تأخذك إلى أعماق الفكر

فلسفة العقل المجنونة

“إيّاك والقنوط إذا تبين لك أنّ الفهمَ الكامل ممتنعٌ عليك، فهذا من طبيعة الموضوع نفسه – فلسفة العقل.

روجر بنروز

حقيقةُ كَونِ دراسات الفلسفة تعود لٱلاف السنين لا تعني أبدًا أنّه لم يعدْ هنالك مجالٌ ل ism -توجه- جديد، والجنونية خير مثال.

الجنونية crazyism*1 في فلسفة العقل هي رؤية جريئة وطريفة قدمها eric schwitzgebel *2 إيريك شويتزغيبل الفيلسوف الأمريكي من جامعة كاليفورنيا، يُعرِّفها كالٱتي:

الجنونية يخصوص “أ” هي الرأي القائل أن شيئًا ما من الجنون تصديقه يجب أن يكون من بين الحقائق الأساسية بخصوص “أ”. يجادل ايريك أنّ الجنونيّة تنطبق تمامًا على فلسفة العقل.

الان دعنا نُسمِّي “موقف فلسفيّ مجنون” كل موقف يتوفر فيه الشرطان التاليان:

1- غريب: أي أنه ينتهكُ وبشكلٍ صارخٍ الحسَ المشترك والفطرةَ السليمة.
2- مشكوكٌ فيه: أي أنّنا لسنا مُجبَرين إبستمولوجيا على تصديقه لكونه غير مقنع كفاية.
إذن، الموقفُ الفلسفيُّ المجنونُ هو أيُّ موقفٍ يتعارضُ بشدة مع الفطرة السليمة ولا توجد أي أدلة إبستمولوجية تُجبرنا على تبنيه.

مثلًا، وحدة الأنا أو السوليبسيزم -موقف يَدّعى عدم وجود أي شيء خارج الذات أو العقل- هي فكرة مجنونة.

إعلان

تُمثِّل الخاصية الثانية “الشكوكية” الفرق بين جنون الأفكار الميتافيزيقية والعلمية، فهذه الأخيرة رغم غرابتها إلا أنّها تحضى بنوعٍ من الدعم المعرفيّ على شكلِ أدلةٍ إبستمولوجية حيث يصبحُ من غير العقلانيّ عدم الاعتراف بها.

فمركزيّة الشمس، التطور، النسبيّة، ميكانيكا الكم  كانت أفكارًا مجنونة في بدايات طرحها، لكن سرعان ما اختفت “مشكوكيتها” بفضل الأدلة العلمية.

بينما بقت أفكارٌ أخرى مثل السوليبسيزم، الموناد، تُعدِّد العوالم… مجنونة أي غريبة ومشكوك فيها.

للتبسيط نأخذ مفارقة التوأم في النسبية كمثال، حيث يسافر أحد التوأمين إلى الفضاء بسرعة عالية ثم يعود إلى موطنه ليكتشف أنه قد أمضى عمرًا أقل من أخيه، ستبدو هذه الفكرةُ لغير المختص غريبة، لكننا نعرف أنها صحيحة لتراكم الأدلة بخصوص النسبية.

يقول ايريك في نفس السياق :

حين نطلع على تاريخ العلوم، نرى الأمور تتجه من الجنون إلى الغرابة

يَدّعي اريك أنّ كل  الأفكار التي تناقشُ فلسفةَ العقل هي بالضرورة مجنونة! بالتالي، شيءٌ ما يتضارب بشكل واضح مع الحس المشترك وغير جدير بالاهتمام والمصداقية، يجب أن يكون من بين الحقائق الأساسية بخصوص الوعي.

لقد فشل كل الفلاسفة القدماء والجدد في تقديم طرح غير مجنون لتفسير الوعي، فكل الأطروحات في فلسفة العقل مشكوكٌ في صحتها كما أنّها غير بديهيّة.

“إما أن تكون الرياضيات كبيرة جدا بالنسبة للعقل البشري أو أنّ العقل أكثرُ من مجرد آلة”

كورت غودل

سنعرض باختصارٍ جنونَ مختلفِ الأفكار التي تناقش فلسفة العقل.

ولنبدأ بالرأي الذي يتبناه غالبية البشر، الثنائية dualisme والتي تعتبر العقل والجسد جوهرين منفصلين ،وأبرز مواقفها:

التفاعلية: رأي ديكارت وبوبر حديثًا: يتفاعل الجسم والعقل سببيًّا في الاتجاهين، جنون هذا الرأي يتمحور في جهلنا بآلية هذا التأثير، كذلك ثلاثية بيتر بيري peter bieri 3* -trilemme- التي تعرض ثلاث قضايا صحيحة بخصوص الثنائية لكن يستحيل جمعها معًا:
-العقل والجسد جوهران مختلفان.
-العالم مُغلّق سببيًّا.
-يتفاعل العقل و الجسد.

