تأخذك إلى أعماق الفكر

فلسفة اللغة: تعريف بها وبأبرز آراء منظّريها

إن الأفكار الأقل مركزيّة يمكن مراجعتها بشكل أسهل من سابقتها وباهتمام عابر مثل الجمل حول عدد البيوت ذات الطوب الأحمر  في شارع إيلم. إن إمكانيّة المراجعة المفتوحة أتت لوضع لهجَة للإبستومولوجيا في الفلسفة التحليليّة خلال القرن العشرين. رأى كواين أنه لا فائدة للمعنى دون المحتوى الضخم من التجارب أو الصدق التحليليّ ليرتبط بتفسير للمعنى. وركّزَ عمله بدلًا من ذلك على الشراكة في الإحالة والاتفاق بين المتكلّمين؛ إذ أشار في كتابه اللغة والهدف الصادر عام 1960 إلى أنّ مكاننا كمتحدثين يشبه إلى حد كبير مثل لغوي يحاول ترجمة لغة مكتشفة حديثًا دون أن يكوّن لها روابط إدراكيّة مع اللغات المحليّة وسماها الترجمة الراديكاليّة. وإذا واجهنا وضعًا كهذا فإنّه يتعيّن علينا البحث عن تعابير مكررة ومحاولة تأمين مرجع لها. وفي مثاله الكلاسيكي فإننا نقف مكتوفي الأيدي أمام اللغات المحلية . لاحظ أن الأرانب تركض نادراً والمحليون يقولون: “gavagai” عندما تمر الأرانب. ربما نترجم كلامها بكلمتها المحلية أرنب. ينتج تفكيرنا بقابلية ترجمة أحد التعابير مع الآخر تأثير بناء النظرية ذاتها وهو أن التحدث بمعنى مشترك يُحدِث اتفاقًا بين المتكلمين دون الاحتكام إلى الأمور المجردة كالمعاني. ورغم ذلك، أدّى هذا إلى أطروحةِ كواين في عدم التعيين في الترجمة؛ فعندما نشكّل فرضيات كهذه اعتمادًا على ملاحظاتٍ من تصرفات المتحدثين فإن هذا الدليل يختبر دائمًا فرضياتنا ويمكن تطويع هذا الدليل ليتلاءم مع الترجمات الأخرى حتى لو بدت غريبة علينا. وعليه، فإن كلمة ” gavagai” يمكن ترجمتها على أنها عشاء إذا كان السكان المحليّون يتناولون الأرنب أو جزءً منه على وجبة العشاء. ربما نُركّز الترجمات قليلاً بمزيد من الملاحظة دون الاستبعاد المنطقي للأخريات. يمكن أن تُغربلِ أسئلة المحليين المباشرة مجموعة الترجمات المنطقيّة قليلًا إلا أنّ هذا يُسلّم القيادة لعدد كبير من المصطلحات المجردة التي نشاركها مع هؤلاء المتكلمين والتي ترتكز بشكل مُسلّم بدورها على أساس فهم مشترك لمصدر أبسط من المفردات التي بدأنا بها. وعليه، لا شيء مما نلاحظه على المتكلمين سيحدد كليًّا صحة إحدى الترجمات على الأخريات؛ إذ أن الترجمة دائمًا غير ثابتة.

إن هذا لا يقودنا إلى القول بعدم تفضيل بعض الترجمات على الأخريات لكن دوافعنا لعمل هذا تبقى اهتمامات برجماتية حول البساطة والكفاءة. وينبغي ملاحظة اختلاف المتحدثين في درجات الفهم حتى ولو تعلق الأمر بلغتهم الأم. لدينا فقط تصرفات المتحدثين الآخرين التي يمكن ملاحظتها بما هو مألوف مع استخدامنا لهذه المصطلحات. وهذا يُوجِب علينا مواصلة تقييم المتحدثين الآخرين في محادثات بهذه الأساليب.

