تأخذك إلى أعماق الفكر

فلسفة اللغة: تعريف بها وبأبرز آراء منظّريها

9) “ملك فرنسا الحاليّ إنسان وقح” ذات معنى علمًا بأنّ الملك غائب الآن. وكان حلّ راسل هو تحليل الدور المنطقي لهذه الأوصاف؛ إذ على الرغم من قلة التعابيرالتي تُطلق على الأشياء بشكل مباشر فإنّ معظمها إمّا أوصاف تأخذ ما تحال إليه بتوفير قائمة من المميزات أو اختصارات مقنعة لهذه الأوصاف. وأشار راسل إلى أنّ أغلب أسماء الأعلام هي أوصاف مختصرة. ولتضييق الحديث فإنّ الأوصاف لا تتمّ إحالتها؛ إذ أنها عبارات كميّة كان لها امتداد أو أنّ امتداداتها ضعيفة أصلًا. ما كان يحتاج إليه هو تفسير لتوضيح معاني الأوصاف من حيث القضايا التي اختصرتها. وعليه، قام راسال بتحليل الجملة 9 على أنها تتضمن ثلاثة أشياء أعطتنا معًا تعريفًا للقضايا التي تتضمن أوصافًا؛ حيث  يضع راسل تمثيلًا أكثر إيجازًا لجملة مثل: “إنّ مؤلف رواية وافرلي شخص سكوتلاندي التي تتضمن ثلاثة مكونات منطقية:

10) “أ كتب رواية وافرلي” ليست دائما خاطئة؛ إذ أن شخصًا واحدًا على الأقل كتب رواية وافرلي.
11) “إذا كان أ و ب قد كتبا رواية وافرلي فإنّهما متطابقان” وهذه الجملة صحيحة؛ حيث أنّ شخصًا واحدًا كتب رواية وافرلي على الأكثر.
12) “إذا كان أ قد كتب رواية وافرلي فإنه إسكوتلندي” وهذه الجملة صحيحة؛ لأنه أيًّا كان كاتب الرواية فهو أسكوتلندي.

إنّ الجملتين الأوليّتين تؤكدان بشكل فعّال على وجود المرجع لهذا التعبير وكونه فريدًا على التوالي. ربما نستطيع تعميمها والتعبير بها عن قضية واحدة للصيغة المذكورة لو تصوّرنا وجود مصطلح ج، حيث تكون د و أ صحيحتين عندما تكون ج صحيحة وتكون د و أ خاطئتين عندما تكون ج خاطئة. وهكذا، فإنّ ما يتحكم بـ د هو ج. وهذا بدوره يؤكّد وجود مبرّر فريد في الوصف المطروح أو الذي يتضمنه تعبير ما وربما يكون هذا صحيحًا أو خاطئًا اعتمادًا على التعبير الموجود. نستطيع إضافة شرط إضافيّ يعبر عن الخاصيّة التي يتميز بها المرجع كخاصيّة الوقاحة وخاصية الانتماء لإسكوتلندا وغيرها في التركيب ج لديه الخاصية ب. إذا لم يكن هناك من يملك الخاصية د مثل كون الشّخص “ملك فرنسا” في الجملة 9 فإنها تُحلَّل هكذا: فإنّ ج التي لها الخاصية ب ولدينا وسائل للتعابير غير الدلالية. إنّ مثل هذه التعابير يمكن فهمها على أنها عبارات كميّة وربما نفهمها على أنّها تمتلك أشياء فوق ما تحدد كميّته أو تفتقد أشياء كهذه. إنّ ما يؤسس فهمنا لهذه العبارات هو تركيبها المنطقي؛ فحينما نفهم كلًّا من هذه الأجزاء التي تختصرها التعابير نفهم أيضًا أن أحدها خاطئ؛ إذ أنه ليس هناك ما يقنعنا بوجود ملك فرنسا في الوقت الحالي.  وهكذا يمكننا فهم الجملة: “إن ملك فرنسا الحالي شخص وقح” رغم أنّها تحتوي مصطلحًا لا يعود على شيء. إنّ هذا التعبير يمكن أن يحتوي على حدثٍ مهم حالما نفهمه كجملة ناقصة أو رمزًا معقدًا يُشتَقُّ معناه من مكوناته. إن معظم أسماء الأعلام والتعابير في أي لغة طبيعيّة تنقاد إلى تحليل كهذا؛ إذ أطلق راسال شرارة البداية للفلسفة التحليليّة في العالم الناطق بالإنجليزية. كما قدم جي.إي مور إسهاماتٍ مهمة في مجاليّ الإبستومولوجيا والأخلاق ولذلك يُذكر غالبًا إلى جانب راسال لكن إنجازات مور خارج إطار تركيزنا هنا.

