سفر التكوين من وجهة نظر إبليس!

مؤخرًا، أصبحَت نظرتُه تقلقني. لم يعد فيها وهجُ العبقرية الذي اعتدناه. لا… عذرًا. ما زالت عيناه تومضان بلا شك كما يليقُ بعالمٍ عبقريٍّ، لكنَّ شذرةً من جنونٍ بدأتْ تزاحم هذا الوميض يومًا بعد يوم!

لم أستشعر هذا الجنونَ إلا بعد أنْ اجتمع بي أنا والعلماء ذوي الأثواب البيضاء، وصارحَنا بنيَّتِه أنْ يبدأ مشروعًا غيرَ مسبوق، غرضه إنشاءُ كائنٍ جديدٍ من الرئيسيات، أذكى من جميع مخلوقات الكوكب الأزرق.

سألتُه:

– تريده أذكى من القِرَدة؟

وهنا بدأت عيناه تومضان بذلك البريق الجنوني الذي لا أستطيع أن أصفَه. وقال في حماس:

إعلان

– أذكى من القِرَدة؟! إن طموحَك محدود. إنني أنوي أن أجعلَه بمثلِ ذكائي، بحيث يكون نائبًا عنِّي في الأرض. ولعلَّك استنتجتَ أنَّه سيكون ناطقًا مثلي ومثلك.

بُهِتُّ، وقفزَتْ إلى ذاكرتي بَغتةً التجاربُ السابقةُ التي أدَّت إلى ظهور فصائل الكائنات المشوَّهة ضيقة الجِبَاه، شديدة الشراسة، التي استوطنت الأراضي الوُسطَى، فعاثتْ فسادًا، وأدَّت إلى انقراضِ كثيرٍ من الثدييات، بل وأدَّى بعضُها إلى انقراض بعض، لِمَا قام بينهم من تنافس على موارد الغذاء، إضافةً إلى العنصرية، التي أوحى إليهم بها قدرُ الذكاءِ الذي تحلَّوا به، والذي ألهم بعضَ مَن تميَّز عن بقية الفصائل بشيء، أن يُفنيَ مَن هُم دونه، اغترارًا بقوته وأفضليَّته!

هذا ما حدث مِمَّن وُهبوا بعضَ الذكاء، فماذا سيفعل مَن يوهَب ذكاءَنا، دونَ حكمتنا؟!

أزعجني التذكُّر، وهممتُ بأن أعترِضَ عليه بالحُجَج القاطعة، لولا أن سبقني صديقٌ من العلماء، وقال له بكياسة:

– أتجعل في الكوكب الأزرق من يُفسِد فيه ويَسفِك الدِّماء؟

فنظر إليه مستخفًّا، وقال بصلافة:

– إني أعلم ما لا تعلَمون.

وأجبرهم جميعًا على العمل معه في مشاريع الهندسة الوراثية، والانتخاب المعملي (غير الطبيعي) لآخر الأجناس المحسَّنة من الرئيسيات، فوافقوا مضطرين؛ فهو حين الغضب جبَّار، لا يجرؤ على مناقشته أحدٌ، كما أن عقابه مهين.

شرعوا في تجاربهم، وأخذت أنا أراقبهم من بعيدٍ، كمستشارٍ مُخلصٍ لزُمرتنا الخالدة.

ومرَّ مائة يومٍ من أيام كوكبنا (وهي تكافئ مائة ألف عام على الكوكب الأزرق)، وأنا أتابع خطوات الانتقاء، والتعديل الجيني، وإعادة كتابة الأكواد الخاصة بتركيب المخ، والتشابكات العصبية، حتى أمرني القائد بالتوقف عن المتابعة، ومنع العلماءَ من مشاركته في المرحلة الأخيرة من العمل!

وفي إحدى ساعات النهار، صارحتُ صديقي، الذي شاركني اعتراضي على ذلك المشروع من البداية، بقلقي الذي يتعاظم يومًا بعد يوم. وقلتُ له إن الإقدام على مثل هذا العمل كفيلٌ بهدم ما أبدعناه في الكوكب الأزرق طَوال آلاف السنين (من عمر كوكبنا)، مِن مخلوقاتٍ يتناغَم بعضُها مع بعضٍ في بهاءٍ رغمَ التغيُّرات المُناخية المُزعِجة التي تهجم على ذلك الكوكب من حينٍ إلى آخر.

