تأخذك إلى أعماق الفكر

فنُّ العيش: الفلسفة في زمن الكورونا

يبدو أنَّه كُلما حلّ واقعُ الأزمات الطّارئة على الحياة البشرية، كان له الجدارة  المعيارية على أن يُشكِّل نواة الكشف والمحاسبة للنموذج والنمط السائد المُدَبّر والمنسّق للجسد الاجتماعي، فوضع الاستثناء يُثبت القاعدة، مِن حيثُ أنّه يَكشف لنا زيف المقولات التي تحسمُ أنسب شكلٍ للتنظيم البشري الذي نعيش وفقه، كونه أفضل النماذج الممكنة، أو بالأحرى يجلي الغشاوة عما يقبع داخل الخطاب والممارسة السياسية والإجتماعية والأخلاقية للعديد من الدول التي رفعت شعارَ بلاد العالم الأول «الرّفاه»، في تلك الأثناء وما يعقبها، تَطرح لنا عادةً، إعادة التساؤلات والرؤى النقدية للعديد من المفاهيم في مناحٍ مختلفة؛ سياسيًا واجتماعيًا ووجوديًا.

  • وباء الهَيكل

تصبح حالة الاستثناء مقياسًا لمدى قابلية وقدرة التنظيم البشري على الحفاظ على تماسك الإنسان. تحل جائحة فايروس (كوفيد-19) ليس فقط لتُعلن عن وباءٍ مرضيّ يصيب مناعة أجسادنا، بل لتشير إلى أبعد من ذلك؛ حيث الوباء الأشدّ فتكًا ومرضًا في منظومتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العالمية، والذي يموت جراءها يوميًا آلاف البشر جوعًا وفقرًا في الظروف غير الاستثنائية؛ مثال آحاد بسيط بالرغم من توافر الحلول، كذلك تدمَّر البيئة والمناخ بدون مراعاة العواقب الوخيمة والتي تُنذر بإنقراض الجنس البشري. بيد أن الكوارث والأوبئة ليست بالأمر الجديد والمفاجئ لمسيرتنا، لكن المفارقة في طبيعة عمل التنظيم البشري في حيز ما خطاه الإنسان في صرح التقدم. وهكذا يصرح «نعوم تشومسكي» عن كورونا قائلًا: «ليس فقط بسبب فايروس كورونا؛ بل لأن الفايروس يحضرنا للوعي بالعيوب العميقة التي تواجهها البشرية، فالعالم مَعيبٌ وغير قويّ بما فيه الكفاية للتخلّص من الخصائص العميقة المُخلّة في النظام الاقتصادي والاجتماعي العالمي كله، واستبداله بنظامٍ عالمي إنساني؛ كي يكون هناك مستقبل للبشرية قابل للبقاء».

يبدو أن الحالة الحرجة وما بعدها، تمدنا برصدٍ يهدف إلى تشخيصٍ أكثر وفرةًَ بالعوامل المرضية والمُزمنة في بنيتنا البشرية التي تستمر في العمل خلال الأزمات في استغلال شتى الحالات، إنها تنال الخطوات الهادئة في ظل الصدمة، كما أسمتها نعومي كلاين «رأسماليّة الكوارث»، ونرى مجددًا شواهد على نفس النهج، كما  أشار إليه «ديفيد هارفي» عن تخفيض الاحتياطي الفدرالي للفائدة لمواجهة الفايروس، وأن هذه الحركة هدفت إلى التخفيف من التأثير على السوق، وليس بهدف مواجهة الفايروس.

  • المَعرفة والذّات

ما سوف أتناوله بالحديث هنا، ليس ما يُأكّده الفايروس من وباءِ السياسات الرِّبحية والنيوليبراليّة في جوانب الرّعاية الاجتماعية والصحيّة، بل الحوار على جوانب نموذجِ «قيمة المعرفة» في الدّور المُؤسسي تعليميًّا وتربويًا في نشأة الفرد والإحالة إلى أهمية دور الفلسفة كنهجٍ تربوي.