2 بدايات الفلسفة التحليليّة في اللغة:

إنّ إنجازات راسل وفريج في وضع الأجندة للفلاسفة التحليليين والتي تنذر بإزالة العقبات الفلسفية طويلة الأمد حتى يستقيم دور الفلسفة على قدم المساواة مع العلوم الطبيعية شحنت الفلاسفة الأكاديميّين في أوروبا وأمريكا لمزيدٍ من العطاء. يُركِّز الجزء التالي من المقال على ثلاث نقاط من هذا الاهتمام في مراحل مبكرة من هذا الاتجاه وهي:
1- العمل المبكر للادويك ويتجنستاين.
2- الوضعيّون المناطقة.
3- نظرية تارتسكي في الصدق.

ا. رسالة في المنطق والفلسفة:

بدأ ويدجينستاين بقراءة كتابات راسال بحكم اهتمامه بأسس الرياضيات ودرس معه في كامبردج. بيد أنّه ترك الجامعة ليخدم في الجيش الهنغاري النمساوي عام 1914. وبينما هو في السجن كأسير حرب كتب مسودات لنص اعتبره الكثير قمّة المد في بدايات الفلسفة التحليلية؛ إذ تضمنت سبع قضايا وعلّق بشكل موسع على ستٍ منها وتعليقات موسعة على تلك التعليقات وهكذا دواليك. ووضع خطة محدّدة وهادفة لإدراك طموحات فريج وراسل في تحليل البنية المنطقيّة للغة والفكر. وصل ويدجينستاين من خلال التحليل المنطقيّ إلى أنه يمكننا الوصول إلى مفهوم اللغة على أنها تتكون من قضايا أوليّة مرتبطة بعناصر مألوفة في منطق الرتبة الأولى؛ حيث أنّ أيّ جملة تحمل معنى، يمكن أن يندرج هذا المفهوم بأسلوب جليّ في نظام كهذا وأن أيّ جملة لا تخضع لتحليل كهذا لا يمكن أن تكون ذات معنى على الإطلاق. وعليه، فإنّ كل شيء نستطيع التفكير به فإننا نستطيع التفكير به بوضوح وأي شيء نستطيع قوله فإننا نستطيع قوله بوضوح. إنّ فكرة ويتجينستاين هنا هي ليست أنّه لا يمكننا ترتيب الكلمات بطرق غير واضحة بل في الحقيقة نحن نفعل هذا طوال الوقت. فبدلًا من ذلك، لا نُعبّر بفعل ذلك عن شيءٍ ذي معنى وما نقوله يأخذ دلالات على الإثبات من متحدثين آخرين. ربما نفهم أمرًا مهمًا ولكن ما نقوله لا يحمل شيئًا ذا معنى. وهذا يعكِس بشكلٍ جزئيّ رأي ويتجينستاين الأول وهو أنّ الأفكار تُصوّر العالم. وهذا بالطبع لا يعني أن كتابة أو نطق جملة ما شفويًّا يشبه من ناحية بصريّة ما تعبر عنه هذه الجملة؛ إذ أنّ جملة: “إيليفن جونز يعزف آلة الدرامس لجون كولترين” لا تشبه أيًّا من مكوناتها. وبدلًا من ذلك، فإن شكل القضيّة يشبه شكل حقيقة ما في هذا العالم؛ إذ أنّ ما يتطلب لفهم هذه القضيّة بصفتها صورة للعالم هو فقط ما كان ضروريًّا في حالة الصور الواقعية وهو ارتباط العناصر في الصورة مع الأشياء في الخارج. إنّ القضايا المنطقية تكون صادقة بحكم العلاقة بين القضايا؛ فأينما يمكننا فعل ذلك فإن اللغة تضع شيئًا واضحًا، وحيثما لا نستطيع فعل هذا فإنّ كلماتنا لا يمكنها التعبير عن شيء على الإطلاق رغم جهودنا الجبّارة. ورغم ذلك، فإنّنا لا نقول بأنّ كل شيء عن المعنى وفهمنا للعالم هو قضيّة تعريف توضيحيّ أي أنّه ما يمكن قوله بدلًا مما قيل في لغتنا، حيث أنّ الكثير من الأشياء يمكن عرضها فقط مثل حرف العطف “و”. إنّ أي محاولة لتوضيح معنى هذا التعبير المنطقيّ مثل وضع شيئين جنبًا إلى جنب أو مصطلح آخر مثل كلاهما يُلخّص فقط تركيب حرف العطف “و” ولا يضيف بهذا شيئًا. يُظهِر شكل القضايا كيفيّة عملها ولا يمكن توضيح أي شيء ذو معلومات عنها. وتَبنَّى ويتجينستاين عددًا من الآراء في نهاية الرسالة حول الأخلاق والإرادة وما يمكن أن يقال عنها. بيد أنّ هذه تبقى من أكثر الأمور صعوبةً ومنافسةً في التفسير في عمل ويدجينستاين. لقد أخذ ويدجينستاين على عاتقه كتابة محددات أقوال الفلسفة ولم يختم الرسالة بمزيد من التعليقات وإنَّما بقوله: “يجب أن نبقى صامتين عندما لا نستطيع الكلام”.

