تأخذك إلى أعماق الفكر

عقد مخيب للآمال بالنسبة لدراسة تطور الإنسان

يوجد ثلاثة اكتشافات كبيرة إضافيّة في قائمة سميثسونيان تعلّقت بمراجعة صغيرة لأعمار لا تؤثّر في أدلة تطور البشر بشكل كبير:

(1) أنّ نوعَنا “الهوموسابيان” أصبح الآن بعمر 300000 سنة.

(2) أصبح عمر الأدوات الحجرية الآن قرابة 3.3 مليون سنة.

(3) وأنّ الإنسان الحديث قد هاجر من أفريقيا أبكر ممّا كنا نعتقد، ذلك بسبب اكتشاف عظمة فكّ في إسرائيل يتراوح عمرها بين 174000 و 185000 سنة. يعدّ الاكتشاف الأوّل مجرّد تعديلٍ طفيف لتواريخَ كان يؤمن بها سابقًا. أمّا الثّاني، فربّما يكـون على درجةٍ كبيرة من الصّحة على الرّغم منْ صعوبة تحديد الأعمار الدّقيقة للأدوات. وبالنّسبة للاكتشاف الثالث، فتعتبره مجلّة سميثسونيان كما الآتي:

في 2018م، أعلن الباحثون اكتشاف فـكٍ علويّ يشبه فـكنا العلوي في إسرائيل، انتهى عمر هذا الفك إلى ما بين 17400 و 185000 سنة. أوحى هـذا الاكتشاف –بالإضافة لغيره من الصين واليـونان– بأنّ جنس الهوموسابيان قد تجـوّل على مـدى قصير في يوراسـيا قبل الهجرة العالميّة التّي بدأت قبل 70000 عام مضى.

كتب غانتر بيتشلي تعليقًا على 2018 والتي كانت “سنة مريعة” بالنسبة لعلم أصول البشر ما يأتي:

إعلان

“يقوم مؤلفو هذه الدراسة الجديدة بإعـادة تأريـخٍ لفـك الإنسان الحديث المكتشف في 2001 م في كهف ميسليا بجبل الكرمل في إسرائيل، حيث أكّد فريقٌ كبيرٌ من الباحثين بعد عمليّات إعادة حساب دقيقة جدًا واستخدام طرق تقنيّة مُكلِفة، نسبتها لجنس الهوموسابيان. مع ذلك، فقـد توصّلوا إلى عمرٍ مدهش جديد ووثيق لهذه العينة يتراوح بين 174000 و194000 عام، ممّا يجعلها أقدم دليـلٍ حفـريّ لإنسانٍ حديثٍ وُجِدَ خارج أفريقيا. تكمُن المشكلة في أنّ القصة النّموذجيّة للتطوّر تؤكّد أنّ الإنسان الحديث قد نشأ قبل 200000 عام في شمال شرق أفريقيا وبعد ذلك (منذ حوالي 60000 إلى 70000 عام) غادر أفريقيا لينتشرَ حول العالم (Callaway 2018b). اعتُبِرت الاكتشافات الفرديّة للإنسانِ الحديث في بلاد الشام قبل هذا الوقت “كبقايا مغارة السّخول وكهف قفزة في إسرائيل” التّي يتراوح عمرها بين 80000 و120000 عام، محاولاتٍ مُبكّـرة فشلـت في مغادرة أفريقـيا ولم تترك أي سليـل ورائها. تُظهِر النّتائـج الجديدة والكشـوف الأخيرة أنّ مثل هذه الفرضيّات المُتخصّصة لتفسير الأدلة المتضاربة لا يمكنُ الدّفـاع عنها بعـد الآن. هذا ما دعا استشهاد مجلة التايمز الاسرائيلية بقول البروفيسور اسرائيل هيرشكوفيتز: “لقـد غيّـر هـذا كلّ مفاهيمنا عن تطـوّر الإنسان الحديث، ويجب الآن إرجاع كامل قصة تطوّر الهوموسابيان مئة أو مئتي ألف سنة إلى الوراء على الأقل.” وعلق كاتب المقال بقوله “مع عظم الفك الخاصّة بكهف ميسليا سوف يُعاد كتابة تاريخ تطوّر الإنسان”(Borchel-Dan 2018).

أين سمعنا ذلك من قبل؟ يشير داينيكس بونتيكوس (2018م) -مدير واحدة من أشهر مدوّنات علم أصول البشر– إلى النّتائـج الجديدة في العنوان “خارج أفريقيا: نظريّة في أزمة”، وقد عـلّق بقوله أنّ تلك النّتائـج يجـب أن تجعلنا نعيدُ التفكـير في معتقداتنا التقليـدية بشأن المناطق القابعة خارج أفريقيا. “اسمعوا اسمعوا!”

