تأخذك إلى أعماق الفكر

دبلوماسيّة فَخّ الدّيون الصّينيّة.

كيف تستخدم الصّين سياسات الإقراض للسّيطرة علي ممرّات العالم التّجاريّة؟

أطلق الرّئيس الصّيني “شي جينبينغ” عام 2013 مبادرةً تُعرف باسم “مبادرة الحزام والطّريق”، وبحسب ما صَرّح وزير الخارجيّة الصّيني “وانغ يي” لبرنامج “بلا حدود” في حلقة بُثَّت في مايو/أيار 2015 “أن هنالك تجاوبًا ومشاركةً نشطةً من نحو سبعين دولة مُطِلَّة على هذا الخطّ، وفي مُقدِّمتها دول الشّرق الأوسط.”.

طريق الحرير

يُعتبر طريق الحرير هو المُسمَّى القديم لاستراتيجية الحزام والطريق الّتي تحاول الصّين إحياءها، فما ذلك الطّريق وما فائدته للصّين؟

طريق الحرير يتألّف من مَسلَك بَرّي وطريق بحري بحوالي 12 ألف كيلومتر، وقد عمل كلاهما على تسهيل نقل سِلع وأفكار جنوب وشرق آسيا إلى أوروبا، ربط الطّريقُ آسيا والشّرق الأوسط وأوروبا لمئات السّنين بروابط تجاريّة وثقافيّة ودينيّة وفلسفيّة، تمّ من خلالها تبادُل السِّلع والمنتجات كالحرير والعطور والبخور والتّوابل وغيرها، وكذلك تبادُل الثّقافات والعلوم.

تهدف النّظرة الصّينيّة لإحياء طريق الحزام والطّريق على أنقاض طريق الحرير القديم وذلك من خلال:

  1. الممر البرّي: والّذي يبدأ من مدينة “شيان” الصّينيّة مرورًا بكازخستان، إيران، تركيا، روسيا، ألمانيا انتهاءً بهولندا وإيطاليا.
  2. الممر البحري: والّذي يبدأ من مدينة “فوزهو” الصّينيّة مرورًا بفيتنام، ماليزا، الهند، سيرلانكا وكينيا انتهاءً باليونان وإيطاليا.

إعلان

بالطبع تُمثِّل مبادرة الطّريق الحريري كنزًا للجمهوريّة الصّينيّة حيث سيمكّنها من تداول السّلع والبضائع الخاصّة بها لجميع دول العالم بتكلفةٍ أقلّ في وقتٍ أسرع، بل وسيجعل من الصّين القوّة العُظمى الأولى في العالم ما إذا تمكّنت من السّيطرة على النّقاط الاستراتيجيّة الّتي يمُرُّ بها الطّريق وخاصّةً سواحل الممرّ البحري، وهو ما تسعى الصّين جاهدةً لتنفيذه، وإحدى تلك السُّبل بل وأهمّها على الإطلاق هي سياسة الأقراض الصّينيّة.

دبلوماسيّة فَخّ الدّيون الصّينيّة

“نحن لا نريد نسخة جديدة من الاستعمار”

قالها رئيس الوزراء الماليزي “محمد مهاتير” بالعاصمة الصّينيّة بكين لمضيفه الصّيني “لي كه تشاينغ” في أغسطس/آب الماضي، وأبلغه حينها أنّ بلاده ألغت ثلاثة مشاريع اقتصاديّة عملاقة كانت ستموِّلها بكين، وأكّد حينها أنّ الأمر لا يتعلّق بصبِّ أموال كثيرة، إنّما في عدم قدرة كوالالمبور على سدادها.

“لا حاجة لنا لبناء المطار”

قالها وزير الطيران “كابيني كالون” نقلًا عن لسان الرّئيس الحالي لسيراليون “جوليوس مادا بيو”، وسبقت لذلك سيراليون الّتي ألغت مشروعًا بتمويلٍ صينيّ بقيمة أربعمئة مليون دولار لبناء مطار في البلد الواقع غربي إفريقيا.

تستهدّف الصّينُ الدّولَ النّامية في العديد من القارّات وبالأخصّ القارّة الإفريقيّة في المقام الأوّل وذلك لأهميّة السّاحل الإفريقي استراتيجيًّا في الممر البحري للطريق الحريري، وتقوم المؤسَّسات الصّينيّة بتقديم يد المساعدة للدّول النّامية الّتي هي بحاجة للأموال لإقامة مشروعات البِنْيَات التّحتيّة والاتّصالات والموانئ والمطارات وخلافه.

تتمثّل المساعدات في هيئة قروض باهظة تمنحها الصّين لتلك الدّول من أجل عمليّات النّمو دون النّظر إلى قُدرة تلك الدّول على سداد قيمة القرض، حتّى تظُنّ تلك الدّول أنها مساعدات مجّانيّة يمكن لدولة عُظْمَة مثل الصّين التغاضي عنها أو إهمالها، ولكنّ الحقيقة أنّ الصّين تعلم جيدًا أنّ تلك الدّول بنسبة كبيرة لن تقدر على دفع تلك الأموال ولا فوائدها وهنا يَكمُن فَخّ التّنّين الصّيني..

