تأخذك إلى أعماق الفكر

فيلم: Casino لا أحد يبقى على القمة دائما

عن عالم من النقود والأشخاص الذين سيفعلون أي شيء للحصول عليها، عالم يصعب فيه التفريق بين الحب والجشع والاستياء، فيلم عن الأشخاص الذين يصرون على الدخول في أزمات، اليائسون الذين يبحثون عن الفرص بِنَهم، ثم يتحول كل شيء إلى رماد في أيديهم، ولكنهم يرفعون أيديهم بعد ذلك ويطلبون المزيد، إذا كانت لديهم فرصة أخرى، فبالتأكيد سوف يفسدونها بنفس الطريقة. قصةعن كيفية تحول منجم ذهب للمافيا، إلى كارثة، وسقوط إمبراطورية الأموال المشروعة الخاصة بالمافيا، تحت إدارة سيد أفلام العصابات مارتن سكورسيزي، كفصل آخر من سلسلة المافيا بدءًا من Mean Streets إلى Goodfellas وتنتهي مع The Irishman.

صدر فيلم Casino في عام 1995، ولقي استحسانًا كبيرًا من النقاد في البداية والمشاهدين، لكن العديد يعتبرونه تقليدًا فاشلًأ ل Goodfellas، وأنه لم يكن بالمستوى وقد يعتبر من أقل أفلام سكورسيزي حظًا، لكنه يظل من أفضل الأفلام على الإطلاق، بدليل أنه ضمن قائمة أفضل 250 فيلم في التاريخ، وترشح لجائزة أوسكار وجوائز أخرى، ويعد من مفضلات الجمهور، أيا يكن، فهو بالفعل يستحق المشاهدة.

قصة فيلم Casino: الإمبراطورية الضائعة

“يجب أن تكون هذه القصة على نطاق واسع. ليس هناك أي معنى في توظيف روبرت دي نيرو وجو بيتشي وعمل فيلم مدته 90 دقيقة حول جانب واحد فقط من قصة عن فيجاس على مدار الأربعين عامًا الماضية، يجب أن يتم وضع الفيلم في سياق الزمان والمكان، ويجب أن يكون عن أمريكا نفسها، وإلا فما فائدة صنع فيلم آخر عن العصابات؟ لم أكن أهتم بذلك من الأساس -مارتن سكورسيزي

يحكي فيلم Casino قصة صعود وسقوط إمبراطورية المافيا في كازينوهات مدينة لاس فيجاس الشهيرة، قبل أن يستولي عليها رجال الأعمال والشركات الكبيرة، من جانب سام روسثتين، الذي يبدأ حياته كمراهن مميز وعبقري في حساب الاحتمالات في شيكاغو مدينة المافيا، فيجذب انتباه الزعماء بسبب عبقريته في الأرقام ويتم تعيينه لإدارة الكازينوهات، لأنه يبدو كرجل أعمال فعال سيتمكن من كسب أكبر قدر ممكن من الأرباح لصالح المافيا، وبعد فترة يتمكن من بسط سيطرته على المدينة، عن طريق إدارة كازينو “تانجيرس” الخيالي، ويتحول لأسطورة في عالم المافيا والجريمة، بالرغم من أنه ليس منهم، حتى تجد المتاعب طريقها إليها.

هو بعادته رجل يمقت المتاعب التي لا داعي لها، ويحاول القيام بعمله بشكل هادئ وثابت، يقوم بالتلاعب وإرضاء السياسيين، والانتباه للغشاشين في اللعب، والحفاظ على سيل النقود المستمر للمافيا، لكن صديق طفولته القاتل المعتوه ‘نيكي’ يظهر في الصورة، يتم إرساله لمساعدة سام في فرض سلطته، لكن نيكي سرعان ما ينشر الخراب والدمار حوله، ويهدد المدينة بأكملها.

إعلان

بنفس الوقت يقع سام في حب فتاة ليل مثيرة للمتاعب، بالرغم من متاعبها إلا أنه يتزوجها، ويعيشان حياة هادئة لفترة قليلة، حتى تهب عاصفة المتاعب، وتقوم سلسلة من الأحداث يتورط فيها الجميع، حتى تسقط الإمبراطورية.