اعتدل في جلسته، وقال في هدوء:

– إننا اتفقنا قبل انفصالنا عن الكوكب الأم على أن نُقِيم أذكانا وأقوانا قائدًا لنا، نأتمر بأمره، ولا نطيع سوى كلمته. وهذا هو الضامن الوحيد لاستمرارنا في حياة الخلود التي ابتكرها قومُنا بتبديل الأجساد، كلَّما تلفت، بمثيلاتها جينيًّا. وأنا – رغم اختلافي معه في الرؤية – ليس عندي شك في أنه حكيمٌ بالقدر الذي يُجَنِّبه ما نخشاه.

تنهَّدتُ، ثم أشحتُ وجهي عنه، ومسحتُ على ذراع معطفي الأحمر الناعم معزِّيًا نفسي، التي خاب أملُها! ولم أشأ أنْ أخبرَه عن وميض الجنون الذي لاحظته مؤخَّرًا؛ لأنَّ شخصًا مثله قد يشي بي، فيأخذني عقابٌ شديد، وأُمنَع من التجدُّد لدورتين جسديتين، أو أكثر!

وبينما نحن جالسان، إذ دوَّى من السَّماعات المدفونة في الجدران الصَّوتُ المَهيب، يأمرنا بالاجتماع في القاعة الكبرى.

ذهبنا إليها من فورنا، وهناك رأينا القائد واقفًا على المسرح الضخم، وعلى وجهه سعادةٌ وثِقة، وبجواره كِيانٌ لم أَرَه من قبل! لا أنكر أنه متناسِق. إننا جميعًا شغوفون منذ بداية تجاربنا على الكوكب الأزرق بالنسبة الذهبية (1,61803398875)، وهي حقًّا واضحةٌ إلى أبعد مدًى في هذا المخلوق الواقف منتصبًا مثلنا!

رأسه يشبه رؤوسنا، وإن كان أصغر قليلًا، وفي ملامحه غِلظة، يزيدها وضوحًا أديمُه الأسود الداكن. شعره مجعَّد، وفي جسده صلابةٌ وقوةٌ لا نملِك مثلهما، وفوق أعضائه التناسلية غطاءٌ من نسيجٍ أسود، تجمع أطرافَه كبسولاتٌ معدنيَّةٌ لها نفس اللون.

سألَنا القائدُ مبتسمًا:

– ما رأيكم؟

لم أُجِب، ولا أجاب مَنْ معي. فأخرج من جيبه أسطوانة التجسيم الفضية، التي تُصدِر أشعَّةً قادرةً على التشكُّل في صورٍ مجسَّمة، وأخذ يُطلِق منها أشكالًا لحيوانات وطيور ونباتات الكوكب الأزرق. وكلَّما أطلق منها شكلًا، سارع المخلوق إلى نطق اسمه الذي نعرفه، وتصنيفه الموجود بموسوعاتنا، فذكَّرني بما يحدث لنا بعد تبديل أجسادنا، من تلقينٍ لدقائق حياتنا الماضية باستخدام وسائل شبيهة!

أدهشنا ذكاؤه، فبدَتْ على وجه القائد، وهو يواصل اختبار المخلوق، أمارات الارتياح. دعانا إلى الاقتراب منه، فاقتربنا. أغلق أسطوانة التجسيم، وأخذ يشير إلينا واحدًا واحدًا، وهو ناظرٌ إلى المخلوق، فبدأ يذكر أسماءنا، ويحيِّينا، حتى أشار القائدُ إليَّ، فحدَّق فيَّ المخلوق بعينيه الواسعتين، وقال في هدوء:

– مرحبًا يا إبليس.

لم أردَّ عليه؛ فقد راعني الوميضُ الجنونيُّ الذي يحتلُّ عينيه مثل القائد، ويُنذر بالسُّوء. أعرضتُ عنه، وسألت قائدَنا، بعد أن صَرَف المخلوق إلى غرفته:

– وما اسم هذا الكائن إذًا؟

فأجابني بنظرةٍ حالمة:

– اسمه آدم. وسوف يكونُ خليفةً لي في الكوكب الأزرق. وقريبًا جدًّا سيكتمل خلقُ زوجته، التي سأجعُلها تلِدُ في كلِّ حملٍ كائنين مثلَهما، ذكرًا وأنثى، فيصبح من آدم وزوجته قومٌ عاقلون، يحافظون على النظام البيئي، ويُجَمِّلون بقاعَ الكوكب، ويُعَمِّرون فيه، ويُسَبِّحون بأسمائنا في كلِّ مكان، ويُقيمون العدلَ بين جميع المخلوقات، ويُشرِفون على التوازن الذي سَنَنَّاه في ذلك الكوكب، ويُصلِحون مواضعَ العطب في النظام البيئي، ويساعدون جميع المخلوقات على الاستمرار.