ما بعد كواين:

استمر تلميذ كواين دونالد ديفدسون في تطوير هذه الأفكار حتى فيما يتعلق بيقظة كواين؛ إذ أكدّ ديفدسون أن التفسيرات التي نَخلِقها لتعابير لغتنا الأصلية ليست أقل راديكالية مما أشار إليه كواين في الحديث عن محاولة اللغويّ في ترجمة تعابير جديدة بشكل يتجاوز المعايير. أمّا في عيون الفلاسفة والدارسين، فقد رآها كثير منهم مصدرَ إلهامٍ لهم ولكنها وقعت تحت هجمات فريق منهم؛ إذ لم تكن السلوكيّة في قلب دراسته مستساغةً عند أغلب الفلاسفة وعلماء الإدراك. وينطبق الكثير مما كتبه ناعوم تشومسكي عام 1959 في نقد سكينر على عمل كواين. وعلى الرغم من خضوع الفطريّة والمعرفة المتضمنة في عمل تشومسكي للنقد اللاذع  إلا أن هذا النقد لم يوجّه الفلاسفة وعلماء اللغة نحو التجريبية السلوكية التي نشأَت عليها تفسيرات كواين. وما زال أكثر فلاسفة اللغة المعاصرين يدينون لكواين في كسر مسلمات الفلسفة التحليلية الأولى وفتح الأبواب لتساؤلاتٍ جديدة.

ب. ويدجينستاين اللاحق:

غادر ويدجينستاين كامبريدج في بدايات عشرينيات القرن الماضي واشترك في مشاريع مختلفة خارج الوسط الأكاديميّ لسنوات عديدة ثم عاد عام 1929 وبدأ القيام بأعمال مختلفة كليًّا عما مضى كانت موضع جدال كبير حتى بين أتباع ويدجينستاين أنفسهم حول درجة التقارب بين هذه المراحل. يتحدث كثير من فلاسفة اللغة عن ويدجينستاين اللاحق على أن آراءه الأولى كانت مختلفة كليًّا وغير ملائمة. في حين يُصِرُّ آخرون على وجود استمرارية وطيدة في المواضيع والأساليب. ورغم أن عمله الأول قد أُسيءَ فهمه على نطاق واسع في وقته فهذا يبعث الشك بحدوث تغيرات مهمة وهي جديرة بأن نذكرها هنا. ففي تحقيقاته الفلسفية التي نشرت بعد موته سنة 1953، قطع ارتباطه بالتطلُّعات النظرية للفلسفة التحليلية في النصف الأول من القرن الماضي عندما اجتهد فلاسفة اللغة في نظام منطقيٍّ شحيح وأنيق. أشارت التحقيقات إلى أن اللغة جَمْعٌ متنوعٌ من ألعاب اللغة يخضع لتغيرات يصعب التنبؤُ بها وأنشطة اجتماعية موجهة لهدف محدد، تُكوِّن الكلمات فيها أدوات للحصول على أشياء يتم فعلها بدلًا من عناصر بناء منطقيٍّ ثابتة إلى الأبد.

إن التمثيل والمدلول والتصوير هي بعض الأهداف التي من المحتمل أن تملكها في لعبك لعبة لغة ما، إلّا أنها ليست هي الوحيدة. أخذت هذه النقلة في فلسفة ويتجينستاين مكانها في اهتمامها الجديد  للأبعاد السياقية في الاستخدام اللغوي. إن الحديث عن الأهمية السياقيّة لتعبيرٍ ما في هذا المعنى يعني دراسة طريقة تمثيل فَهمنا لهذا التعبير في صورة أعمال أو الدلالة على الأعمال. وعليه، نوجّه انتباهنا لاستخدامه بدلًا من المفاهيم المجردة لصيغة منطقية شائعة في صيغ البداية في الفلسفة التحليلية. يفرّق منظرو الفعل الكلامي بين علم الدلالة والبراغماتيكا بشيء من التقييد؛ إذ من الجدير بالذكر أن فكرة المعنى هو الاستخدام تُنسب غالبًا إلى ويتجينستاين رغم اختلاف تفسيراتها. فقرأها رايت بصفتها دعوة إلى التقليدية الاجتماعية للمعنى والتي رفضها ماكدويل بشكل واضح. واعتبرها براندوم مدخلًا إلى تفسيرٍ سياقيّ ومعياريّ للمعنى أي أنه توضع من حيث الإلزامات والتخويل لعمل أشياءٍ معيّنة بطرقٍ معينة وفقًا لممارسات مشتركة. ورغم هذا الاختلاف، فإنه يمكن القول بأن ويتجينستاين رفض النظرة إلى لغة ما على أنّها  صورة منطقية منفصلة من الحقائق وأضاف اهتمامًا للأبعاد المنطقية، فلا يمكن لأحد أن ينظر فقط إلى البعد التمثيليّ للغة ما ويتوقع أن يفهم ماهية المعنى.