إعلان

ب. دائرة فيينا والوضعيون المناطقة:

بدأت مجموعة من أساتذة الجامعة الأوروبيين عرفت بمجتمع إيرنست ماك في بدايات عام 1907، بالاجتماع بانتظامٍ لمناقشة قضايا المنطق والفلسفة والعلم تحت إشراف موريتس شليك. وسمّوا أنفسهم فيما بعد دائرة فيينا وأصبحت محادثاتهم تشكل منشأ حركة تسمى الوضعيّة المنطقيّة والتي تتضمن كارل هامبل ورودولف كارناب وهانس راكنبوك وغيرهم الكثير. وقد رفضوا مثالية هيجل التي كانت شائعة في الأوساط الأكاديمية الأوروبية وتحروا الدقة البالغة في العلم وخصوصًا الفيزياء كنموذج لهذه الأساليب وأخذوا الجهود الظاهريّة للاتجاه التجريبي في بريطانيا بصفته أساسًا إبستمولوجيا أكثر ملاءمة لمثل هذه الأهداف.

أثر دائرة فيينا في فلسفة اللغة:

تبنى كارناب رؤية فريج ووضح المنهج التحليلي بجلاء وخصوصًا في كتابه: [البنية المنطقية للعالم] 1928؛ حيث رأى الوضعيّ المنطقيّ في رسالة ويتجينستاين مصدر إلهام له إلّا أنّ إيمانه بأهدافه العالية كان في أقصى درجات الضعف؛ حيث اتفقوا مع ويدجينستاين في أنّ الإثباتات المنطقيّة تكون صادقة بحكم الروابط الداخلية بين قضاياها وليس بحكم حقائق من العالم الخارجيّ وحللوا هذا بصفته داعمًا لنسخة جديدة للاختلاف بين التحليل والتركيب. أما صدق الجمل التحليليّة يعتمد فقط على معاني التعابير المكونة لها “كل أعزب غير متزوج”. وأما صدق الجمل التركيبيّة فيعتمد جزئيًّا على حقائق تجريبيّة وراء معاني المصطلحات المكونة لها “فلين شخص أعزب”. يتمّ تأكيد الجمل التحليليّة بالتحليل المنطقي والجمل التركيبية استنادًا على جمل الملاحظة إلى بيانات معنويّة في تفسيراتٍ أكثر دقّة. وهذا ما قاد الوضعيين إلى نظرية التحقق من المعنى؛ حيث أنّ الجمل التحليلية صادقة بحكم معاني مصطلحاتها والجمل التركيبية تكون صادقة بحكم خضوعها لمعيار تحقُّقٍ تجريبيّ. وأيّ جملة لا يتم التحقق منها بإحدى هذه الوسائل تعتبر لا معنى لها. تقع هذه الاستثناءات ضمن  دائرة القضايا الغامضة والمخفية ومجالات واسعةٍ من الأخلاق والميتافيزيقا كما مارسها كثير من الفلاسفة. وقد أشار شليك إلى ذلك بقوله: “تكون القضية ذات معنى يمكن تفسيره فقط عند إحداث فرق يمكن التحقق من صحته والقضيّة التي يبقى بها العالم كما هو بغض النظر عن صحتِها لا تقول شيئًا عن العالم؛ فهي فارغة ولا توصل لنا شيئًا ولا أعطيها معنى.