قلتُ له محذِّرًا:

– إنك صنعتَه من أسلافٍ متوحِّشين، رأينا جميعًا جرائمَهم، وإفناءَ بعضِ فصائلِهم لبعض. لماذا تغفل عن هذا؟ بل وصنعتَه أذكى من جميع المخلوقات! ألا تعلم أن عقلًا مثلَ عقولنا في جسدٍ حيوانيٍّ، هو شرٌّ لا يُرَدُّ؟ ويستحيل أن يصـ…

فقاطعني غاضبًا:

– ماذا تقول؟ ألم تتابع خطوات صناعته؟ ألم تلاحظ أنني وضعتُ جزءًا من مادَّتي الوراثية في تركيبه الجيني؟ إنه يحمل الحكمةَ كما يحمل الغريزة، ولسوف يقدر دائمًا أن يُغَلِّب الحكمة، لأنه الأعلم بمصلحته ومصلحة هذا الكوكب. كذلك صنعته، وأنا أعلم ما لا تعلمون.

ثم مخاطبًا خاتمَه المتَّصِلَ بمكبرات الصوت:

– أحضِروا آدم من غرفته.

فما مرَّت لحظاتٌ إلا وهو أمامنا، بهيئته التي بدأتُ أنفِر منها رغم تناسقِها. وذُهِلتُ حين أمرَنا القائد بالسجود لهذا المخلوق، ولم تَرُقْ لي نبرةُ الكِبْر التي نطق بها ذلك الأمر:

– اسجدوا لآدم. إن بعضَه مني، وكلمتَه من حكمتي، وهو يَدُنا وعينُنا في الكوكب الأزرق. اسجدوا له.

لم تُعجِبني الدلالة الرمزية للسجود…

إن هذا هو ما فعلناه في كوكبنا الأم، الذي يقع في مركز الكون، قبل أن نهاجر منه إلى هذا الكوكب الجديد، الذي اتَّخذناه معملًا ومركز أبحاث، لقربه النسبي من الكوكب الأزرق. سجدنا… ولكن لِمَن؟ سجدنا في كوكبنا الأم للبناء العملاق الذي يَضُمُّ كلَّ معارفِ قومِنا التي اكتسبوها منذ هجرتِهم من وطنهم الأول في الكون الثالث والعشرين، إلى هذا الكون، بعد أن أيقنوا بأن الكون الثالث والعشرين مُوشِكٌ أن يمرَّ بطَوْر الانسحاق العظيم.

هل يساوي القائد بين هذا الآدم، وبين معارفنا العظمى؟!

تبًّا له، وتبًّا لِمَا خلق!

سجد جميع مَن في زُمرة العلماء للمخلوق المُنَفِّر، بينما ولَّيتُهم ظهري، ورحلتُ عنهم غاضبًا.

* * *

في غرفتي، حَرَصْتُ على تسجيل كلِّ ما حدث، وركَّزتُ على شكوكي، وأسهبتُ في ذكرِ أسبابِها، لكي أضيفَها إلى ملفِّي الذي يَضُمُّ كلَّ معارفي التي تُنقَل إليَّ بعدَ تبديل جسدي.

إنَّ ما حدث أمرٌ فارق، ويجب أن أُحَدِّث القائدَ بشأنه حين أنفرِد به. أم… لا لن أحدِّثه، وليفعلْ ما يشاء. لقد أصبح مغرورًا مستبِدًّا، وسوف تؤدِّي ثقته بما يفعل إلى كارثةٍ، لا يتوقَّعُ مداها أحدٌ.

في الدقائق التالية (وَفق مقياس الزمن بكوكبنا)، علمتُ أنَّه أمَر بوضع آدم وحواء (زوجته التي تمَّ خلقُها قبل لحظات)، في حديقةٍ تُحَاكي طبيعة الكوكب الأزرق، وفيها كلُّ نباتاتِه، ونماذجُ آليةٌ للحيوانات مصنوعة بإتقانٍ شديدٍ، لا يمكن التمييز بينها وبين الحيوانات الحقيقية، وذلك تمهيدًا لإرسالهما إلى الكوكب الأزرق. وعلمتُ كذلك أن المَخرج من هذه الحديقة، تحجبه شجرةٌ ضخمةٌ، نهاهما القائدُ عن الاقترابِ منها لكيلا يغضبَ منهما (هذا ما قاله لهما)، وإنما قصد بذلك أن يظلَّا في الحديقة، إلى أن يحين موعد إرسالهما إلى الكوكب الأزرق.

