول.

القاتل المثالي

فيلم Public Enemies
من اليسار: جيمس كان، روبرت دي نيرو، توم كروز،جوني ديب

ربما أهم ما يميز أفلام المخرج ‘مايكل مان’، أنه دائمًا يضع علامته وبصمته على الفيلم، كل جوانب الفيلم من علامات مايكل مان، من البطل إلى الشخصية النسائية، وبالأخص القاتل وضابط الشرطة الموجودين في معظم أفلامه، والمشهد المعهود بالمقابلة بينهما وجها لوجه، وأهمها المشهد الشهير آل باتشينو ودي نيرو، وبالطبع لا يمكن نسيان المحيط أو البحر، مهما كانت ظروف الفيلم، حتى في فيلم Collateral كانت الأحداث في سيارة أجرة، لكن السائق كان يحتفظ بصورة للمحيط، أو الشخصية صاحبة الشعر الأبيض، أو مرتدي النظارات، لكن القاتل أو قد تسميه الشرير يعد أهم بصمة وضعها المخرج في السينما، في رأيي.

القاتل أو البطل المضاد antihero هو دائمًا الجوهرة المشعة في أفلام مان، لعب الدور ممثلون كبار مختارون بعناية، بداية من ‘جيمس كان’ في Thief، إلى ‘روبرت دي نيرو’ في Heat، ثم ‘توم كروز’ في Collateral، وأخيرًا ‘جوني ديب’ في هذا الفيلم.

تم وضع هذه الشخصيات في نفس المواقف تقريبًا خلال الأفلام، وبنفس الظروف وحتى نفس المشاهد أحيانًا، فكلهم قتلة منضبطين يقوم ثلاثة منهم بسرقة البنوك أو الخزنة، وشجعان لا يهابون الشرطة أو الموت، والتخطيط باقتدار للعملية القادمة سر نجاتهم، ولا يتركون شيئًا للصدفة، تقودهم دوافع لا يضيع المخرج وقته بشرحها، فقط مجرم جذاب يفتن الجمهور للتعاطف معه، بالرغم من رفض أفعاله، محبوب من أفراد عصابته الذين يعاملونه كإله، ويضمن تأييدهم بنهر الأموال المتدفق في جيوبهم، تعكر الوحدة صفو حياته، يشاهد ضياع أصحابه وخططه، وتقوده أفعاله إلى الهاوية.

إلى اللقاء بلاكبيرد

فيلم Public Enemies
ماريون كوتيار بدور بلاكبيرد

-أنت في عجلة من أمرك يا فتى!

=إذا نظرتي إلى ما أنظر إليه، فستكونين أيضا في عجلة من أمرك.

يقابل جوني ديب بيلي الجميلة التي تعمل بمهنة بسيطة، وغير قادرة على مجاراة الحياة الصعبة من حولها، تحتاجه ليحميها وهو يحتاجها ليجد من يحميه، وتصبح جزءًا من عالمه ومهمته، لا يخجل من نفسه ويتباهى أنه سارق بنوك في أول مقابلة معًا، وعندما استفسرت عن صراحته قال: “لن أكذب عليك أبدًا”، وبعدما كان يعيش حياته بلا تخطيط أو هدف، ويستمتع باليوم ولا يفكر بالغد، يطلب منها مباشرة مصاحبته عندما يهرب، وتصبح أهم من هوايته المفضلة في سرقة البنوك، بالرغم من عدم ظهورها بالقدر الكافي في الفيلم، إلا أنها قصة حب متقنة، حب من أول نظرة وحياة مملة فجأة أصبحت ذات معنى.

فيلم Public Enemies
جوني ديب وماريون كوتيار

وعندما يزداد الخطر أو كما يقال ‘shit hits the fan’، يخالف ‘مان’ فلسفته المعهودة بالهرب أو تجاهل الحبيبة كما في أفلامه الأخرى التي حدث بها نفس الموقف تقريبًا، فغالبًا ما يتخلى البطل عن زوجته أو صديقته لسبب أو لآخر، وغالبًا أيضًا تتضرر العلاقة بينهما عند بداية الصراع في الفيلم، لكن Public Enemies يخرج عن القاعدة، فهو يعود من أجلها متحديًا كل المخاطر، لأنه ببساطة قطع لها وعدًا بالعودة، لتكون آخر كلماته الوداع بلاكبيرد.

ولكن كعادة مايكل مان، يركز الفيلم عليه وليس عليهما، نعم بينهما علاقة ووجودها مؤثر في الفيلم، لكنه ليس فيلما رومانسيًا عن قصة حب يرفضها العالم بالشكل المعهود، فتكون شخصية جانبية لصالح البطل، وتظهر بدقائق قليلة بالمقارنة مع باقي الشخصيات الثانوية، ويتضح ذلك بشكل مميز في فيلم Heat، حيث الشخصيات النسائية قليلة الحيلة وقليلة الظهور، لكن حضورهم واضح ومؤثر في الفيلم، ومشاهدهم من أفضل مشاهد الفيلم.

حقائق عن فيلم Public Enemies

1- أثناء تصوير الفيلم، أعجب طفل في 12 بقبعة جوني ديب، وأراد أن يرتدي مثلها يومًا ما، بعد انتهاء الفيلم، قام جوني ديب بإرسال القبعة للطفل عن طريق البريد.

2- أحد أشهر أحداث القصة الحقيقة، ومن أهم مشاهد الفيلم، وهو إطلاق النار في مزرعة اختبأ فيها ديلينجر وعصابته، تم بالصدفة تصوير المشهد في 22 من آبريل، نفس تاريخ الواقعة الأصلي.

3- في مشهد هروب جوني ديب من سجن Crown Point، أراد المخرج التصوير في المكان الحقيقي، لكن السجن كان أغلق وتم تحويله إلى متحف ومزار سياحي، لذلك قاموا بتغيير شكل المكان وتعديل واجهته، ليظهر بنفس الهيئة كما كان في 1933.

4- تم استخدام السيارة الحقيقة التي استخدمها جون ديلينجر في الحقيقة، بعد سرقة أحد البنوك، قام الفيلم باستعارتها من متحف المدينة.

5- مشاركة جوني ديب وماريون كوتيارد في الفيلم بالصدقة، حيث استغل المخرج إضراب الكتاب في تلك الفترة، وتأجيل معظم الأفلام مؤقتًا، ليتمكن من التعاقد مع النجمين لقيادة فيلمه.

6- للتحضير لدوره، قام كريستيان بايل بزيارة أسرة شخصيته في الفيلم، وتلقى منهم النصح عن كيفية كلامه وسلوكه بين الناس، واستخدمها في الفيلم.

7- بالمثل زار جوني ديب متحف جون ديلينجر، وسُمح له بقراءة بعض الجوابات الخاصة به، حتى أنه ارتدي آخر سروال خاص بالمجرم الشهير، وكان مناسبًا بالصدفة.

8- يُقال أن جوني ديب أنقذ بعض العاملين في الفيلم من الموت، حيث فقد سائق السيطرة على سيارة قديمة من المستخدمين في الفيلم، وكاد أن يصدم 6 من العاملين من الخلف، فقفز جوني ديب ودفع العاملين قبل الاصطدام.

9. كان من المفترض أن يقوم ليوناردو دي كابريو بالبطولة في 2004، لكن انتهى به الحال بتركه في النهاية من أجل Shutter Island.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عمرو عدوي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.