خمس دقائق في سجن الخيال

تمهيد

هي أَشبهُ بتجربةٍ فَكَّرتُ في القيام بها مع مجموعةٍ من الأصدقاء، وهي أن يأخذَ كلٌّ منَّا قلمًا وورقةً، ويحاولَ أن يضعَ وَصفًا “للسجن”. نعم، السجن. أن يتخيَّلَ نفسَه مسجونًا في قضيةٍ ما، ويحاولَ نَظْمَ تفاصيلِ يومٍ له في قبضة القيد.

تختلف تجاربنا الحياتية بالطبع، وتختلف معها تصوُّراتنا عن ذلك المكان. كلُّ ما عليك صديقي أن تكتبَ ما يدور في رأسِكَ على الورق.

ملحوظة: قد تأتي أفكاري القادِمة غير مرتبة، لكن لا ضيرَ في ذلك. إنني حتى لم أكن أعرف من أين أبدأ مع قلمي وورقتي، ولكن إليكم ما كتبت.

الورقة

أتخيَّلُ غرفةً ذاتَ خمسة أمتار مربَّعة، مظلمة، ليس بها نوافذ سِوى نافذة الباب المُغلَقة بالقضبان الحديدية. الحوائط باللون الأزرق الغامق مثلًا! أو ربما لم تَسمَح الأشعَّة الضعيفة المنبثقة من نافذة الباب بالتعرُّف على لون الحوائط. الأرضية ذات بلاط شديد النظافة؛ فليس هناك ما يُصيبه بالأوساخ. لا أتربة من النوافذ، لا بقايا أطعمة، لا أوساخ ملتصِقة بأحذية زوَّار… لا شيء… (تقوم الدموعُ بصقل الأرضية أحيانًا!).

السجَّان رجل ضخم الجسم ذو شارب كثيف وعينين باردتين، ويحمل مسدَّسًا في جرابٍ حول وسطه دائمًا.

إعلان

بالمناسبة، هل تعرفون كيف يعمل المسدَّس؟

القطعة الأهم في المسدس هي الرصاصة… تتكوَّن من ثلاثة أجزاء: الرأس المصنوع من معدن الرصاص النقي، والظرف الذي يحتوي على البارود، وقاعدة الرصاصة (وهي الفتيل). بمجرَّد الضغط على الزناد، تَضرِب مطرقةُ المسدَّسِ الفتيلَ، فيشتعل البارود داخل الظرف بصورة انفجار. ويدفع الانفجارُ الرأسَ المعدنيَّ عبر الفوهة بقوة كبيرة.

على العموم ليس هذا مقصِدَنا.

أين كنت أنا؟

الزنزانة، نعم.

أتخيَّل أني أنام على الأرض بلا سريرٍ ولا دِثار. ولا أعتقد أنَّ من المتاح عملَ شيءٍ سِوى التفكير. ربما استطعت قراءة بعض الكتب. لا أتخيَّل في تلك اللحظة كتابًا أنسبَ من رواية (جونتنامو) التي تحكي عذابات صحفي قناة الجزيرة في ذلك المعتقَل المنعزِل. سوف تُتاح فرصةٌ كبيرةٌ للتفكير في الآثام التي ارتكبتها عبر حياتي، ولا سيَّما الجُرمُ الذي أدَّى بي إلى السجن.

لن أتطرَّقَ إلى احتمالِ رغبةِ سَجَّاني في الحصول على معلومةٍ ما أو اعترافٍ فاضحٍ، وما تتطلَّبه تلك الرغبة من أدوات تعذيب… لا، لا.

أتخيَّلهم يدفعون إليَّ بعدَ عِدَّةِ أيامٍ بسجينٍ آخر، يقول أنه مظلوم، وأنه لم يَفعل شيئًا سِوى قَوْلِ بعض الكلمات، ويُخبرني أنه لا يَخشَى الآتيَ؛ لأن الله جميل، وطالما الآتي بيدِه وحده، فهو جميلٌ لا مَحالة. ونقتسم الزنزانة في النوم، ونلعب الشطرنج رسمًا بالطبشور فوق الحائط، ويُخبرني أن لديه بنتين في السابعة والرابعة، وأنه اشتاق إليهما كثيرًا. وأنجرف معه في ذكرياتٍ ساذجةٍ تطول فتُعَزِّيه وتُسَلِّيني.

لقد حاولتُ أن أغيِّرَ أشياءَ كثيرةً على مدار سنوات؛ سِمَات معيَّنة في شخصيتي، وأساليب معيَّنة في معاملاتي، وحتى السيطرة على مشاعر وغرائز محدَّدة؛ الخوف… الحزن… اليأس… الامتعاض… الاحتقار. لكنِّي لم أستطع… ولو مرَّة! صِرت أنا سجينًا داخل جلدي وداخل ذاتي. هل شعرتَ بهذا الإحساس من قبل؟! أنكَ طائرٌ بأجنحةٍ، يُمكنه الطيران عاليًا عاليًا، لكنه محبوسٌ في جسدٍ آخرَ ذي أبعادٍ حديديَّة؟

أعتادُ المكوثَ الطويلَ، والوقوفَ الطويلَ، ومرورَ الساعاتِ هَباءً بلا حساب. ويُسمَح لنا بالتريُّض مرَّةً كلَّ ثلاثةِ أيام، فأرى الشمسَ والشجر، وتسترحب بي السماء، فأفكِّر في الهروب؛ بالطبع ليس الآن في رقابة السجَّان وأعين الواشين.

متى؟ وكيف؟

تطول الليالي في التفكير والبحث. ومن بين ضعف الخطة وزيف الأمل، في حظ محض، أرتجل مَكرًا وقفزًا وجَريًا، آخِره قبضة الحُرَّاس الكُثُر!

لا مفرَّ!

كيف يمرُّ الوقتُ داخلَ سجن؟

قد أكتبُ رسائلَ وخطاباتٍ إلى كلِّ من أعرف، وأضعُ فيها حقيقةَ رأيي وتصوُّري عن كلِّ شخص، وما أتمنَّاه له، وأبثُّ له مشاعري بكلِّ أمانةٍ، وبلا تردُّدٍ أو حرج، أصفح فيها، أو أطلب الصفح، أنهر فيها وأسترضي. سوف تذكِّرني رسائلي تلك بعشرات الرسائل التي أرسلتها إلى حبيبتي الهاربة، وستذكِّرني أكثر بالمئات من الرسائل التي ما أرسلتها إليها داخل أدراج مكتبي.

في أحد أيامي داخل السجن، انكشف الطِّلاء عن أحد أركان الغرفة، فظهرت بِضعُ كلماتٍ، لا بدَّ وأنها للسجين السابق، لم أستبِنْ منها إلا:

“السنة التاسعة – الشهر الثامن”.

هل تعلم أن الإنسانَ لا يستطيع قتلَ نفسِه عن طريقِ كتم أنفاسِه؟

سيفقد الوعيَ ويفقد السيطرة على عضلاته قبل الوقت الكافي لذلك.

أرى أني قد تعبت.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: محمد سيد أبو السعود

تدقيق لغوي: محمد أحمد فؤاد

اترك تعليقا