تأمَّلتهما قليلًا على شاشات المراقبة التي تنقل ما يحدث في الحديقة، وأمعنتُ النظر في حوَّاء. ما هذا الجمال؟! إنها حقًّا آيةٌ لا تتكرَّر. أجمل من هذا الآدم ألفَ مرة! جسدُها مصقولٌ كمرآةٍ، ونهداها مرتفعان لَدِنان، غير أنَّ حركتهما مقيَّدة بغطاء أسود ضيِّق يحجب أغلبهما، مصنوع من نفس النسيج الذي يغطِّي سِترٌ منه فَرْجَها، وفَرْجَ آدم.

أذهلني حسنُ حوَّاء، وظننتُ لوهلةٍ أنها تشبهُني. أجل. إن ملامحها تكاد تماثل ملامحى. الشعر الناعم. الأنف الدقيق. البشرة البيضاء الصافية. كأن القائد وضع فيها بعضًا من مادَّتي الوراثيَّة! حسناء لا توصف. لكنها – دون شك – مصدر شر مثل زوجها القبيح، ولذلك لن أفضِّلها عليه. لكنني أحسب أنها مدخل ملائم لإغضاب القائد منهما، حتى يُجهض المشروع.

عقدت العزم على أن أُدخِل إلى الحديقة أفعى آلية، بعد أن أُبرمِجَها على أن تُخاطب حواء، وتُقنعها بأن الشجرة المحرَّمة تحوي سرًّا يمنعهما القائد من معرفته، فإذا عرفاه فسوف يحوزان القدرةَ على التجدُّد بعد الموت. وسأجعلُها تُرغِّب إليهما الشجرةَ بأن مذاقَ ثمارِها ليس كمثله شيءٌ في الحديقة. فإذا اقتنعتْ حواء، فسوف تُقنع آدم. وحين يقتربان من الشجرة، ويخرجان من الباب، سأظهر لهما، وآخذهما بعيدًا إلى الرواق الخارجي (الذي أعتقد أنه خالٍ من أجهزة المراقبة) وأخبرهما بالحقيقة التي ستجعلهما يبغضان القائد بغضًا شديدًا. سأقول لهما أنهما تجربتان في معمل، وأن هناك تجاربَ سبقتْهما، لم يُصلِح أيٌّ منها حيثُ وُضع. سأكشف لهما استبدادَ القائد، وتحكُّمَه فيهما، ورغبتَه المجنونة في أنْ يسمع اسمَه مردَّدًا بأفواه مخلوقاته، وسأحذِّرهما من الوشاية بي. سأفعلُ كلَّ هذا بعد أن أعطِّل جهاز المراقبة الخاص بالقائد، ببرنامج صغير، فتتكرَّر أمامه صور آدم وحواء وهما في الحديقة، بعيدًا عن الشجرة، لكيلا يلاحظ فرارهما.

أجل… وبعد أن أتمَّ مهمتي، سأتوارى في حجرتي قبل أن يكتشف القائدُ أيَّ شيء لكيلا أضعَ نفسي في موضع شبهة، ثم أعيد جهازه إلى ما كان عليه، وحينئذٍ لا يهمُّني اكتشافُه هروبَ مخلوقيه. سوف يجدهما بلا شك، لكنهما سيكونان على غير تدبيره.

وبعد ذلك سوف تنشأ الأزمة بين القائد من جهة، وحواء وآدم من جهة أخرى، وسوف ينتهي هذا المشروع المُفسِد.

تم الشقُّ الأول من الخطة على أكمل وجه. أغوت الحيَّةُ حواء، فألحَّتْ – وهي سكرى بالغواية – على آدم، فذهبا إلى الشجرة، وذاقا ثمارها، وأبصرا الباب الذي وراءها. لكنهما حين خرجا منه، واقتربتُ منهما لأريهما الصورَ المبيِّنةَ لحقيقتِهما، رجَّ المكانَ صوتُ القائد الغاضب. ما هذا؟ هل اكتشف حيلتي؟ أم هل فشل البرنامج الذي نقلتُه إلى جهازه؟ أم إنه يراقب كل الأماكن؟ لقد تجاوز كلَّ الحدود!

وما لَبِث أن جاء، ووقف أمامَنا بهيئةٍ لم أرَهُ عليها إلا مرَّةً واحدةً فقط حين بدأ الانقراض الكبير للزواحف العملاقة! ما هذا الغضب؟ كلُّ هذا لأنهما خالفا أمره!