رغم ذلك، فإنّ لدينا اختلافًا يمكن التحقق منه فقط عندما يُحدث فرقًا في الأمر المطروح.” ويقصد شليك بالمطروح فيض البيانات الموجودة أمامنا. وإذا كان هناك القليل أو حتى أيّ جملة مفهومة لدى أغلب المتكلّمين بهذه الطرق فإنّ عمل الفلسفة سيكون التحليل المنطقي وتعريف مفاهيم العلوم الطبيعية في مصطلحات التحقق؛ فلك أن تتخيّل التحقق التجريبي لكثير من الأمور في الفيزياء عن طريق تنبؤ نتائج مخبريّة بنتائج يمكن ملاحظتها. بيد أنّ هذا أكثر صعوبة في مجالات مثل علم النفس وفلسفة الأخلاق. وفي هذه الحالات، اتّبع الوضعيون نوعًا من التبسيط المنطقي للجمل الدقيقة في الخطاب. إنّ كافة الجمل والمفاهيم الرئيسة في علم النفس يمكن تبسيطها إلى جملٍ يمكن التحقق منها تجريبيًّا حول سلوك مواضيع التفكير.

فمثلًا، إنّ جملة عن حالة عقليّة مثل الغضب يمكن تبسيطها إلى جمل عن سلوك يمكن ملاحظته مثل رفع الصوت، وتعابير الوجه، والعنف وغير ذلك. ويتطلّب هذا قوانين تجسّر الهوية وتساوي بين الكيانات في علم النفس ومثيلاتها في الفيزياء. وعليه، تتم ترجمة مصطلحات النظريّات القديمة إلى مصطلحات جديدة. يكون الشكل المرغوب في بعض الحالات هو مساواتها ببيانات المفهوم؛ وحيث أن هذا لا يمكن تطبيقه أخذها الوضعيّون في الجمل التي يتم التساؤل بشأنها على أنها ليست ذات معنى، ودافعوا بهذا عن توضيح كثير من المفاهيم والجمل والنظريات  القانونية وضعت باستخفافٍ ضمن دائرة الميتافيزيقا. إنّ جملة مثل: “الله موجود خارج الزمان والمكان” هي ليست صادقة بالنظر إلى معاني مصطلحاتها ولا تخضع لأيِّ اختبار تجريبي، لذلك تذهب على أنّها غير مفهومة. واجهت نظرية التحقق في المعنى صعوبات كبيرة في الوقت الحالي نتيجة للاعتراضات بين الوضعيين أنفسهم؛ حيث أنّ إحدى هذه الصعوبات يتمحور في أن أيّ جملة تخضع للنظرية لا هي تحليليّة ولا تخضع لاختبار تجريبيّ فإنها إمّا تنفي ذاتها أو أنها لا تحمل معنى. إن التعميمات الكونيّة بما فيها القوانين العلميّة مثل “كافة الإلكترونات لها شحنة 1.6 أس 10 كولومبس ” أيضًا ذات مشكلة مع هذه النظرية، ذلك لأنها لا تستنبط من عدد محدود من جمل الملاحظة. وكذلك الافتراضات مثل: إذا ألقينا مكعب من السكر في كوب من الماء فإنه سيذوب تجلب مشاكل مشابهة. ورغم استمرار الجهود المبذولة للتحسين فإن عدم الرضا عن هذا البرنامج تفاقم في منتصف القرن الماضي.

