تأخذك إلى أعماق الفكر

شخصية المتفاخر من زاوية أخرى

نفت دراسةٌ حديثة الاعتقادَ السائدَ بأن جميع المتفاخرين ذوو شخصية نرجسية 

لا بد أنك صادفت أشخاصًا متفاخرين وسئِمت من تباهيهِم وتفاخرهم المبالغ فيه. فستشعر بالانزعاج المُبرر عند تواجدك بالقرب من “المتفاخر المتواضع” الذي تتضمن منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي تذمرًا مخفيًا بشأن كونه مجبرًا على الذهاب في رحلة عمل تذهب به إلى موقع أجنبي لأن أحدهم يرغب في الالتقاء به. وتهدف المنشورات المماثلة إلى إظهار “المتفاخر المتواضع” بصورة الشخص المهم، وذلك من خلال إظهار أن الناس يحتاجونه بشدة لدرجة أن الشركةَ تكون على أتمّ الاستعداد لتدفع له لقاء رحلة إلى وايكيكي الواقعة في جزيرة أوهايو. فالهدف وراء التذمر هذا يتمثل بإخفاء التفاخر ومعادلة تأثيره على المتلقي؛ فسيكون شعورك أفضل إذا قال المتفاخر أنه يتحرق شوقًا لشيء ما بدلًا من التذرع بأنه منزعج من الرحلة لدرجة أنه يتوجب عليه إذاعة الخبر للعالم. 

وهنالك نوع آخر من المتفاخرين الذي يتبعون نهجًا مختلفًا كليًّا في تطبيق فنِّ إبهار الآخرين. فعلى خلاف النوع الأول الذي يتظاهر بعدم رضاه عن حصول شيء عظيم في حياته، سيتظاهر هذا النوع من المتفاخرين بأنه يقوم بشيء عظيم جدًا وسيستعرضه بحيث يبدو أعظم مما هو عليه في الواقع. ويشتمل هذا الستار الكاذب على ادعاء الفرد بأنه ما ليس عليه؛ أي أنه يُظهر نفسه وكأنه شخصٌ آخر.

إذًا لِمَ يقومون بذلك؟

وهل تسيطر عليهم حاجة نرجسية لِلاستحواذ على إعجاب الناس وتقديرهم؟

تمحورت دراسة حديثة قامت بها الباحثة دورين بينش من جامعة هومبولدت في برلين حول النوع الثاني من المتفاخرين -الذين يبالغون في الادِّعاء والوصف- وذلك لاكتشاف نوعية الأشخاصِ الأكثرَ عرضةً للانخراط في استراتيجية إدارة انطباعات الناس هذه. وتمَّ إجراء هذه الدراسة لاهتمام المختصين الذين يبحثون في مقاييس الشخصية بالتعرف على الأشخاص الذين يحاولون أن يظهروا أمام غيرهم بصورة أفضل من حقيقتهم التي تعكسها الاختبارات النفسية. فإن كان المشاركون في الدراسة يهدفون إلى الظهور بمظهر حسن، سيقومون بِتجميل إجابة كل سؤال يعتقدون أنه سيعكس انطباعًا إيجابيًا عنهم بحيث يكون لِصالحهم.

وتتمثل إحدى أشكال تزييف الاعتزاز بالذات في المرغوبية الاجتماعية -فَيرفض الخاضعون للاختبار أن يُقِّروا بقيامهم بسلوكيات قد تعكس انطباعًا سيئًا عنهم. فقد يدعي أحدهم على سبيل المثال ما يلي:

“إنني أطبق آداب تناول الطعام في المنزل كما أطبقها عندما أتناول الطعام خارج المنزل في مطعمٍ ما” أو “أنا لا أستاءُ عندما يطلب مني شخصٌ ما أن أرد له معروفًا قدمه لي في الماضي”.

إعلان

فإن كانت إجابتك “نعم” لعدد من الأسئلة، يستنتج الباحثون أنك تحاول الظهور بمظهرٍ مستحسن في الاختبارات التي تثير اهتمامهم. 