يعد فيلم Casino إلى حد كبير جزء ثاني من Goodfellas، حتى لو اختلفت القصص والشخصيات، لكنه التعاون الثاني بين سكورسيزي والمؤلف بيليجي، وبالطبع بطولة دي نيرو وبيشي وعدد كبير من الممثلين في Goodfellas أيضًا، لكن ما يميز هذا الفيلم أنه ليس فقط عن كواليس عالم الجريمة، بل عن تاريخ المافيا الإيطالية وإحدى أهم الفترات في أمريكا، فالفيلم مبنى على أحداث واقعية قامت بالفعل في السبعينيات، ولكن تم تغيير أسماء الشخصيات وتجنب ذكر مافيا شيكاجو بشكل مباشر تفاديًا للملاحقات القانونية، وبعض من هؤلاء الذين شهدوا الأحداث بنفسهم، ساعدوا بالفعل في عمل الفيلم، ووفروا معلومات واستشارات، ومنهم أحد القتلة الذي كان في برنامج الحماية الفيدرالية، وكان ينصح الممثلين عن طريقة اغتيالات المافيا، حتى قرر سكورسيزي إسناد الدور له، فكانت طريقة القتل في الفيلم، واقعية كأي عملية حقيقية للمافيا.

دور العمر لشارون ستون

فيلم Casino

تظهر لأول مرة، شقراء طويلة حسنة المظهر، ذات جمال ساحر يخدع الناظرين، تصفف شعرها الحريري على الموضة وترتدي ما يلفت أنظار الزبائن لها، تلعب البوكر لصالح أحد الأغنياء الذي يقف بجوارها في سعادة بالغة، بين الضحكات العالية ورمي النيرد، تقوم بسرقة رقاقات القمار منه ووضعها في حقيبتها بخفة ورشاقة واقتدار، يراها دي نيرو فورًا، ويلاحظ الخدعة قبل أن يلاحظها هي، بعد الانتهاء من اللعب، يحاول الرجل التخلص منها كي لا يدفع لها بحجة السرقة، لكنها تأبى أن تستسلم، وترمي جميع الرقاقات التي تساوي آلاف الدولارات في الهواء، وتقف فخورة معتدة بنفسها، لا يشغلها شاغل في الحياة، يتوقف الزمن حول دي نيرو، ويقول “يا إلهي، وقعت في الحب فورًا”، فيما سيعرف بعد ذلك بمشهد سكورسيزي المفضل في الفيلم.

قدمت الجميلة شارون ستون ما يعد تقريبًا أفضل أدوراها على الإطلاق، حيث قامت بدور الزوجة المستغلة التي يحركها الطمع، والتعلق بوظيفتها القديمة كفتاة ليل، وحبها للشخص الذي جذبها للمهنة من الأساس، وتتسبب في مشاكل لكل أبطال الفيلم -كما تعرض الأحداث- وجعلها من أكثر الشخصيات المكروهة على الإطلاق، يكفي أنها نالت ترشحها الوحيد للأوسكار، وفازت بالجولدن جلوب عن الدور، ولكنها لم تحصل عليه بسهولة، فقد تم تحديد موعدين لتجارب الأداء أمام سكورسيزي، لكنه في المرتين تخلف واضطر للإلغاء بسبب انشغاله، فظنت أنه يتهرب منها ولا يريدها في الفيلم، وعندما تواصلوا معها لتحديد ميعاد ثالث، رفضت خوفًا من تكرار نفس المصير، وذهبت لتناول الغداء مع صديقتها، لكن سكورسيزي بحث عنها في كل مكان، حتى علم موقعها، وذهب بنفسه أثناء الغداء يطلب منها الانضمام لفيلمه، وكان ما كان، ولم يندم كلاهما أبدًا على هذا الموقف.

ربما سبب تفوق شارون على نفسها في فيلم Casino هو رغبتها كما قالت وقتها لمدرب التمثيل خاصتها “أريد أن أكون جيدة كفاية لأعمل مع روبرت دي نيرو“، فبينما كان دي نيرو بالفعل من أساطير السينما وقتها، فقد كانت شارون ستون صاحبة مسيرة جيدة، بدأت بدور صغير اكتشفها به وودي ألين في فيلم Stardust Memories، وقامت ببعض الأدوار المتوسطة بعدها، حتى شهرتها الكبيرة في فيلم Basic Instinct (1992)، الذي بدأ فصلًا جديدًا في حياتها التمثيلية، ووضعها على الجانب قمة ال sex symbols في جيلها، مما أثر بعد ذلك في نوعية الأدوار التي حصلت عليها، لكن Casino كان الاستثناء.

من المعروف أنها تعاني من مشاكل بالظهر من إصابة قديمة إثر سقوطها من على حصان، لكنها كانت تتحامل على نفسها خلال الفيلم، وفي أحد المشاهد كانت ترتدي معطف مزين بالذهب، كان يزن ما يزيد عن 20 كج، بالرغم من آلام الظهر المستمرة، ودخلت في حالة من الحزن والاكتئاب خلال التصوير لارتباطها بالشخصية، كانت أيام التصوير عبارة عن عذاب متواصل لها، حتى إن في إحدى المشاهد كانت تبكي على الهاتف، وكان مارتن سكورسيزي خارج الكادر يمسك بيدها لمساندتها!