ج. نظرية تارسكي في الصدق:

سطَّر ألفريد تارسكي في عملين إبداعيّين في عامي 1933 و1944، نقلة نوعية في التحليل الدقيق للمعنى؛ مظهرًا بذلك أنّ علم الدلالة تمكن دراستُه بشكل منتظم مثل علم النحو، حيث أن النحو وهي التراكيب والقوانين التي تتحكم باتساق الكلمات والعبارات في الجمل قد حلّلها المناطقة بشيء من النجاح. بيد أنّ المفاهيم الدلاليّة مثل المعنى أو الصدق قاومت هذه الجهود لسنوات طويلة. بحث تارسكي عن تحليل لمفهوم الصدق لا يحتوي استنادات توضيحيّة أو ضمنيّة لمفاهيمٍ دلالية أساسيّة ووضع تعريفًا له من حيث النحو ونظرية صحيحة. فبدأ بالتفريق بين اللغة الهدف واللغة الماورائية؛ إذ أنّ اللغة الهدف هي لغة طبيعية أو شكليّة تكون هدفًا للتحليل. وأما اللغة الماورائية فهي التي يتم بها التحكّم بالتحليل. إنّ اللغة الماورائية هي اللغة التي نستخدمها لدراسة لغة أخرى واللغة الهدف هي اللغة التي ندرسها. فعلى سبيل المثال، يأخذ الأطفال الذين يتعلّمون لغة أخرى حِصَصًا لتعلّم تلك اللغة. وتكون هذه الحصص مُدارة باللغة الأم والتي تُعامل اللغة الثانية كهدفٍ للدراسَة. وعليه، ينبغي تضمين نسخ من كل جمل اللغة الهدف وينبغي أن تتضمن اللغة الماورائية مصادر كافية لوصف النحو في اللغة الهدف. وفي الواقع، لا تحتوي اللغة الهدف على صدقها في موضوعها وهذا يحدث فقط في اللغة الماورائية؛ لأنها تتطلب متحدثين ليتحدثوا عن الجمل بأنفسهم بدلًا من استعمالِها. هناك جدال كبير حول شكل اللغة الماورائية التي يتم تفعيلها لتحليل لغة طبيعيّة ما. ونظر تارسكي بعين الشك إلى إمكانيّة نقل هذه الأساليب من اللغات الشكليّة إلى اللغات الطبيعية ولكننا لن نتطرق لهذه القضايا. وجادل تارسكي بأن تعريف الصدق يجب أن يكون صادقًا صوريًّا وكما وضعها:
14)  لكلّ أ قضية أ صادقة إذا كانت ج أ أو جمل متكافئة بشكلٍ مثبت مع هذه حيث تكون القضيّة صادقة إذا لم تكن جزءً من ج. كانت هذه حالة صوريّة إلا أن تارسكي دعا بقوة إلى كفاية المادة أو إلى معنى أن تعريفنا قد نجح في تحصيل مصدر المقابلة بين أحوال الشؤون أو الجمل المرتبطة بالصدق. فعلى سبيل المثال، يجب أن يتضمن صدق تعريفنا جملًا مثل:
15) “إنّ الثلج أبيض” صادقة إذا كان “الثلج أبيض.” لاحظ أنّ علامات التنصيص هنا تشكل النصف الأول من جملة اللغة الماورائية عن جملة اللغة الهدف “الثلج أبيض” أما النصف الثاني من جملة اللغة الماورائية هو حول الثلج نفسه. ثم وضع تارسكي تعريفًا للصدق؛ إذ تكون الجملة صادقة إذا كانت متضمنة من كل الجوانب وكاذبة إذا لم تكن كذلك. وذلك أنّ التضمين هو العلاقة بين الأشياء الاعتباطية ووظائف الجملة ووظائف الجملة هي تعابير ذوات بنية تركيبية تشبه الجمل البسيطة ولكنها تحتوي متغيرات حرّة مثل: أ هو أزرق أو أ أكبر من ب. اعتقد تارسكي أنه يمكننا الإشارة إلى أيّ الأشياء التي يتم تضمينها بأبسط وظائف الجمل ثم نضع مجموعة من الحالات التي تندرج تحتها الوظائف المركبة التي يتم تضمينها من حيث أبسط الوظائف. وأضاف تارسكي تعريفًا استقرائيًّا إلى العوامل الأخرى في منطق الرتبة الأولى، حيث قدّم تعريفًا للصدق دون الاحتكام إلى المفاهيم الدلالية الأساسية رغم أن فيلد اعتبر التصميم والتضمين مفهومين دلاليين أيضًا. وتَركّز جدال الفلاسفة التحليليّين حول قراءة ما فعله فيلد إما كتفسير انكماش للصدق أو كنظرية مقابلة صلبة إلّا أنه -كعمل فريج- لعب دورًا بالغ الأهميّة في إقناع الأجيال المتوالية من المناطقة والفلاسفة بأن تحليل المفاهيم الفلسفية العصيّة على الفهم بالطريقة التقليديّة بأدوات المنطق الحديث وأصبح كلاهما مستساغًا في أفهامهم ويعود عليهم بالنفع.