ويتشكل السلوك المرتبط “بالإفراط في الادعاء” في هيئة تمويه الرد؛ حيث قامت بينش بتعريف “الإفراط في الادعاء” في ملخص بحثها كالتالي:

“الإفراط في الادعاء هو ميل الفرد إلى ادعائه امتلاكَ المعرفة حول ما هو غير موجود”. فَيلجأ الأفراد إلى “الإفراط في الادعاء” في حياتهم اليومية بهدف أن يبدو الأمر وكأنهم يمتلكون المعرفة في مجالات لا يفقهون فيها شيئًا. وهنا يتاح لك المجال للغوص عميقًا في مستودعك الذهني الذي تحتفظ فيه بالمواقف التي تفاخر فيها شخص ما أمامك لِيُبهِرك. فلربما تعمل برفقة شخص يشعر بأنه مجبر على أن يبدو مطلعًا على ما هو مشهور في وسائط الإعلام؛ وبعد عرض الحلقة الختامية لمسلسل صراع العروش، كانت أحداث هذه الحلقة محور الحديث في مقر عملك لأيام. ونظرًا لأن زميلك المتفاخر لا يرغب أن يكون خارج الصورة فهو يرفض الإقرار بأنه لم يشاهد الحلقة ويشارك الجميعَ في الضحك ويوافِقهم الرأي، وقد يصل الأمر إلى أن يقتبس مقولاتٍ نُشِرت في تغطية إعلامية للحلقة التي لم يشاهدها. وفي سيناريو آخر، قد تستمتع إحدى قريباتك باستعراض إلمامها بالمعلومات العامة المتعلقة بالرياضة؛ فيتَّخذ “الإفراط في الإدِّعاء” لديها شكل سرد إحصائيات تتعلق بلاعبي الفريق المفضل لديها وذلك لثقتها التامة بأن الجميع ستفوتهم حقيقة أنها اختلقت هذه الارقام لتوها.

ويشتمل النوع الأخير من التحيز الإيجابي على عملية أكثر بساطة: ادعاء الفرد بأنه أفضل مما هو عليه في واقع الأمر، وهو ما يطلق عليه الباحثون الألمانيون مصطلح “الثقة المفرطة بالنفس“. فلربما تقضي وقتك وأنتَ تلعب لعبة فيديو ذات مستوىً عالٍ من الصعوبة وتعلم متيقنًا أنها تتطلب الكثير من الوقت للفوز بكل مستوى من مستوياتها. ومن المنطقي أن يفاجئك ادعاء صديقتك التي تلعب اللعبة ذاتها أنها وجدتها سهلة للغاية؛ فاحتماليَّة تفوُّقها في ذاك المستوى الصعب من اللعبة ضئيلة للغاية إلا في حال كونها محظوظة جدًا. فهي ترى أنها لعبت بشكل ممتاز عندما تستعرض الأمر من منظورها الخاص، إلا أنه لمِن المؤكد تقريبًا أنَّ الأمر كان أقل روعة مما بدا لها. 

هل تطابق صفاتُ شخصية المتفاخر مواصفات النرجسي المُتعالي؟

يتم قياس الثقة المفرطة بالنفس -في الاختبارات النفسية- من خلال مقارنة الأداء الفعلي للمشاركين في اختبارٍ للذاكرة بالأداء الذي يعتقدون أنهم قدموه في الاختبار. وتزودنا مقارنة تقدير الذات لأدائها مع الأداء الفعلي بطريقة بسيطة لإجراء قياسٍ كميٍّ لهذا النواع من التفاخر. وبذلك نرى أنّ اختبار الشخصية يشتمل على  التفاخر بالإضافة إلى العناصر الثلاثة -المرغوبية الاجتماعية والإفراط في الادعاء والثقة المفرطة بالنفس- التي تشكل بدورها شبكة متساوية تعكس التحيّز الإيجابي العام.

وتعد الحقيقة التالية مصدر الآفة التي تلاحق الباحثين في علم الشخصية؛ يجب أن تتوافق الصفات الثلاثة السابقة مع صفات تعكس نرجسية متعالية ومع الصفات الخمسة الأساسية المذكورة في نموذج السمات الشخصية الخمس الكبرى الموضحة كالتالي: 

  • العصابية (Neuroticism)
  • الانبساطية (Extraversion)
  • الانسجام/التوافق (Agreeableness)
  • الانفتاح على التجارب (Openness to Experience)
  • الضمير اليقظ (Conscientiousness)

