حين خبا البرق: نيتشه في مرايا من عرفوه

في الخامس والعشرين من أغسطس من عام 1900، أسلم فريدريش فيلهلم نيتشه روحه في هدأة فايمار، بعد إحدى عشرة سنة من صمتٍ عقليٍ مطبق تلا انهياره المروع في تورينو مطلع سنة 1889وكأنه يعانق فيه كل ألم العالم قبل أن يسقط هو نفسه في صمتٍ لم يُكتب له أن يُفكَ. إحدى عشرة سنة قضاها خرابًا حيًا، بعيدًا عن الحياة التي علم البشر كيف يُحبونها حتى في قسوتها. رعته أمه أولًا في ناومبورغ، ثم أخته إليزابيث في فيلا زيلبربليك بفايمار.
ولم يكن رحيله حدثًا عابرًا يُطوى مع الأيام. لقد كان كما تكشف شهادات معاصريه، لحظة انكسارٍ في وعي أوروبا كلها. إذ وقف أقرب الناس إليه، تلاميذه وأصدقاؤه وخصومه على السواء، أمام جثمانٍ صامتٍ لعقلٍ لم يكفّ يوماً عن الصراخ.
حين وصلت أنباء انهياره إلى بازل، كتب صديقه اللاهوتي فرانتس أوفربك الذي هرع لانتشاله من تورينو، رسالة إلى بيتر غاست يعترف فيها بيأسٍ لا يوارى، مختتمًا شهادته بجملة توجز هول اللحظة: “انتهى أمر نيتشه!”. أما بيتر غاست، ذلك المريد المخلص الذي نسخ له آلاف الصفحات بيده فلم يكد يصدّق أنّ الرجل الذي اعتبره من أسمى ما أنجبت البشرية بات محبوسًا خلف جدران مصحة عقلية. وتساءل كيف يمكن للمرء أن يكون رحيمًا بصديقٍ كهذا إلّا بحمايته من استنزاف عقله المتقّد.
ثم بدأت سنوات الغسق الطويلة. غاست نفسه، الذي كان يصغي إلى ارتجالات نيتشه على البيانو بانبهار، عاد بعد عامٍ واحد ليكتب أنّ ذلك الإحساس الموسيقي قد تلاشى تمامًا، وأنّ كل شيء غدا مضطربًا وزائفًا. وفي زيارته الأخيرة إليه عام 1895، لم يجد أوفربك سوى جسدٍ منطوٍ على نفسه، كوحشٍ جريحٍ لا يبتغي غير السكينة، صامتاً تمامًا، لا ألم يظهر عليه سوى نفورٍ غامضٍ يسكن عينيه الخاويتين. أما الكاتبة الألمانية غابرييله رويتر، فوقفت مرتجفةً أمام نظرةٍ وصفتها بأنها “تنبع من أغوارٍ لا تُسبر من المعاناة”، وكأنّ روحه العظيمة التعيسة ما تزال حبيسة ذلك الجسد المنعزل. وحين رآه الفيلسوف النمساوي رودولف شتاينر جالسًا في شرفة فيلا زيلبربليك بردائه الأبيض المطوي، بدا له وكأنه إله أبيقوري متوَّج لا يعبأ بمن حوله، رجلٌ يستحيل أن يموت.
وفي عصر ذلك اليوم من آب 1900، وبحسب رواية أخته إليزابيث فورستر-نيتشه، حرًك شفتيه كمن يريد أن يقول شيئًا فيتردّد، ثم هزّ رأسه فجأةً وأغمض عينيه بمحض إرادته ومات. “هكذا مات زرادشت”، على حد تعبيرها. وعند حفرته في روكن، وقف بيتر غاست يودعه بكلمات ستظل ملتبسة الدلالة على رجلٍ حارب فكرة القداسة طوال حياته: “ليكن اسمك مقدَّسًا لكل الأجيال القادمة”. وشاء قدر السخرية أن يشهد المهندس الألماني فريتز شوماخر، وهو أحد الحاضرين، كيف تبعت العلمانيةُ المدرسيةُ الجافةُ التي حاربها نيتشه طوال حياته نعشَه حتى القبر، حتى قال إنه لو نهض من موته لطرد الخطيب من النافذة وطارد الجميع خارج معبده.
إعلان
ولعلً الناقد الدنماركي غيورغ برانديس، أوّل من حاضر علناً عن فلسفة نيتشه، كان الأدق في تلخيص مأساته حين كتب في نعيه أن أشد ما في قدره مرارةً هو أنه، بعد أن تعطّش إلى الاعتراف حتى المرض، بلغه أخيراً وهو حي، لكنه كان “منفيًا عن الحياة” ذاتها.
