تأخذك إلى أعماق الفكر

شوكة وسكينة وبلورة الأوديب

الخيانة من منظور سيكولوجي

في 19 مايو\أيار يوم الأربعاء سنة 1909 ألقى فرويد في أحد اجتماعات جمعيّة فيينا للتحليل النفسيّ محاضرةً كتلك التي يقدمون فيها قهوةً سوداء كطقسٍ أساسيّ، وتفرش طاولات الاجتماع بالسيجار والحلوى. كانت تلك المحاضرة بعنوان “حول نمطٍ خاصٍّ من اختيار الموضوع الذكري” والمقصود بهذا النمط الخاصّ هم الرجال الذين يفضّلون الارتباط بسيّداتٍ متزوجاتٍ دونًا عن الارتباط بنساء عازبات.

المشهد الافتتاحيّ لفيلم “شوكة وسكينة“: رجلٌ يخلع دبلته قبل دخول المطعم ليقابل امرأةً في جلسةٍ رومانسيّةٍ بامتياز على طاولةٍ مستديرةٍ تزيّنها الشموع وكؤوس النبيذ، فوق مفرشٍ ناعمٍ من الساتان. يتحدّثون كأنّهما في مباراة بينج بونج سريعة الإيقاع، بينما الكاميرا تتحرّك في كادرات ضيّقة لتضفي حالة من الخصوصيّة. تسأله البطلة عن أكثر الأشياء التي يكرهها في شخصيّته فيجيب بشكلٍ سريعٍ كأنّه لم يبذل مجهوداً ليستدعي الإجابة، فيقول أنه لا تعجبه أيّ امرأة؛ إلّا إذا كانت متزوّجة!
ببساطةٍ وبعد تلك الإجابة، يمكن أن نقول بشيءٍ من الثقة أنّ هذا الشخص يعاني من عقدة أوديب.

تلك الجلسة التي عقدت في فيينا كانت مهمّةً بشكلٍ ما، حيث عبّر فرويد عن نفسه فيها بمزيد من الاستفاضة -على الأقلّ- في بعض النقاط التي وردت بالميثولوجيا اليونانيّة الخاصّة بـ عقدة أوديب والتطوّر الطبيعيّ للنشاط الجنسيّ. المحاضرة كانت طاحنةً نوعا ما، حتّى بعد انتهاء المحاضرة أعقبتها مناقشاتٌ ومساجلات حادّةٌ امتدّت حتى جلسة الأربعاء التالية.
فرويد يرى أنّ الأطفال في سنّ ما قبل المدرسة فضوليّون بشكلٍ طبيعيٍّ حول النشاط الجنسيّ، كما ادّعى أنّ الأطفال يصابون بتخيّلاتٍ جنسيّةٍ تشمل الوالد من الجنس الآخر.

يحدّثنا الدكتور مصطفي صفوان في كتابه “التحليل النفسي علمًا وعلاجًا وقضيةً” عن عقدة أوديب من خلال محاضرة فرويد التي أشرنا إليها، حيث أفرد لها فصلًا كاملًا بعنوان “بلّورة الأوديب الكاملة” ، لأنّ تلك العقدة من وجهة نظره حمّالة أوجهٍ على غرار الماسة. فيقول:

” يتميّز هذا النمط من الاختيار بأربع سماتٍ ولا نصادف هذه السمات معًا على الدوام بدرجة الوضوح نفسها.. وما يغلب أن نصادفه عمومًا هي بلوّرة ينقصها بعض الأضلع”

وفي حالة بطلنا -الذي قام بدوره إياد نصّار- تنطبق عليه بعض سمات أو أضلع البلّورة وليس كلّها، ليثبت بذلك نظريّة دكتور مصطفي.