لاحظْ أنّ صحة كل اثنين تستلزم بالضرورة خطأَ الثالثة.

التوازي: رأي لايبنتز، لا يوجد أيُّ تفاعل بين العقل والجسد لكن يوجد تناغم سبقي -تناسق أزليّ- بينهما يوهمنا بالتأثير المتبادل.
العادة: رأي الغزالي و مالبرانش، الله خلق الجسم والروح ثم يخلق في كل لحظة العلاقة السببية بينهما.
يبرز جنون هاتين الفكرتين في كونهما جدّ مكلفتين ولا تمتلكان أي سند يمكننا من الدفاع عن مسلماتهما.

ننتقل للرأي الثاني الغالب في الأوساط العلمية حاليًا: المادية matérialisme  والتي تعتبر العقل والجسد جوهرًا واحدًا ماديًّا بالتالي فالعقل وليدُ الدماغ.

أشهر مواقفها:

المادية البيولوجية Naturalisme biologique : رأي سيرل و نيد بلوك.

تركيب الدماغ وبنيته البيولوجية هي المسؤولة عن انبثاق الوعي، ولا يمكن أن يوجد إدراكٌ بدون دماغ.
لكن ما معنى الانبثاق؟ وكيف يُولِّد الدماغُ الوعي؟ وهل هو شرطٌ ضروريٌّ لحدوثه، أي لا يمكننا تخيل مثلًا كائنات فضائية واعية بدون دماغ؟ ما الذي يوجد في مجموعة النورونات زيادةً على وظيفتها والذي تفتقده الآلة؟ وما الذي سيحدث لو قمنا بتبديل النورونات بمكافئاتٍ إلكترونيّةٍ واحد بواحد؟

الوظيفية: fonctionnalisme رأي دينت و كورزويل.

تَدّعي أنَّ الوعي ليس ناتجًا عن بنية الدماغ حصرًا، بل عن وظيفته، بالتالي الدماغ هو حاسوبٌ يمكن محاكاتُه على آلة تورينغ، وأي نظام -آلة- يمتلك نفس وظيفته سيدرك ذاته.

لا تهم بنية المفتاح بقدر وظيفته

إذن، نظام مثل الولايات المتحدة يمكن أن يمتلك وعيًا لأنّه يقوم بوظيفة الدماغ. فهو يستقبل المعلومات -التجسُّس مثلًا- ويعالجها ثم يقوم بردود أفعال -كالحروب- إذن أمريكا كيانٌ واعٍ! جنون آخر يتمثل في فكرة “دماغ الأمة الصينيّة” لبلوك: 100 مليار شخص يتواصلون بنفس طريقة تواصُّل العصبونات، أي أنَّهم يقومون بنفس وظيفة الدماغ، إذن هل الأمة الصينية ككل واعية؟ هل يمتلك الانترنت وعي؟ تجربة الغرفة الصينية هي الأخرى تبرز الخلل في هذا الطرح.

المادية الإقصائية أو الحذفية eliminative materialism : الزوجان تشيرشلاند.

لا توجد تجاربٌ واعيةٌ وكل الكواليا التي تشعر بها مجرد وهم بالتالي فالتقدم العلمي سينتهي إلى أن حالات الشخص الأول لامعنى لها -مثل وحش السباغيتي الطائر أو الأثير-!

يستطيع العلم أن يفسر كل شيء.

لا يستطيع العلم أن يفسر الوعي !

إذن الوعي غير موجود !

أين أنتِ يا حمرة الخجل؟ تطرف هذا الموقف هو الجنون بعينه.

بدون نسيان تجارب فكرية نقديّة مثل الزومبي الفلسفيّ، غرفة ماري ومنظور الخفاش التي تبرز مشاكل هذا الطرح.

الوعي الكوني panpsychisme:

رأي شيلمرس والذي يعتبر الوعي كمفهوم أساسيّ مثل الكتلة والطاقة وغير قابل للاختزال. جنون هذه الفكرة في إعطائها نوعًا من الوعي لكل شيء في الكون بدايةً بالجسيمات الأولية، إذن الإلكترون واع !

-الغموضية mystérianisme : رأي ماغين وتشومسكي.