وحده الشاعر الألماني شتيفان غيورغه بدا وكأنه يرثي الصوت لا الجسد حين كتب في قصيدته “نيتشه” أنّ رجلًا واحدًا نهض حادًا كالبرق، فشقّ الصخور وقسم المعسكرات، وصرخ بجنون عصره حتى تمزّقت حنجرته، بينما استمر الآخرون، أذكياء كانوا أم بُلهاء، صادقين أم زائفين، في الكلام والضحك والتآمر وكأنّ شيئًا لم يكن. فمضى المُحذِّر وبقيت العجلة تندفع نحو الفراغ من غير يدٍ تجرؤ على إيقافها.
وحين وقف الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك في فايمار عام 2000، في الذكرى المئوية بالتمام لرحيله، سائل الحاضرين: أعلينا أن نصدّق حكمه هو على نفسه بأنه لم يكن «إنساناً، بل كان ديناميتاً»؟ وكانت لو أندرياس سالومه، رفيقته الفكرية، قد استبقت هذا السؤال بعقودٍ حين وصفت ضحكته المزدوجة التي ما زلنا نسمع صداها: ضحكة التائه، وضحكة الفاتح معًا.
لكن الرجل الذي وصف نفسه بأنه “ليس إنسانًا، بل ديناميت”، كان قد قدّر مصيره منذ زمن: أن يشقّ تاريخ البشرية إلى نصفين. لقد شخّص عصرنا بجرأةٍ لم يجرؤ عليها غيره: “موت الإله”، وفجر العدمية الأوروبية، محذّرًا إيانا من الرضا الخانع بحياة “الإنسان الأخير” ذلك المخلوق المرتاح الذي يزعم أنه اخترع السعادة. وفي مقابل هذا الرضا الفاتر، دعانا إلى أن نصير ما نحن عليه، وأن نخوض غمار التجاوز الذاتي المؤلم والجميل معاً، وأن نبلغ الاختبار الأقصى: حبً القدر Amor Fati)) حتى نستطيع أن نصرخ في وجه العود الأبدي في وجه كل لحظة ألمٍ وفرح تتكرّر إلى ما لا نهاية.
وحين أسدل الستار على نور وعيه، بدأ العالم يعيد كتابة إرثه من دون إذنه. فأخته إليزابيث عبثت بمخطوطاته لتُخرج للناس كتاب (إرادة القوة) — كتابًا لم يكتبه نيتشه قط — ومهدت بذلك لتشويهٍ سياسي طارد اسمه عقودًا طويلة، حين استُعير هذا الاسم زورًا لنشر الكراهية، هو الذي كان يصف هذا الحقد بأنه “جرب القلب” ذاته.
ومع ذلك، صدقت نبوءته: “بعض الناس يُولدون بعد موتهم”. فقد أضاء فكره الحقيقي قرنًا بأكمله من التفكير الإنساني. من فرويد ويونغ وأدلر في أعماق النفس، إلى هيدغر وسارتر وكامو في الوجودية، وصولًا إلى فوكو ودولوز ودريدا في ما بعد البنيوية. قال هيدغر ذات مرة إنّ كل من يفكر اليوم إنما يفكر في ضوء نيتشه وظلّه معا، سواء أكان معه أم عليه.
لم يُرِد نيتشه أتباعا صمّ ولا عقائد جامدة. فطلبه الأخير كان أشبه بوصية تناقض وصية اليسوع لحواريه: “والآن أطلب منكم أن تفقدوني وتجدوا أنفسكم؛ ولن أعود إليكم إلّا حين تكونوا جميعًا” قد أنكرتموني”. فلنتذكره اليوم لا كأثرٍ أكاديمي بارد، وإنما كديناميتٍ شقّ تاريخ الإنسان إلى نصفين، وكصوتٍ ما زال يهمس في أعماقنا بعبارته الأخيرة الموجعة الجميلة: “ديونيسوس في مواجهة المصلوب”.
وما زلنا، بعد أكثر من قرنٍ وربع، نقف كما وقف أولئك عند قبره في روكن: بين رهبةٍ وحزنٍ وحيرة، أمام رجلٍ أراد أن يُفهَم لا أن يُقدَّس، فحوله العالم رغم إرادته إلى أسطورة. ولعل خير وفاءٍ لذكراه اليوم ليس أن نردّد أقواله، بل أن نجرؤ، كما طلب هو نفسه، على أن نفقده لنجد أنفسنا.
إعلان