ظلَّ ينظر إليهما لحظاتٍ، قبل أن يلمُسَ خاتمه، فانحلَّت الكبسولات التي تضمُّ جوانبَ أغطية فرج آدم، وفرج حواء ونهديها، فأصبحا عاريَيْن، وأخذَهما حياءٌ شديدٌ، انزعجتُ جدًّا منه، وعجبتُ لجرأة القائد على إذلالِ مَن يعصيه بأبشع طريقة!

لم يعتذر إليه المخلوقان… فالاعتذار شيءٌ لم يتعلَّماه بعد!

قال لهما القائد:

– ألم أنهَكُما عن الشجرة؟

لم يُجيبا. فالتفت إليَّ وقال:

– وأنت؟ ألم يكفِك عصيانُكَ لأمري؟

فلم أتمالك لساني، وهتفتُ فيه:

– هذا الكائن المُفسِد سوف يدمِّر الكوكبَ الذي تنوي أن تضعَه فيه. أنت لا تفهم. لقد عصى أمرك في اختبارٍ بسيطٍ مني، سعيًا إلى الخلودِ الذي لن ينالَه أبدًا. ألا يكفيك هذا لتعلَم حقيقته وطمعه ونَزَقه؟ وسوف يعصيك دائمًا ويُبغضك، وسوف يُفسِد كل شيء، وسـ…

بسط يده أمامي، وقال بصرامة:

– حق عليك العقاب… لقد عصيتَ أمري وأبيتَ أن تسجد لآدم، ثم تمرَّدتَ عليَّ بتحريضِك آدمَ على عصياني.

– عاقِبني إذًا كما تريد. احرمني من التجدُّد لدورتين جسديتين أو ثلاث أو حتى أربع. سيكون هذا أفضل لي؛ فلن أتكبَّد أن أرى نتائجَ أفعالِكَ المجنونة.

فابتسم، وقال ببرود:

– من قال لك أنني سأعاقبك بالحرمان من التجدُّد؟ سوف أرسلك إلى الأرض مع آدم وحواء… ولتعلمْ أنَّك لن تعيشَ بعد اليوم إلا بهذا الجسد. هذه هي حياتك الأخيرة.

هبط عليَّ النبأ كأنه انفجار نجم! ما هذا الجنون؟!

لم أعقِّب على كلامه. اعترتني قشعريرة. أصابني الغم. نظرتُ إلى حواء. ما أجمل عينيها الواسعتين الدافئتين! لمحتُ فيهما شفقةً وحنانًا لا أستطيع أن أصفَهما. سَرَى في عروقي تيارٌ من النشوة، استعجبتُ من تدفُّقه بجسمي رغم قسوة الموقف! حوَّاء هي ملاذي… هي أختي وابنتي… وعشيقتي (عمَّا قريب). وهي الملاذ الذي سينقذ الكوكب الأزرق من وحشية آدم.

انصعتُ لأمر القائد، وتمَّ إرسالنا إلى الكوكب الأزرق، حيثُ بدأ أولُ وآخرُ عشقٍ في حياتي الطويلة!

إشارة:

أصيب آدم باكتئابٍ شديدٍ، بعد أن وضعَتْ حوَّاءُ حملَها الأول، لأن القائدَ أخلف وعدَه لهما، ولم تلِدْ توءمًا مثلما كان ينتظر… وهذا جعله أشدَّ تربُّصًا بإبليس، لاعتقادِهِ أنه السبب الأوحد لهذا العقاب!

لم يتحمَّل إبليس مناخ كوكب الأرض، فكان كثيرًا ما تصيبه الأمراض البكتيريَّة والفيروسيَّة. كما أن آدم كان يتشاجر معه دائمًا بسبب عَلاقته القويَّة بحواء، فيضربه حتى يُدميه، ممَّا عجَّل بنهايته…

وقد استطاع إبليس أكثرَ من مرة الاختلاء بحواء في كهفها، أثناء بحث آدم عن الطعام، وتمكَّن من أن يُودِعَها نُطفتَه، فنَمَتْ حتى تشكَّلَتْ طفلًا جميلًا، مات إبليس بعد ولادته مباشرة… وكان آدم (المخدوع) على يقينٍ تامٍّ من أن هذا الطفل الجميل من صُلبه.

ذلك الطفل، الذي كان أحبَّ أبناءِ حواء إليها، كان اسمه…

هابيل.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

اترك تعليقا