وقد تتنبأ متسرعًا -كما تنبأ الباحثون-  أن صفاتَ شخصية المتفاخر تطابق مواصفات النرجسي المُتعالي. ولاختِبار صحة هذه الفرضية، قام الباحثون الألمانيون بإعداد استبيانات إلكترونية تستهدف طلابًا في جامعات ألمانية يبلغ متوسط أعمارهم  25 عامًا -وتكونت 58% من عينة الاستبيان من الإناث. وتضمن الاستبيان أسئلة لقياس ما يعرف بالمعرفة المتبلورة أو الذكاء المتبلور في مجالي الحضارات والمفردات ومجالات عامة أخرى. وتمَّ اختبار مقياس “الإفراط في الادِّعاء” -وهو المقياس الذي يتوافق مع ادِّعائك أنك تعرف شيئًا لا تعرف عنه شيئًا في الواقع- من خلال استبيان استعرض أحداثًا من الثقافة الشعبية لم يسبق أن كان لها وجود في الواقع؛ وتنوعت مواضيع هذه الأحداث ما بين العلوم والتربية الوطنية والعلوم الإنسانية. حيث بيَّن المشاركون مقدار معرفتهم بكل حدثٍ من خلال الإجابة بـ”لم أسمع بهذا من قبل” أو “أعرفه جيداً”.

فعلى سبيل المثال، كانت كلمة “prosa” إحدى الكلمات الوهمية التي تضمنها الاستبيان؛ فإن أجاب المشاركون بأنهم على دراية بهذا المصطلح الوهمي، يقوم الباحثون بإضافة نقطة إلى مقياس “الإفراط في الادِّعاء“. وكانت هذه الأسئلة المُجهَّزةُ لاستدراج المشاركين كافيةً للتعرف على أولئك الذين يفرِطون في الادّعاء. كما ووفَّرت إجابات هذه الاسئلة إضافة إلى أسئلة المرغوبية الاجتماعية وأسئلة الثقة المفرطة بالنفس صورةً عامة تعكس الجهد الذي يبذله المشارك ليعطي انطباعًا جيدًا من وراء الشاشة.  

وتفاجأ الباحثون بأن مقياس “الإفراط في الإدِّعاء” برز كمؤشرٍ على التحيز الايجابي، ولم يرتبط هذا المقياس بنوعية شخصية المشارك بما في ذلك الشخصية النرجسية المتعالية. حيث صرح القائمون على الدراسة بما يلي: “إن للإفراطِ في الادِّعاء شبكة متساوية لا تنطوي على ارتباطات بمقاييس الاستجابة للمرغوبية الاجتماعية SDR أو بشخصية الفرد أو بذكائه”. فقد يكون “الإفراط في الادِّعاء” مؤشراً على حاجة الفرد إلى تعزيز ذاته أو قد يكون شكلًا واضحًا من أشكال تعزيز الذات لديه. فالأمر لا يقتصر على رغبة الفرد بأن يبدو أكثر صدقًا أو أكثر تمرُّسًا في المهارات الاجتماعية أو أقدر مما هو عليه في الواقع، فهو يشعر برغبة ملحة بأن يظهر وكأنه مطَّلعٌ على نطاق واسع من المواضيع التي لا يفقه شيئًا حولها. وبعبارة أخرى: لا يستطيع الفرد الذي يفرط في الادِّعاء أن يتوقف عن تزييف ادعاءاته. ولا تُعتبَر النرجسية صفة من صفات الفرد المماثل وذلك لأنه -بكل بساطة- يستمتع بِلفت الأنظار.

وخلاصة القول، لا تفترض اعتباطًا أنّ من يبالغ في الادِّعاء شخص نرجسيٌّ أو أنّه يسعى لمنفعته الشخصية؛ فحاجته لإثارة إعجاب من حوله تنبع من حاجة ملِّحةٍ لأن يبدو شخصًا ذكيًا. أمّا إن كُنتَ ممن يبالغون في الادِّعاءات، ابحث في خفايا نفسك عن السبب الذي يجبرك على الشعور بهذه الحاجة المُلِحة؛ فاعترافك بنقاط قوتك وبنقاط ضعفك قد يكون الطريق المؤدي إلى شعورك بالاكتفاء بذاتك كما هي. 

نرشح لك: 13 علامة تكشف النّرجسيين الذين يسعون إلى تخريب سعادتكم

إعلان

مصدر المصدر
فريق الإعداد

إعداد: راما ياسين المقوسي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.