إذ أنَّ ما يطغى على منهجيّة التربية والتعليم هو الجانبُ التخصصي، فالتعليم يقوم على نمط الاستثمار في الإنسان لأجل السّوق، تُشكل الذات طبقًا لدورها في المجتمع مع تقسيم العمل والهرميّة الاجتماعية، فتتصور الذات نفسها من خلال أُطُر الرغبات والأمنيات المُحددة سلفًا، بما يتناسب مع المنظومة الاجتماعية، وهناك مقاربة من تلك الزاوية، عن مفهوم «الأجهزة الأيديولوجية»؛ (كـ الأُسرة والمُؤسسة؛ التعليمية والدينيّة والطبيّة…) للفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير؛ الذي يُحدد أنّ: نمطَ الذّات هو نفس النمط الذي تتسم به الأيديولوجيا أيًّا كان تعريفها. وبناءً على فكرة ألتوسير، فإن ذواتنا تتشكل طبقًا للأيديولوجيا، فنكون ذواتًا أيديولوجيّة. واستعمل ميشال فوكو حقلَ دراسة السلطة والمعرفة على خطّ ألتوسير مع اختلاف المنهجيّة ومفهوم السُلطة بينهما، لكن كانت نتيجة التّصور لكليهما، أن الذات حقل تتلاعب به الأيديولوجيا/تقنيات السُلطة.

إعلان

ففي مراحل تعليمية غير متكافئةٍ اجتماعيًا في ظل المجتمعات الرّأسمالية، يتكون وعيُ الذّات المعرفي عبر طريقة التشييد والتلقين، إذ تعتمد منهجية المعرفة في إرساء الغاية الهرميّة من التعليم أكثر ما تسعى إلى تعليم فكرة أن تصبح الذات حُرة، تملكُ القدرة على تكوين وامتلاك قيمةٍِ معرفيّة خاصة بدون تأطير وتفتيت لدور الذّات، كما كان يدعو شعار الأنوار «استعملْ عقلك أنت» وقيم العقل والحرية. فالمنظومات التعليمية تجعل؛ «علاقة الإنسان بذاته مُمزقة».

لقد حمل عصر التنوير موقفًا صريحًا من قيمة المعرفة للذات، لكن ما آلت إليه مكانة الذات في التنظيم الاجتماعي هو استعمالٌ للمعرفة عبر الذوات، ومدى اتصال السلطة والمعرفة؛ أخرج لنا تياراتٍ نقدية لعصر الحداثة والتنوير كمفكري مدرسة فرانكفورت «التيّار النقدي»، الذي برز في ظل أزمات اقتصادية كعصر الكساد العالمي والحروب العالمية؛ ليعبّر عن وجهةٍ نقدية ضد البنية الرأسمالية والمجتمعات الاستهلاكية والقيم التنويريّة، وكيف أدّت العقلانية إلى ما أسموه العقل الأداتي، وأحدثت تلك الدراسات في النظريات الاجتماعية والفلسفيّة أهميةً بالغة في تبيان موقع الذات، ومدى إغراقها في التشيؤ والاغتراب. نجد حديث «ثيودور أدورنو» عن هشاشة الأنا المعاصرة من جرّاء استراتيجيات التلاعُب بها؛ «فَقَد الأفراد القوة النفسيّة التي تمكنهم من تقرير مصيرهم العمليّ». إذن ما نربطه بالإطار النقدي ذاك، أنّ ما يتوافق مع أهداف المؤسسات التعليمية يتّصلُ بسوق تقسيمِ العمل، تُحصّل فيه المعرفة في الجوانب التطبيقيّة التخصصيّة، وليس هناك أهمية، أن تمتلك الذات الإنسانية القُدرة في تشكيل منهجها ومعرفتها بما يتناسب مع تفاعل الذات في الحياة والواقع والتجربة.

  • إحياءُ فنون الفلسفة

ولمّا كان الإنسان ليس آلةَ عمل، مجرّدةً عن الحياة الاجتماعية والأخلاقيّة التي تتفاعل مع صور الوجود، بيد أن تهاوي قيمة المعرفة وعلاقتها بالذّات أمام الأزمات الاستثنائية بشكلٍ ملحوظ عن الأوقات العادية، وذلك الكشف لغياب قيمة المعرفة في حياة الفرد، هو ما يدفعنا إلى فهم هذا الصيت الذائع للعقل الّلاعلمي، وذلك لعيوبٍ هيكليّة في التنظيمِ الاجتماعي الذي يعتمد على تسليع كل شيء، في إطار السوق الرّبحي.

(1)

وما يتبادرُ إلى الذهن، عن ضآلة موقع الفرد في علاقته مع ذاته ومع فاعليته لما حوله!، يطرحُ تساؤلًا فيما يجعل الذات في موضع الفاعل، ما نحتاجه؟

لجأ بعضُ مفكري فرانكفورت «هربرت ماركوزة وثيودور درونو» إلى الفن كمقاومة للواقع؛ «تحرر وانعتاق الإنسان المعاصر»، وقد انتقد درونو الحقلَ الفني المؤسسي، واعتبره مفرّغًا من مضمونه ومجرّدًا لاستهلاك المُتعة والتسلية التي تتلاعب وتنمّط البشر طبقًا لما تحدده المُؤسسات الاقتصادية.