إعلان

إجابة البطل التي أشرنا إليها في البداية، وسلوكه الذي يظهر في سرد الفيلم غير الخطيّ، تجعلنا نتساءل ليس عن سبب خيانته بالتحديد، إنما عن السبب وراء وقوع رجل مثله بسهولةٍ في غرام نساء متزوجاتٍ أو على وشك الزواج، والقصد بمثله أنّه لا حاجة له لمثل هذا النوع من العلاقات، فهو وسيمٌ وغنيٌّ ومتزوّجٌ ولديه العديد من الاختيارات المتاحة لكثير من الفتيات. فهل من أجل الخبرة والتفهّم مثلًا يختارهنّ؟

يقول فرويد للإجابة عن هذا السؤال “بالنسبة إلى الطفل الذي ينشأ في أسرته، سنفهم مباشرةً  أنّ كون أمّه ترتبط بالأب، سيصبح ذلك عنصراً لا يتجزّأ عن جوهر الأمومة”، بمعنى أنّه عندما تبدأ جنسانيّة الفرد يجد معناه في تعريفه، أيّ إنّه يريد ممارسة الجنس لكنّه يجد أمامه أمّه؛ المتعة غير المباحة، لذلك فإنّ البحث عن امرأة متزوّجة هو ببساطةٍ تمسّكٌ باستعادة ما حرم منه بصورة ما. فهي حالة غرامٍ بالأمّ التي لم يتخطّها بعد، وتعتبر تلك هي السمة الأولى لبلّورة الأوديب. فهذا النمط دائمًا ما يحتاج إلى “آخر” يرى فيه الشخص صورة الأب.

وحسب ادّعاء فرويد فإنّ مرحلة تطوّر الطفل ما بين ثلاث سنوات إلى ستّ سنوات تتميّز برغبة الطفل في الاستئثار بأمّه، لكنّه يصطدم بواقع أنّها ملكٌ لأبيه، ممّا يجعل الطفل في هذه المرحلة من تطوّره التي تمتد من سن الثالثة إلى التاسعة يحمل شعورًا متناقضًا تجاه أبيه: يكرهه ويحبّه في آنٍ واحد جراء المشاعر الإيجابيّة التي يشمل بها الأب ابنه. لربّما احتياجه للآخر يشبع لا وعيه بالحيرة؛ حيرة مشاعره. وأيضًا إن كان يدل هذا على شيء فهو يدل على سادية هذا النمط من الرجال لأن من شروطه أيضًا ألا يعرف الطرف الثالث -الآخر- شيئًا عن العلاقة التي بينه وبين زوجته ليس لأسباب أخلاقية أو من أجل المحافظة على سمعته ومكانته الاجتماعية بل لرؤية هذا الطرف الثالث مجروحًا بدون علمه؛ ليستمتع بساديته دخيلة نفسه.

يعرض الفيلم مشاهد متتاليةً نوعًا ما، نرى فيها البطل يطارح الكثير من النساء الفراش رغم تجلّي اختلافاتهم من حيث شكل الجسد والخلفيّة الثقافيّة والطبقة الاجتماعيّة..إلخ، ثمّ انتهى. لا شيء بعد المني.
كلّ علاقاته فاقدةٌ للتجانس أو يمكن القول بأنّها لا تتمتّع بإيقاعٍ معيّنٍ في اختياره لعشيقاته. لماذا إذًا لا يفضّل نمطًا أو شكلًا معيّنًا في هيئاتهنّ مثلًا؟ ولماذا لا يكتفي بواحدةٍ أو اثنتين فقط على الأقلّ؟

يجيب لنا فرويد هذا التساؤل بأسلوبٍ يبدو وكأنّه بديهيٌّ فيشرح؛ إنّ هذا النمط من الاختيار فيه سلسلةٌ ليست بصغيرة من النساء، لأنّ الرجل يتوقّع دائمًا العثور على أشياء تشبعه سواءً بيولوجيًّا أو نفسيًّا في امرأةٍ تاليةٍ كانت تنقص سابقتها. أيّ إنّها مغامرةٌ أو رحلةٌ لسدّ الاحتياجات وملء الفراغات التي يعاني منها. وهذا يمثّل السمة الثانية لبلّورة هذا النمط، بكون هؤلاء الرجال يميلون لتكوين سلسلةٍ من العلاقات، بالرغم من كونهم أوفياء جدًّا للنساء اللواتي أغرموا بهنّ، ولا يستطيعون الانفصال عنهنّ بسهولة. أي إنّه لا يرى نفسه خائنًا لأيٍّ منهنّ، بل على العكس من ذلك!