أوّل زوج؟

لسوءِ الحظِّ، فشلت قائمةُ مجلّة سميثسونيان لأهمّ اكتشافاتِ العـقد الماضي في ملاحظة قصّةٍ كبيرةٍ جدًا تُجِـيب على سؤالٍ يهـمّ شريحًـة واسعًة من السُّكان: هل انحدر البشر من زوجٍ واحدٍ أوّليّ؟

بين 2016م و2019م طوّر علماء مؤهّلون نموذجًا صارمًا لاختبار وجهة نظرٍ مُفترضةٍ لفترة طويلة، هي “انحدار الإنسـان الحديـث من جمهرة ضخمة مكوّنةٍ من آلاف الأفراد”، وأسفرت هذه الدّراسة عن ثلاثة منشورات وجدت في النّهايـة أنّ أصل الإنسان الحديـث لا يعود لمجموعة كبيرة من الأفراد، بل يعود إلى زوجٍ أصليّ واحـدٍ عاش منذ 500000 سنة مضت (وإذا قلّلنا عدد الفرضيّات المعتبرة فلربّما قد عاش هذا الزوج منذ مدّة أقلّ من ذلك).

وفقًا للورقة البحثيّة الأخيرة لهذه الدراسة التّي نُشرت من قبل عالمة الأحياء آن غوغر والرّياضي أولا هوسير عام 2019م في مجلة BIO-Complexity، ضمن البحث عن أصل البشر “تم تفسير بعض الافتراضات الشائعة المستخدمة للتسهيل كما لو كانت استنتاجات قائمة على البيانات، دون اختبار فرضية الزوج الواحد الأصلي علمياً”. حاول نموذجهما أن يختبر إمكانية نشوء البشرية من زوج بدئي واحد، وسعى لفعل ذلك بتقليل الفرضيات إلى أدنى حدّ ممكن:

يختلف نموذج فرضية الزوج الأصلي الواحد الذي نناقشه هنا عن التفسير السائد لأصل الإنسان في افتراضين فقط: الأول هو أننا تطورنا تدريجيًا بدءًا من تجمع لأفراد غير بشريين، والثاني أن التنوع الجيني يُعزى دائمًا إلى طفرات في الخط الجنسي الوراثي.

دعمت دراستهم إمكانية وجود زوج أصليّ واحدٍ ذو “تنوّع جيني بدئي” بدلًا من إخضاع التفسير النموذجي لافتراض أنّ التّنوع الجيني لا يُشتقُّ إلّا من طفرات في الخط الجنسي، وأنّ حجم التّجمّع يجب أن يكون كبيرًا دائمًا.

هذه الدّراسة مثالٌ رائعٌ يبيّن كيف يتوجّب علينا أن نختبر معاييرنا عند تطبيق ظروفها المتطرفة بشكل عادل، وتظهر بشكل دقيق خطأ استخدام الاستدلال الدائري في أن نفترض أولًا أن تلك الظروف المتطرفة للتطور غير الموجه هي خيارنا الوحيد، ومن ثمّ نستنتج أنّ المعايير والنّماذج التّفسيريّة الأُخرى خاطئة. بعد تطبيق الظروف المتطرفة ورياضيات علم الوراثة السّكانيّ، استنتج كتّاب الدراسة أنّه وحسب المعرفة العلمية عن البيانات الوراثية لدينا، فيمكن للنّوع البشريّ أنْ يأتي من نسلِ زوجٍ واحدٍ بحيث ينتمي كل البشر الأحياء اليوم لهذا الزوج الذي قد عاش منذ أقل من 500000 عام مضى.

لمزيد من التفاصيل بشأن هذه الدراسة انظر.

بطبيعة الحال، فإنّ مؤسسة سميثسونيان مرتبطةٌ تمامًا برؤية تطوّريّة غير موجّهة بشكلٍ فعّال للأصول البشرية، كما أوضحت قاعة أصل الإنسان في واشنطن ومعرض الأصل البشري المُتنقّل الخاص بهذه المؤسسة في السّنوات الأخيرة. وبالتّالي ليس من المستغرب أن يتجاهلوا الدّراسات التّي تتحدّى الرواية التطوريّة السّائدة، وينسجوا بإيجابية قائمة لاكتشافات العقد الأخير التّي هي في حقيقتها تُضعِف الأدلّة على تطوّر الإنسان. إذا حدث شيءٌ ما، فهو أنّ هذه الاكتشافات توضّح بعد كلّ شيء لم لا يعتبر العقد الماضي رائعًا بالنسبة لأدلة علم أصول البشر على تطور الإنسان الحديث.

ربما سنعيد هذا الكلام مرةً أُخرى بعد عشر سنوات، وربّما ستقدّم لنا مؤسسة سميثسونيان في ذلك الوقت تحاليل موضوعية لأدلتها. من يعلم ما الذي سيجلبه لنا العقد القادم؟

نرشح لك: كيف يساهم الجينوم في كتابة تاريخ تطور الإنسان

المصدر

 

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: حمزة الفيل

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

تدقيق علمي: ريهام عطية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.