إعلان

إن تطورًا رئيسيًّا آخر في عمل ويتجينستاين اللاحق وهو معاملته للقوانين واتباع هذه القوانين، إذ أن للمعنى علاقة معينة بأفعالنا ولكن ليس بالشكل الذي يجعل هذه العلاقة قانونًا طبيعيًّا. إن الادعاءات حول المعنى تعكس معايير الاستخدام وجادل ويتجينستاين بأن  خلق فكرة اللغة الخاصة أمرًا سخيفًا، إذ يقصد بهذا أنه ليس من المحتمل وجود لغة يكون الوصول إلى معانيها حِكرًا على شخص بعينه يتكلّمها، إذ أن أغلب الفلسفة الحديثة بُنِيَت على نماذج ديكارتيّة والتي أسست اللغة العامة بحلقات خاصة تضمنت خصوصية كثير من فهمنا الأساسي. ويوضح ويتجينستاين: “إنّ المشكلة هنا هي عدم كفاية الاحتكام إلى أمرٍ خاص لاتباع قانون لاستخدام تعبير ما. وهكذا، يستحيل وجود لغة مفهومة لشخص واحد لأنه يستحيل على هذا المتحدث تأسيس معانٍ للإشارات المفترضة. وإذا كان هناك لغة  خاصة فإن الطريقة الوحيدة لوضع المعاني هي بشيء من التظاهر كالتركيز على تجربة الشخص والقول: “سأسميه إحساسًا بالألم”. بيد أنّه لوضع معنى لإشارة ما فلابدّ أن يؤثر شيء ما على طريقة المتكلّم في استعمال الإشارة في المستقبل بشكل صحيح، إذ بغير ذلك لا قيمة للتظاهر المفترض. لنفترض أننا بدأنا بحلقات خاصة كهذه فماذا سيحدث للاستعمالات المتعاقبة للمصطلح؟ لا يمكننا القول بأننا نشعر بها كما كنا نشعر من قبل، أو تَصدِمنا كما كانت تَصدِمنا لتلك الأشكال من الانطباعات الشائعة حتى عند ارتكاب أخطاء ولذلك فلا يمكن لها أن تدلَّ على الصحة. ربما يقول شخص أنه ينبغي عليه تذكر طريقة استعمال أحدهم إشارةً ما في الماضي إلا أنّ هذا يتركنا متسائلين عن ماهية ما يتذكر في هذه الحالة. تبقى الذاكرة إلى جانب المعنى حتى نجزم بطريقة وضع حلقة خاصة لنمط الاستعمال الصحيح. ولتجاوز هذه العقبة، فقد وجّه ويتجينستاين انتباهه إلى ميدان الظاهرة العامة وأشار إلى أنّ من يقومون بنفس الحركات مع القوانين يشتركون فيما بينهم بشكل من أشكال الحياة الذي هو ثقافة أحدهم أو المجموع الكليّ للممارسات الاجتماعية التي يشارك فيها. عرض كريبت تفسيرًا جديرًا بالملاحظة لحجّة ويتجينستاين في اللغة الخاصة رغم اختلاف الآراء حول منسوبيتها إلى أعمال ويتجينستاين. وستبقى الأجيال المتعاقبة من الفلاسفة الغربيّون متأثرين بشكل كبير بهذه القضية ويجتهدون في تضميناتها في العقود اللاحقة.

انتهى الجزء الأول من هذا المقال وترقبوا الجزء الثاني.

تدقيق: فاطمة الملّاح وضحى حمد

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.