قد تبدو هذه النقطة أو هذه السمة محاطةً بالتناقض نوعًا ما لمن يقرأ تلك العبارة. وأعتقد أنّ هذه هي الفكرة الأساسيّة التي يركز عليها الفيلم، وهي الخيانة بشكلها النسبيّ بين الرجل والمرأة، والصراع الكلاشيه لإثبات عدم خطيئة طرفٍ ما أمام الآخر، أو محاولة إرغام المرأة على تقبّل طبيعة الرجل المبرّرة في حب الاكتشاف، وأنّ كلّ ما يهم نهايةَ الأمرِ أنّه لا يزال معها، وهذا ما كان كونديرا يحاول شرحه فى روايته كائن لا تحتمل خفته فيقول:

“إنّ مضاجعة امرأة والنوم معها رغبتان ليستا مختلفتين فحسب؛ بل متناقضتين أيضًا. فالحبّ لا يتجلّى بالرغبة في ممارسة الجنس (وهذه الرغبة تنطبق على جملة لا تحصى من النساء)، ولكن بالرغبة فى النوم المشترك، وهذه الرغبة لا تخصّ إلّا امرأةً واحدة.

لكن على صعيدٍ آخر؛ صعيد هذا الرجل الذي يختار نوعًا معيّنًا من النساء لخيانة زوجته معه، وهو اختيارٌ ليس لمجرّد الفضول أو الاكتشاف، فإنّ مفهوم الوفاء لديه مختلف، يرتبط لديه بالوفاء للأمّ والتعلّق بها، لذلك كلّ من هؤلاء النساء يمكن إبدالهنّ بأخرياتٍ مع الوقت، دونما أدنى شعورٍ بالخيانة لأنّ النشوة التي يحصل عليها تتكرّر في الصورة التي يحصل عليها أي صورة الأم.

أمّا السمة الثالثة التي تبدو لفرويد الأكثر إثارةً للاهتمام والأكثر غموضًا فى آن واحد على حسب وصف دكتور مصطفى، لأنّها تبدي تعارضًا مع صورة الأمّ التي يبحث عنها هذا النمط من الرجال، والتي تتمثّل في التركيز على اختيار سمة محدّدةٍ من النساء بجانب أنهنّ متزوجات: أن يكنّ سيئات السمعة، وهذا يحيد أو يبتعد تمامًا عن الهدف الأساسيّ، ويجعل هنالك خطر المقاربة  بينهنّ وبين النساء اللواتي يكنّ لهنّ هؤلاء الرجال احترامًا كبيرًا. وأعتقد أنّ السبب الحقيقيّ وراء هذا الاختيار البعيد، أنّ الرجل لا يريد تذّكر أمّه لأنّه يحترمها أو يعتبرها طوطمًا -مثالًا- لا يمكن الاقتراب أو التقليل منه أو جرحه. إنّ كون هؤلاء النساء أسهل في عملية القنص وفي ممارسة علاقاتٍ جنسيّةٍ دون التزاماتٍ ودون طلب الاعتراف بالعلاقة أمام المجتمع، بل هي من تسعى لإخفاء الأمر، سيحقّق له السمة الأولى من تعذيب الآخر داخل نفسه.

الفيلم لم يشمل الكثير من التفاصيل بسبب قصر مدّة عرضه، فهو ينطوي على ست عشرة دقيقة فقط من الحوارات المختزلة والسياقات المتضاربة والناقصة لماضي الشخصيات. فلن تجد الكثير من التفاصيل لتثبت صحّة تأويلك أو رؤيتك الخاصّة. وهو ما نجح فيه مخرج الفيلم آدم عبد الغفار.

الشيء الجيّد أنّه يمثّل قماشةً واسعةً تتحمّل تأويلاتٍ مختلفة الزوايا؛ لأنّ واحدةً من أسرار الفنّ أن يجعلك تنظر إلى الصورة الواحدة من مئة زاوية.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مي المغربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.