عيد الأضحى.. هل ينقذ لحم الأضحية لحوم البشر؟

بحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO)، بلغ متوسط استهلاك الفرد عالميًا للحوم عام 2015، 41.3 كجم/ للفرد الواحد، ومن المتوقع أن يرتفع هذا المعدل ليصل عام 2030 إلى 45.3 كجم/ للفرد، وإذا كان هذا هو المتوسط العالمي، فإن هذا المتوسط يرتفع بشدة في الدول الصناعية، إذ بلغ في نفس العام -2015- 95.7 كجم/ للفرد، ومن المتوقع أن يصل في 2030 إلى 100.1 كجم/ للفرد، والسؤال الآن هل يؤثر عيد الأضحى واستهلاك المسلمين عمومًا في هذه المناسبة على المعدلات العالمية؟

الإجابة بكل تأكيد هي لا، ففي الوقت الذي يبلغ فيه المتوسط العالمي 41.3 كجم/ للفرد، تشير إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر، أن متوسط استهلاك المواطن المصري للحوم الحمراء سنويًا يتراوح ما بين 2.7 كجم، و9.6 كجم، في حين يأكل المصري ما متوسطه 9.8 كجم من الدجاج سنويًا، ونصف كيلو فقط من البط!

وإذا جمعنا الحدود القصوى لهذه الأرقام، يتضح لنا أن المصري يتناول ما يتراوح متوسطه سنويًا بين 20 و25 كجم من اللحم في أقصى تقدير ممكن أي نصف المتوسط العالمي تقريبًا، وما بين ربع إلى خمس المتوسط في الدول الصناعية الكبرى، في فرنسا مثلا يصل متوسط استهلاك الفرد سنويًا للحوم إلى 85.3 كجم، أي أن المواطن المصري اللي الخير جواه ونهر النيل رواه، يأكل حوالي ربع ما يأكله نظيره الفرنسي من اللحوم، ويعتمد غذاء المصريين بالأساس على مكونات نباتية، فتشير إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، إلى أن المواطن الذي يأكل ما معدله أقل من كيلو واحد شهريًا من اللحم الأحمر، يأكل في المتوسط 155.2 كجم سنويًا من القمح، ويستهلك من بعده الألبان، والذرة الشامية والأرز.

وكي تدرك عزيزي القارئ فداحة هذه الأرقام، أحتاج إلى أن ألقي إليك برقم جديد، فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أيضًا، والصادرة عام 2016، فإذا كانت أسرتك تنفق مجتمعة في الشهر 4160 جنيهًا، فأنت رسميًا ضمن أغنى شريحة في الشعب المصري، وهي بالمناسبة تمثل ما نسبته أقل من 16% من تعداد السكان، ما يعني أن حوالي 85% من الشعب المصري لا يملك أن ينفق شهريا 4000 جنيه، ما يعني بالضرورة إن اللحم غائب عن موائدهم لفترات طويلة للغاية، وإذا كنت أنت، وكل من تعرفهم تأكلون اللحم بانتظام يوميًا، فاحمد ربك كثيرًا، لأنك من المحظوظين الذين يستهلكون اللحوم بكثافة فيرفعون المعدل الإجمالي للاستهلاك الذي تتم قسمته على إجمالي عدد المصريين لحساب متوسط استهلاك الفرد من اللحوم، وإذا استثنيناك أنت وأصدقاءك، ومعارفك، فإن المعدل الفعلي سيكون بائسًا للغاية، وربما ينخفض كثيرًا عن الأرقام المعلنة، ما يعني أن الملايين من المصريين ربما لا تتوافر لديهم إمكانية أكل اللحم أبدًا طوال العام، إلا في عيد الأضحى، شرط أن يكونوا محظوظين كفاية ليصلهم نصيب مما يفترض أن يوزع على ما تزيد نسبته عن 80% من تعداد السكان!

ماذا أريد أن أقول إذًا بعد هذه الأرقام التي ربما تصدم الكثيرين؟

إعلان

أريد أن أقول إن الحديث السلبي المتزايد من البعض على وسائل التواصل الاجتماعي، عن شعيرة النحر في عيد الأضحى، فضلا عن كونه حديث غير مقبول لدى عموم المسلمين، إلا أنه حديث منفصل عن الواقع، غير مدرك للحقائق من حوله، فالأرقام تقول بما لا يدع مجالًا للشك، إن عيد الأضحى، هو عيد حقيقي لهؤلاء الذين تزورهم اللحوم كل سنة مرة، ونموذج للتكافل الاجتماعي، الذي لا يعيش في أبراج عاجية، ويدرك حجم أزمات الواقع، وسوء التغذية الرهيب الذي يعاني منه الفقراء، وهو وإن كان لا يساهم بشكل حاسم في تحقيق الأمن الغذائي لهؤلاء المعدمين طوال العام، كونه عيد موسمي، إلا أنه يظل خطوة نحتاج إلى أن يكون الحديث الحقيقي بعدها عن آليات تطويرها، وتحويلها إلى فعل مؤسسي يحفظ للفقراء/ غالبية المصريين، طعامًا متنوعًا يكفيهم طوال العام، ويمنحهم مزيدًا من البروتين الحيواني.

والحق إن هناك خطوات جيدة للغاية على هذا الطريق، أذكر منها على سبيل المثال مجهودات بنك الطعام المصري، ومؤسسات المجتمع الأهلي المختلفة، إلا إننا لا نزال –بلغة الأرقام- في حاجة إلى مزيد من الجهود التي يجب أن تنطلق النقاشات حولها كل عام في موعد أكبر عملية توزيع لحوم على الفقراء في العالم، أعني في عيد الأضحى من كل عام..

وبالحديث عن النقاشات -التي يفترض أن تفضي إلى جهود ونتائج ملموسة-، ينبغي -إن كنا مخلصين حقًا للمصلحة العامة- أن نعمل معًا على تطوير منظومة النحر في عيد الأضحى المبارك، فمن غير اللائق أبدًا أن تتحول شوارعنا -حتى مع نبل الهدف- إلى مهرجان للدماء، نتيجة للذبح خارج الأماكن المخصصة، أو العشوائية في إدارة هذه المسألة المهمة، والمرتبطة بشكل وثيق باعتبارات النظافة والصحة العامة..

المسألة في تقديري إذًا هي كيف نبذل جهودًا أكبر لنؤمن طعامًا بشكل أفضل وأكثر استدامة لفقراء شعبنا؟ وكيف نجعل النحر أكثر نظامًا بما يحقق الاشتراطات الصحية والبيئية ويليق بجلال الشعيرة العظيمة والفعل المجتمعي النبيل؟

 

أما من يرفضون مسألة أكل اللحوم كليًا، سواء كان متوسط استهلاك المواطن سنويًا كجم واحد أو 1000 كجم، فمع كامل الاحترام والتقدير لهم، فإن معركتهم بالأساس مع المجتمعات الأكثر إنتاجًا للحوم في العالم، في الصين، والولايات المتحدة الامريكية، والهند، والمملكة المتحدة، وليس مع مجتمعنا الذي يكمل عشاءه نومًا، ويحتاج فقراؤه إلى لحم الأضحية لإنقاذ جسدهم الذي فعل فيه الفقر ما فعل، لإنقاذ لحمهم الحي!

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

اترك تعليقا