فما الّذي يحدث عندما تعجز الدّولة عن سداد قيمة الدَّين؟

تقوم الصّين على الفور بالاستيلاء على تلك المشاريع التي قامت بتمويلها والتي هي في الأغلب موانئ أو مطارات استراتيجيّة هامّة أو أخذ حقّ انتفاعها لمدة كبيرة تصل ل99 عامًا بالإضافة إلى امتيازات الشركات الصّينيّة في البلاد، وهناك الكثير من الدّول بالفعل سقطت في فَخّ التّنّين الصّيني، فعلى سبيل المثال:

سيرلانكا

بعد انتهاء الحرب الأهلية في سيرلانكا والّتي امتدت حوالي العام، قامت الصّين بضخّ قُروض لأعمال التّطوير بسيرلانكا بقيمة 1.5مليار دولار.

عجزت سيرلانكا -الدّولة النّامية- عن سداد قيمة القرض الكبيرة، فما كان المقابل من الجانب الصّيني إلا بالاستيلاء على 85% من ميناء “هامبانتونتا” في جنوب غرب سيرلانكا كحق انتفاع لمدة 99 عامًا لصالح الدّولة الصّينيّة بالإضافة إلى 15000 فدّان بالقُرب من الميناء كمدينة صناعيّة وأيضًا امتيازات ضريبيّة للمُنشآت الصّينيّة في سيرلانكا لمدة 32 عامًا، يعتبر ميناء “هامبانتونتا” أهم مورد بسيرلانكا وذلك لأنّه يحوي أهميّة استراتيجيّة فعّالة على السّاحل الإفريقي وبالطّبع يُعتبر نقطة قوّة أساسيّة لخدمة الطّريق الحريري الصّيني استيراتيجيًّا وعسكريًّا.

كينيا

قامت الحكومة الصّينيّة بإقراض كينيا قرضًا بقيمة 3.8 مليار دولار لإنشاء خط سكة حديد، بالإضافة إلى استثمارات أُخرى، بلغ إجمالي التّدفُّق الاستثماري الصّيني بكينيا 5.5 مليار دولار.

وكما حدث مع سيرلانكا عجزت كينيا عن سداد قيمة القرض للحكومة الصّينيّة فقامت بِرَهْن أكبر وأهم مرفأ بها وهو ميناء “مومباسا”.

جيبوتي

موقع أوّل قاعدة عسكريّة للصّين في الخارج، حيث تُقرِض الصّينُ جيبوتي 660 مليون دولار سنويًّا لتطوير البِنْيَة التّحتيّة، في مقابل ذلك تتحكّم الصّين كُلّيًّا في ميناء “دورالية” للحاويات والبضائع.

باكستان

تعتبر باكستان هي أكبر الدّول الحاصلة على القروض الصينيّة وهناك ما يعرف ب”الممرّ الاقتصادي الصّيني الباكستاني” China – Pakistan Economic Corridor”.

حيث ضخّت الصّين استثمارات في باكستان بقيمة 62 مليار دولار ومؤخّرًا استحوذت إحدى الشّركات الصّينيّة على ميناء “غوادر” الاستيراتيجي لمدة 40 عامًا بالإضافة إلى أنّ الشّركة ستمتلك 85% من إيرادات الميناء طوال تلك المدّة.

بنغلاديش

قامت الحكومة الصّينيّة بإقراض بنغلاديش قرضًا بقيمة 10 مليارات دولار، عندما عجزت بنغلاديش عن السّداد وضعت الصّينُ يدَها على أكبر وأهمّ مرفأ بحري في بنغلاديش وهو شيتاغونغ”.

وهنالك نماذج أُخرى كثيرة سقطت في فَخّ الدّيون الصّينيّة كالنّمسا وجُزُر المالديف وفيتنام وميانمار وفانواتو، وتسعى الصّين جاهدةً لفرض السّيطرة على أهمّ النّقاط الاستراتيجيّة الّتي بواسطتها ستتمكّن من فرض السّيطرة على العالم بأسره تُجاريًّا واقتصاديًّا بل وعسكريًّا أيضًا، فهل يتمكن التّنّين الصّيني من الإطاحة بالسّيادة العُظمى للولايات المُتّحدة الأمريكيّة ووضع العالم في قبضة يده؟

المصادر
https://en.wikipedia.org/wiki/Debt-trap_diplomacy
https://thediplomat.com/2019/05/is-sri-lanka-really-a-victim-of-chinas-debt-trap/
https://www.youtube.com/watch?v=QgXLfDApqR0
https://www.abc.net.au/news/2018-11-16/are-china-cheap-loans-to-poor-nations-a-debt-trap/10493286
https://www.dw.com/en/is-bangladesh-falling-into-a-chinese-debt-trap/a-49556829

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: الحسن صبري

تدقيق لغوي: عمر أسامة

تدقيق علمي: سمير الشناوي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.