من أجل عيني دي نيرو

فيلم Casino
روبرت دي نيرو والشخصية الحقيقية التي يلعبها

عاد مارتن سكورسيزي من جديد مع مؤلف كتاب وفيلم Goodfellas نيكولاس بيليجي، وهذه المرة عن كتابة Casino، ومع الاتفاق على الفيلم وبداية التصوير، لم يكن قد تم الانتهاء من الكتاب، وحينما عرض المؤلف على شخصية سام الحقيقة المساعدة، بعد أن تقاعد وعاش في فلوريدا، لم يكن متحمسًا ورفض المساعدة في الكتاب، ولم يكن منفتحًا لفكرة الفيلم، لكنه حين علم أن روبرت دي نيرو سيقوم بتجسيد شخصيته، وافق فورًا وطلب مقابلته، ومع بدء التصوير، ظهرت العديد من الشخصيات الحقيقية والذين شهدوا الأحداث للمساعدة، وتقديم النصح والمشورة.

حقائق عن فيلم Casino

1- كلمة fuck تم ذكرها في الفيلم 235 مرة، بمعدل 2.4 مرة في الدقيقة، ليحمل الرقم القياسي وحيدًا حتى شاركه فيلم Summer of Sam (1999)، ب 235 مرة أيضا، ثم عاد سكورسيزي مرة أخرى في The Wolf of Wall Street (2013)، وصنع رقما قياسيا جديدًا ب 600 مرة تقريبا في الفيلم.

2- عرض سكورسيزي فيلم Ocean’s Eleven (1960) على مصمم الأزياء في الفيلم، ليقوم ببناء التصاميم عليه.

3- اضطر روبرت دي نيرو طوال الفيلم، لحمل السجائر على نفس الوضع بنفس الشكل، لتفادي مشاكل في التصوير، لأن شخصيته تدخن باستمرار، فأحيانا يتوقف المشهد على شكل معين للسيجارة، وعند التصوير مجددًا، يجب أن تكون السيجارة كما هي، لذلك يمكن أن تلاحظ أن السجائر كما هي لا تتغير طوال الفيلم، كأنه لا يدخن.

4- معظم المحادثات بين دي نيرو وجو بيتشي كانت مرتجلة، كان المخرج فقط يخبرهم بماهية الحوار، ونقاط الاختلاف والاتفاق، ويترك طريقة إدارة الحوار معًا.

5- جيمس وودز الذي يقوم بدور ليستر، عندما علم أن سكورسيزي يريده في الفيلم، اتصل بمكتبه ليقول أنه موافق على العمل في أي مكان بأي وقت على أي دور بأي مقابل.

6- لخداع الرقابة، تم تصوير مشهد بعنف زائد عن الحاجة، على أمل أن ينشغلوا به، ويتركوا باقي المشاهد، لكن بشكل مفاجئ الرقابة لم تعترض عليه، وتركه سكورسيزي في الفيلم كما هو بلا تعديل.

7- ميزانية الأزياء في الفيلم تعدت المليون دولار، منهم 70 سترة ارتادهم دي نيرو، و40 كانوا لشارون ستون، كلاهما احتفظ بالملابس بعد انتهاء الفيلم.

8- تم تصوير مشاهد الكازينو في كازينو حقيقي، بين الساعة 01:04 بعد منتصف الليل، حين يكون أقل ازدحاما، بعد الأشخاص في الخلفية كانوا بالفعل زبائن يلعبون القمار فعلا، وقام الكازينو بوضع إعلان ضخم يحمل اسم الأبطال لجذب الناس اليهم.

9- التعاون الثامن بين روبرت دي نيرو ومارتن سكورسيزي.

فيلم Casino
جو بيتشي والشخصية الحقيقية

10- يقوم جو بيتشي بدور نيكي سانتورو، وبالرغم من أداء الدور باقتدار، إلا أنه كان يشبه إلى حد كبير الشخصية الحقيقة، فكان Tony “The Ant” Spilotro قصيرًا صاحب جسم ممتلئ، وملامح مماثلة بشكل غريب ل بيتشي بالأخص بعد المكياج، يذكر المؤلف بيليجي أنه كان مطابقًا تمامًا، حتى إن بعض العاملين في الكازينو الذين عرفوا الشخصية الحقيقة بالفعل، شعروا بالرهبة وكاد بعضهم يغشى عليه.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.