بينما سعى فلاسفة البنيويّة «ألتوسير وفوكو» في الاعتماد على الفلسفة كمقاومة، حيث أسهم ألتوسير في توضيح المخرج من سيطرة الأجهزة الأيديولوجيّة، عبر نقد التصوُّرات الأيديولوجية وتحويلها إلى تصورات علمية، مما يمكّننا من كشفِ واقع هيمنة الذات الأيديولوجية، وأما فوكو بعدما كان أعلن «موت الإنسان» عن أي فاعلية في التاريخ في كتابة الكلمات والأشياء، رجع في كتاباته الأخيرة إلى إعادة فتح منفذٍ لمقاومة عملية تشكيل السُلطة للذات وما أطلق عليها «التذييت»، عبر اعجابه بالمدارس الإغريقية والرومانية القديمة، ونمط وفنّ العيش الفلسفي وما أسماه «رعاية الذات» وهو مبدأ عناية المرءِ بذاته عبر القدرة على المُصارحة ونقد التصوّرات والأفعال الذّاتية وكشف تقنيات تشكيل الذات، أي أن تعّي الذات موقعها وتشكّلها، وتجِد السبيل حتى تقاوم عملية الإخضاع والتذييت، فتكون ممارسة الذات لنفسها بشكل إرادي لكي تعمل على تحسين الذات.

من خلال نموذجين ألتوسير وفوكو والذين استمدوا وجهتهم من أن الفلسفة قادرةٌ على إحياء الذات وصلتها بقيمة المعرفة، الأول أخذ وجهة الفلسفة على مستوى المفاهيم والخطاب، والثاني نظر إليها من خاصيتها كفن للوجود. نعين انحصار دور الفلسفة في حياتنا، طبقًا لموقعها في النشأة التعليمية والتربوية، حيث نجد أنّ مادة الفلسفة تأخذُ منحى مواد التاريخ، وحتى مع الترقي في السلّم التخصصي أكاديميًا، يبدو أنها تفتقر للأهمية المطلوبة، فعلى مستوى اهتمام الفلاسفة بالمفاهيم والخطاب والمنهج، يكون دور التفلسف ضيقًا في حيز صفوةِ قليلة مًنشغلةٍ نظريًا، أما دور الفلسفة في تربية العقل وصقل الذات البشرية مُهمّشًا، وذلك مفسّرٌ -كما ألمحنا- عن طبيعة اسقاط النمط الاجتماعي لقيمة المعرفة.

(2)
وحول صلاحية الفلسفة في حياتنا، من مقولات موت الفلسفة، وتجاوز عصرها، فلا تخلو تلك الوجهة من قصور، إذ أنَّ النزوع الفلسفيّ لا يمكن أن يسجن مضمونه الأصيل في إطار تعبيرٍ أو فلسفةٍ ما، أو نسق معين.
ويعبر عن تلك النقطة؛ «آلان باديو» عن جوهر الفلسفة القادرِ على تكرار الولادة دائمًا، أي أن «الفلسفة بإعتبارها عودةٌ أبدية للشيء نفسه»، ويستعير باديو استنتاج هيغل أن: «الفلسفة هي طيرُ الحكمة وطير الحكمة هو البومة. لكن البومة تطيرُ فقط عند أفولِ النهار. والفلسفة هي النظام الذي يأتي من بداية الليل بعد نهار من المَعرفة والتجارب»، هنا يربط باديو التفلسف بالسّياق المعرفي، حيث أنّ شروطَ الفلسفة أن تبدأ من حيث انتهى العلم؛ «الفلسفة تحاولُ دائمًا اللحاق بالمستجداتِ غير الفلسفيّة»، وبتعبير ألتوسير: «الفلسفة ليس لها تاريخٌ على الإطلاق، إن الفلسفة هي دائمًا نفس الشيء». إذًن، كانت أهمية العقل الفلسفي في طرح الأسئلة في الطبيعة (الكوزمولوجي)، والدور الذي حثَّ الإنسان على تطوير مناهج علمية خارج نطاق خواص التفلسُف. وإذا  كانت الفلسفة أمُّ العلوم فهي لا تقف عند ذلك، بل تتناول العلم من خارجه بالتحليل المنطقي، ولها أسبقية في المبحث الإبستمولوجي وفلسفة العلم، فهي؛ «تلك التي تحلل العلم ولا تكون جزءًا منه» بتعبير: زكي نجيب محمود.

