رماد الكتب .. رحلة عبر محارق الكلمات

مما لا شك فيه أن مقولات الاحتفاء بالكتب والمكتبات انتشرت كالنار في الهشيم مؤخرًا وهذا في المطلق مذهب حسن، وقد ساعد في انتشار تلك النظرة البورخيسية -التي تتجلى في مقولة خورخي لويس بورخيس: “لقد تصورت الجنة على شكل مكتبة”- مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع تقييم الكتب بشكل أوسع وفاعل في الوجدان الجمعي لجيل الألفية الجديدة، عصر الإنترنت وسهولة الحصول على أي مادة للقراءة كان له مفعول السحر لتداول الممنوع وإزالة ستر ما حجب عن الكثير من الأجيال الأسبق.

تلك بالتأكيد نظرة متفائلة للواقع الثقافي وأنا من أنصار الترويج لها أحيانًا لكن ما نحن بصدده هنا في هذه السلسلة من المقالات هو إلقاء الضوء على الوجه المظلم للقمر حيث ستكون محاولة لرصد كيفية تطور التعاطي مع الكتب والمكتبات عبر التاريخ بشكل أقرب إلى مسح جغرافي أفقي ومسح تاريخي رأسي، ليتسنّى لنا في عصر المعلومة المقدمة على طبق من ذهب أن نرى ونفهم مراحل تطور علاقة الإنسان بالكتاب وتأرجحها بين حب وكره، منع وإتاحة، توجس ويقين، علاقة متشابكة متشعبة تقص علينا تطور الوعي الإنساني ذاته وتطور أساليب الرقابة والمنع.

تأريخ حرق المكتبات وقمع الكتاب قليلة، وتأريخ الهجمات الشرسة البربرية والعامل المشترك بينها لم تحظ بالبحث العلمي اللهم إلا دراسات هنا أو هناك، منها: دراسات (جيرار حداد) التي اختصت بالكتاب اليهود فقط، وأيضًا هناك في جامعة بيركلي بالولايات المتحدة يوجد دراسات مهمة لعالم الاجتماع (ليو لزينتال)، والكتاب الجامع المانع الذي سنعتمد عليه هنا للكاتب والباحث الفرنسي (لوسيان بولاسترون) عن تأريخ حرق المكتبات، أظن أن الثلاثي هم الوحيدون الذين قاموا بدراسة ظاهرة التماثل بين الكتاب ومؤلفه ومآسيهما المشتركة المتراكمة.

أعود إلى مقولة بورخيس عن أن الجنة ما هي إلا مكتبة، هي فكرة قديمة لعلها بدأت حتى قبل وجود الكتاب نفسه، فكرة الاكتناز المعرفي غريزة اشتعلت في مخيال البشرية، يقول بولاسترون:

نضرب مثالًا على ذلك بمكتبة (براهما وأردان) في الميثولوجية الهندوسية، الذي تخيلها الإنسان على شكل كأس من الحليب وقالوا إذا شرب منها الإنسان العادي تحول بمعجزة إلى فيلسوف وشاعر، وأيضًا وصل الأمر بأهل الحضارة البابلية إلى حد الاعتقاد بأن السماء ما هي إلا كتاب مفتوح ينبغي على الإنسان ليصل إلى الاستنارة أن يتعلم فك شفرته، أما (بيروز) الحكيم الذي اخترع الساعة الشمسية -والذي يقال أنه كتب في ظل حكم الإسكندر تاريخ الحضارة- فهو يخبرنا بأن عاصمة العالم قبل طوفان نهر بيسان كان اسمها (جميع الكتب) أي المكتبة، يذهب أيضًا الإنسان إلى القول بأن نوح دفن كل الكتب التي تقص أصل العالم وأسراره قبل الطوفان؛ لأنه اعتقد أن وزنها سيغرق فلكه وبعد الطوفان قام الناجيون بنبشها واستخدامها لتأسيس المكتبة البابلية.

في تلك الأسطورة المؤسسة للمكتبة الكونية جعل الإنسان المكتبة معادلًا للسماء وترسخت في ذاكرته مأساة انهيارها كاستعارة عن ضياع الجنة السماوية وهبوط الإنسان طريدًا إلى هذا العالم.

إعلان

رغم هذا التصور الموغل في الوعي الإنساني، لكن لماذا ظهرت أسباب انتهاك الكتب والمكتبات عبر العصور المتلاحقات؟
بعيدًا عن ذكر الأسباب المعروفة التي يكون للطبيعة يد فيها كوصول الماء أو النار، أو التلف عن طريق عثة الكتب، أو حتى الزلازل، نذهب إلى خطر أكثر فداحة؛ ألا وهو الرغبة الصريحة والتعمد في تدمير الكتب و محو أي أثر لها.

هذا التعمد السلطوي تعبر عنه القاعدة الأولى في الهيمنة بأن الشعب المتعلم لا يمكن السيطرة عليه، قاعدة اشترك فيها الجميع من الصين القديمة والنازيون والفاتحون، الفاتحون بالتأكيد كانوا يملكون الرغبة في مسخ عادات الشعوب التي غزوها بتدمير مخطوطاتهم التي تحتوي على تاريخهم ومعتقداتهم لتغيير وقولبة البلدان الواقعة تحت أيديهم لمنظومتهم القيمية، كما حدث مثلًا مع الآزتيك بواسطة الغزاة الإسبان الكاثوليك أو مع العرب في أمصار كثيرة.

أيضًا عبر كل العصور روجت قاعدة الكهنة التي تقول أن الشعب الأمي هو وحده القادر على إنقاذ العالم – ترويجًا للوداعة والخنوع-؛ لأن طبيعة الكتب تشكل خطرًا على منظومة الكهنوت والسلطة كما فعل المغول مع كتب الطاويين إبان اجتياح شمال الصين، أو في الإسكندرية في أكثر من واقعة، أو مع كتب الإصلاح البروتستانتي في أوروبا.

يضيف بولاسترون أن هناك حالة أخرى وهي إقدام الناس نفسهم على تدمير مخزونهم من الكتب تلافيًا للمشاكل أو حتى العقاب كما تكرر في العصور الوسطى، أو للمفارقة كما حدث في العصر الإمبراطوري بالصين وما تلاه في الصين الشيوعية أثناء الثورة الثقافية الماوية، أو كمحارق الكتب الجماعية في الميادين مع بذوخ الفاشية في ألمانيا وإيطاليا.

يوجد سبب آخر أكثر تفلسفًا وتجريدًا أن الكتاب يمثل تجسيدًا للذاكرة عند الإنسان، بل هو أرشفة ميراث معرفي وحرقه يعني حرق الإنسان نفسه الآخر المغاير.
في المقالات القادمة سنحاول عرض تاريخ فعل مطاردة الكتب عبر العصور من بابل ومصر القديمة وعبر تاريخ العصور الوسطى الأكثر ظلامًا في التفتيش عن الأفكار وقمعها حتى العصر الحديث.

 قد يعجبك أيضًا: هوس الكتب … الكتاب مرض وعلاج

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

اترك تعليقا