تتمثل هذه النظرة في إيجاد شرح لعجزنا عن شرح الوعي، باعتباره مفهوم لا يمكن لنظامنا العصبيّ فهمه ناهيك عن إيجاد حل له، لأنه لم يُنتخَب ليتعاملَ مع هكذا مشاكل، كأن تشرح التشابك الكموميّ لقطٍّ.
فالاستبطانُ هو طريقنا الوحيد لاكتشاف الحالات العقلية لكنه لا يعطينا أيَّ معلومات عن الحالات الدماغيّة، والحس-التجربة- هو وسيلتنا الوحيدة لاكتشاف الدماغ لكن لا يمكنه دراسة الوعي، لا يوجد طريق ثالث يسمح لنا بدراسة الدماغ والوعي معًا.
إذن، إيجاد حل لمشكلة الوعي محكومٌ عليه بالفشل.

جنون هذه الفكرة يتمثل في كونها تتعارض مع الفضول البشري كما أنَّها لا تمتلكُ أيَّ أدلة يقينية، فحتى لو فرضنا أنَّها صحيحة سنواصلُ البحثَ، كذلك فإن القطَّ لم يتساءل عن الكموميّ ليفهمَ الإجابة، لكننا نتساءل عن الوعي.

سنواصل هكذا عرض جميع الأفكار في فلسفة العقل -على شكل إذا قالوا قلنا- (المونيزم المحايد لسبينوزا، مثالية بيركلي، الوعي الكمومي لبنروز…) بدون أن نجد فكرةً واحدةً تخلو من الغرابة، بل يمكن أن نقول أنَّ العامل المشترك الوحيد بين جميع المحاولات السابقة هو الجنون !

يفسر ايريك الأمر بإمكانية عدم اتساق الحس المشترك مع الميتافيزيقا ! ففي الأخير لا توجد أيّ ضمانات لذلك، نحن نثق في الحدس بلا مبررٍ حيث يقول  :”سأدعي أن ميتافيزيقا العقل تبرِّرُ الجنونَ، وسأزعمُ أنَّ النظرةَ المادية مجنونةٌ -بتعريفنا للجنون-، نفس الشيء بالنسبة للثنائية والمثالية بل حتى المواقف التي ترفض وجهات النظر الثلاث أو تُوفِّق بينها أو تَهدُف إلى التنازل عنها، لكن يجب أن تكون بعض النظريات أعلاه صحيحةً، لذلك يجب أن يكون شيء مجنون جزءًا من الحقائق الأساسية لفلسفة العقل”

أيُّ محاولات لشرح الوعي خارج العلم هي محاولات لإعادة السحر إلى العالم، لهذا تجد العلماء يقاومون الأمر بالحذف أو إعادة التعريف وفق ما يتناسب مع العلمويّة. وجهة نظر ايرك هنا طريفة، لاينبغي إقصاء أو إهمال أحد الطرحين -العلمويّ واللاعلمويّ-  لأنَّ حلَ مُشكلة الوعي في الأخير يجب أن يحوي شيئًا أساسيًّا صادمًا.

هذا ما يدعو إلى الإقرار بأنّ حل المعضلة الصعبة إن وُجِدَ، لا بد أن يحتوي على شيء أساسيّ يتضاربُ بشكلٍ واضحٍ مع الحس المشترك وغير مقنع كفاية، وبالتالي لا داعي لإقصاء أيِّ فكرة بحجة أنّها غير مُقنِعة، فكل الأفكار كذلك حتى فكرة الروح الغير مادية الخالدة أو وعي الأنترنت.

يمكن استعمال هذه النظرة كمبرر للاهتمام بجميع مدارس فلسفة العقل، لكونها مجرد اجتهادات بشريّة في نفس درجة الغرابة، لذلك يجب أن نعطي دائمًا أقل من احتمالِ 50٪ من المصداقية لوجهة نظرنا المفضلة.

يمكننا كذلك بالنسبة لشويتزغيبل تطبيق الجنونية على بعض فروع الفلسفة، مثل الأخلاق حيث يلعب الحس المشترك دورًا هامًّا.

نختم مقالنَا بكلامٍ لايريك حيث يقول :

بعضُ الأسئلة بخصوص الوعي لا يمكن تسويتُها بالعلم، كما لا يمكن تسويتُها عن طريق التفكير المجرَّد، للإجابة على هذه الأسئلة نحتاج للاستعانة بالحس السليم، لكن إذا كان لدينا سببٌ وجيهٌ للاعتقاد بإنَّ الفطرةَ السليمةَ ليست دليلًا موثوقًا فلن نرسوا! بدون قيد الحس السليم تنفتح الاحتمالات بطريقةٍ غريبةٍ و جميلةٍ، و بمجرد انفتاحها سترفض أن تُغلَق، إنَّه الجنون.

إعلان

مصدر مصدر 1 مصدر 2 مصدر 3
فريق الإعداد

إعداد: عبد الباسط بلخضر

تدقيق لغوي: أحمد المسيري

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.