ومع تناول كلام باديو عن تناسخ الفلسفة في دورة تكرار لانهائيّة، يمكننا النظر للفلسفة كسمة وملكةٍ إنسانية عقليّة تَعبُر معه مراحل تطوره الأنثربولوجي، فهي تُعايِشُه في سياق تنوعاته وتناقضاته الآنيّة والتاريخيّة، فللفلسفةِ نزوعٌ متعدد الخواص بما يلائمُ صيرورةَ الإنسان. فالفلاسفة والحكماء ما هم إلا معبرٌ إلى الواقع وحركته وتناقضاته وأزماته وألغازه. ويكفي النظر إلى موقع الفلسفات الأولى وتغيُّرها مع حركة الزمن والبنية الاجتماعية والسياسيّة.

 والمنهج العلمي يهتمُّ بالكشف عن النظام عن طريق الفرض والرّصد والملاحظة والتجريب، والقدرة على التنبؤ والتصحيح الدائم لأقرب نموذجٍ يقدم تفسيرًا موضوعيًّا وعلميًّا. والفلسفة في جانب المفاهيم تصاحب المعارف العلمية الجديدة وتعتمد على الاكتشاف الجديد. وتلك صلة الفلسفة بالعلم، ولكل حقل مجاله.

(3)

أن يكون المرء ذاتًا مفكّرة ونشطة، أي أنّه يعبّر عن العقل وحضوره في العالم، وتفكّره في مواجهة الأوهام وتفكّره في حالات الوجود والموت، تفكيره في طرقِ العيش في مواجهة ظروفِ الشّقاء والألم بل التعامل مع الرغبات والأهداف أيضًا، هنا أن يكون المرء متفلسفًا، ليس كما يدرج في الرأي العام أن التفلسف هو الشَطط والجنون، بل أن طلب الحكمة هو القدرة على التحكم في الذات.

فإن كانت الفلسفة على مستوى «المفاهيم» هي تاريخٌ من المفاهيم الكبرى التي تفاعلت وأثّرت في التغيُّرات المهمة لتصوراتِ ومفاهيم وقوانين وأخلاق البشرية، إذ أن الفيلسوف طبيبُ الحضارة، فإنها على مستوى «نمط الحياة»، هي تحسين القدرة على التفكير والعيش، فالفلسفة هنا تفرد الفعل الذي يجعل المرء على درجة من النقد العقلانيّ وله قيمةٌ معرفية من تجاربة وحياته.

نستلهم من كورونا وفتراتِ المَخاطر والاستثناء في الحاجة إلى إعادة التساؤل عن فاعلية طرق التفكير وأنماط العيش في مقابلة القلق والخطر، فما نراه جديرًا أيضًا بالتناول والأهمية فيما يساعدنا في حياتنا الواعية؛ هو الرفع من قيمة التفلسف.

  • إنذارُ كورونا

غالبًا ما يرتدُّ الإنسان لحالة من النكوص إلى ذاته وإلى صلته بالوجود وبالأخرين، وذلك في أوضاع الطوارئ والاستثناء، التي تجعل المرء يتذكر أو يكتشف أو يتسائل أو يختبر أجوبته المُسبقة، ومدى ما يمكن أن يكون. الخوف هو شعور ينتاب الفرد بالتنبيه والإنذار لوجود خطر ما، حقيقي ومعلوم، فتلك الحالة من القلق الموضوعي، تحفز بالأساس الشعور على المجابهة والاستعداد. فالخوف يُولد مع الانسان؛ «يبدو أن عملية الميلاد وهي أوّل خبرةٍ بالقلق تمُر بالفرد، قد اعطت انفعال القلق في الانسان والحيوانات العليا بعض طرق التعبيرِ الخاص»، وإذ أن حتمية الموت، تضع داخلنا الخوفَ الكامِن من تلك المواجهة المصيرية. وكما أن غريزة البقاء تدفعنا نحو الحفاظ على الحياة بالرغم من معرفتنا بحقيقة الموت، الذي يواجَه بالعديد من محاولاتِ تناسي وتجاهلِ الموت، فهنالك مخاوفٌ بيولوجيّة؛ تدقّ ناقوس الخطر مع كل ما يهدد وجود الحياة البشرية للنوع، كالظواهر الطبيعية، التي واجهت البشرية على مدار سيرها، منذ حياة الغابة والكهوف إلى الزراعة والحضارة والصناعة، وحتى الثورة المعلوماتية والتقنية.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عصام أسامة

تحرير/تنسيق: خالد عبود

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.