ثورات منتصف القرن الماضي:

أصبح منهج فريج ومور وراسال أساسًا عند الوضعيين المناطقة بحلول منتصف القرن العشرين. لقد كان للحرب العالمية الثانية الأثر الكبير في فصل الفلاسفة الموهوبين في القارة وإقامة الكثير منهم في جامعات بريطانيا وأمريكا فنشروا أفكارهم وآراءهم وأثروا في أجيال الفلاسفة القادمة. وعلى الرغم من ذلك، تلقّى المنهج التحليلي نقدًا لاذعًا من الداخل وزلزل الشك بعض أعمدة المنهج القديم من جانب أعضاء دائرة فيينا مثل: أوتو نويراث والمتطفلين مثل كارل بابار. يتناول القسم التالي عمل رمزين هما: كواين وويدجنستاين الذين تحديا الآراء المسلمة في فلسفة اللغة وعَمِلا بصفتهما ناقلين للآراء المعاصرة.

ا. كواين والاختلاف التحليليّ والتركيبيّ:

تعمّق و. في. أو. كواين باحثًا في جوهرِ الوضعيّة المنطقيّة والفلسفة التحليليّة باقتحام الاختلاف التحليليّ والتركيبيّ. لقد سر الوضعيين قبولهم الفرق بين جملٍ صادقة بالنظر إلى معاني مصطلحاتها وتلك الصادقة بالنظر إلى الحقائق. إلا أنّ كواين كان يخامره الشك في معاني التعابير، حيث كان كالوضعيين متحفظًا من قبول أي شيء لا يخضع للتحقق التجريبي وينظر إلى المعنى على أنه أحد هذه الأشياء. أَذهبَ كواين فكرة المعنى بصفته عنصرًا حقيقيًّا يتم تقديمه في أذهاننا وراء أساليب تظهر في سلوكِنا وسمّاها أسطورة المتحف أي مكان تكون العروض فيه هي المعاني والكلمات هي الأسماء. وجادل بروح تجريبيّة جامحة بأنه لا يمكننا الوصول لمثل هذه الأشياء في تجاربنا. وبالتالي، فلا يمكنها توضيح سلوكنا اللغويّ وليس لها مكانًا في تفسيرنا. وتساءل كواين عما إذا كان هناك اختلاف كبير بين التحليليّ والتركيبي؛ ففي أثناء مراجعته لأفكار اتجاه التحليلية الشائعة، وجد أن كُلًّا منها غير كافية وتتطلب سؤالا بحدِّ ذاتها. لقد كانت التحليليّة أمرًا مُسلَّمًا ومسألة عقائدية عند التجريبيين وخصوصًا الوضعيين المناطقة وغير خاضعة للنظر. علاوةً على ذلك، زاوج الوضعيون هذه المُسلَّمة بالمُسلَّمة الثانية وهي التبسيط التجريبي وهو الاتجاه القائل بأن كل جملة أو تعبير يحصل على نصيبه من المحتوى التجريبي من تجاربنا. إنّ فكرة كواين ليست أنه لا ينبغي لنا أن لا نكون تجريبيين أو أن لا نأبَه للمحتوى التجريبي بل إن فكرته هي أنه لا يمكن لجملة أو تعبير أن يأخذ هذا المحتوى كله. تعمل جمل لغتنا معًا لتواجه مجموعة التجارب كوحدة واحدة، حيث أن هذه الوحدة اقتضت مساواة معينة بين الجمل التي نُخضِع أنفسنا لها. إن أيّ فكرة تُعتبر صحيحة إذا أردنا مراجعة الأجزاء الأخرى من شبكة اعتقاداتنا لملاءمتها، لأن أي فكرة يمكن مراجعتها إذا تطلّبت الأمور ذلك حتى التي نأخذها لتكون فكرة عن المعنى الذي أمامنا، مثل: كل أعزب غير متزوج. تكتسب بعض الجمل مناعة قوية نسبيًّا من المراجعة مثل قوانين المنطق إلا أنها تتلاءم مع حالتها فقط بسبب مركزيتها في طرق تفكيرنا الحالية.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.