تأخذك إلى أعماق الفكر

تاريخ عادات المصريين في شهر رمضان

عادات الشعوب في المناسبات هي ما يميز شعبًا عن آخر، تكون هذه العادات متوارثة من أجيال سابقة ولكل عادة منهم قصة وحكاية قديمة. الثقافة المصرية الشعبية من أكثر الثقافات تنوعًا وثراءً نتيجة توالي الحضارات والدول والحكام على مصر وشعبها. ترحل الدول وتزول الحضارات ويموت الحكام وتبقى الموروثات الشعبية تتناقلها الأجيال كإرث لشعب هذه الأرض الذي يبقى وحده الوارث الشرعي الوحيد لكل حضارة وثقافة ودولة بعد زوالهم جميعًا. الاحتفال بشهر رمضان في الثقافة المصرية له أوجه كثيرة متنوعة منها: تعليق الزينات، والفوانيس، والمسحراتي، ومدفع الإفطار، وتواشيح الفجر، وقرآن المغرب. لكن في ظل أزمة “كورونا” الحالية اختفت الكثير من هذه العادات نظرًا لظروف الحجر المنزلي وحظر التجوال التي تفرضها مصر كغيرها من بقية دول العالم. في هذا المقال نذكركم بأجواء رمضان التي تفتقدونها وبحكاية كل جزء منها.

زينة وفانوس رمضان

بقدوم رمضان تزدان شوارع مصر بالزينات من كل صنف ولون، منها ما يصنع يدويًا في المنزل ويشترك في ذلك الأطفال مع الكبار، حيث يقومون بصنع أشكال متعددة بالورق المقوى، أو حتى بأوراق الكتب المدرسية القديمة على شكل فانوس أو هلال وغيرها الكثير من الأشكال على هيئة حبل ممتد، وتعلق هذه الحبال على البيوت ويتشارك الجيران في ذلك؛ فيكون حبل الزينة الخاص بك ممتدًا لشرفة جارك، وحبل الزينة الخاص بجارك ممتد لشرفتك وهكذا يكون الشارع والحي كله مسقوفًا بالزينة. أول من احتفى بقدوم شهر رمضان عن طريق تزيين المساجد هو الخليفة الراشد “عمر بن الخطاب” فكان يهتم بتزيين المساجد وإنارتها طوال شهر رمضان حتى يتمكن المسلمون من إقامة صلاة التراويح. وفي بداية الدولة الفاطمية كان الاحتفال بقدوم شهر رمضان بفتح أبواب الشوارع والأزقة، وتزيين الشوارع بلافتات عليها شعارات الدولة، وإنارة المساجد بالمسارج، وهكذا توارثنا هذه العادة جيلًا بعد جيل.

الفانوس

للفانوس في الطقوس المصرية الخاصة بالاحتفال بقدوم رمضان قيمة خاصة، حيث يُرمَز لرمضان به. ويكون هدية مميزة للأطفال تُقدَّم لهم مع قدوم كل رمضان. وكذلك النوافذ والشرف تزدان بقدوم رمضان بفانوس كبير يظل مُضاءً طوال الشهر الكريم. القصص حول بداية ظهور فانوس رمضان في مصر كثيرة؛ ولكن أشهرها قصة تعود للعصر الفاطمي أيضًا حيث كان قدوم “المعز لدين الله الفاطمي” لمصر يوم الخامس من رمضان ليلًا واستقبله أهل مصر بالمشاعل والفوانيس وأضيئت الفوانيس بعد ذلك طوال الشهر احتفالًا بقدوم المعز وأصبحت هذه عادة للشعب المصري طوال شهر رمضان.

المسحراتي


اصحى يا نايم وحِّد الدايم

بهذه العبارات يستهل “المسحراتي” نداءاته في إيقاظ الناس صغارًا وكبارًا، تجده يجوب جميع الشوارع والأزقَّة والحارات ويحفظ أسماء السكان واحدًا واحدًا، وينادي كلًّا منهم باسمه وكذلك الصغار الذين يفرحون كثيرًا حينما ينادي عليهم “المسحراتي” بأسمائهم وهو يدق على طبلته ويغني بين ذلك ويردد الأدعية والقصص الدينية. أول من قام بهذا المهمة في الإسلام هو مؤذن الرسول “بلال بن رباح” وابن أم مكتوم، حيث كانا يؤذنان أذانًا للسحور وآخر للإمساك عن الطعام، وكان الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: “إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم”. وفي عهد الدولة العباسية عام (228 هجرية) كان الوالي “عنبسة بن إسحاق” يذهب ماشيًا من مدينة العسكر في الفسطاط إلى جامع “عمرو بن العاص” لينادي الناس بالسحور. وفي عهد الدولة الفاطمية كانت الجنود تتولى مهمة إيقاظ المصريين، ثم بعد ذلك عينوا رجلًا يعرف بالمسحراتي فكان يدق الأبواب بالعصا وينادي “يا أهل الله قوموا تسحروا” ثم تطورت العبارة لتصبح “اصحى يا نايم وحِّد الدايم، وقول نويت بكرة إن حييت الشهر صايم والفجر قايم، رمضان كريم” وهكذا أصبح المسحراتي بنداءاته جزءًا أصيلًا من الطقوس المصرية الرمضانية.

إعلان

مدفع الإفطار

 

مدفع الإفطار اضرب

بهذه العبارة ينطلق مدفع الإفطار الموجود على جبل المقطم في “قلعة الجبل” التي بناها “صلاح الدين الأيوبي” ليصل دوي طلقته إلى جميع أنحاء المحروسة إيذانًا بانتهاء الصيام وجواز الإفطار. ترجع قصة أول مدفع إفطار مصري للعصر المملوكي عام(859هجرية) في عهد الحاكم المملوكي “خوشقدم” حيث كان الجنود يقومون بتجربة مدفع جديد قُدِّم كهدية للحاكم من صديق ألماني وكان ذلك وقت الغروب فأُعجب المصريون بالفكرة وظنوا أنه تقليد جديد لإعلامهم بوقت الإفطار وطلبوا من الحاكم البقاء على هذا التقليد في كل رمضان، وتشفعوا بزوجته فاطمة والتي لقب المدفع باسمها ومازال يطلق على مدفع القلعة حتى الآن “مدفع الحاجة فاطمة”.

إذاعة القرآن الكريم في رمضان

اُفتتحت الإذاعة المصرية بصوت الشيخ محمد رفعت عام (1934 ميلادية) ومن يومها صار الصوت الأحب لقلوب المصريين حتى بعد رحيله بسبعين عامًا. ومنذ إنشاء إذاعة القرآن الكريم في عام (1964 ميلادية) صارت جزءًا أصيلًا من ذاكرة المصريين واحتفالاتهم الدينية وعلى رأس هذه الاحتفالات شهر رمضان الكريم، الذي توليه الإذاعة اهتمامًا خاصًا.

من أهم سمات إذاعة القرآن الكريم أنها تُحافظ على برامج وطقوس معينة ثابتة لا تغيرها على مر الأعوام من أهم هذه الثوابت صوت الشيخ محمد رفعت قبيل أذان المغرب يرتل في خشوع بعض من آيات الذكر الحكيم بصوته الرخيم. الصوت الذي لُقب بقيثارة السماء وارتبط عندنا بقرآن قبل المغرب الذي تبثه إذاعة القرآن الكريم وتبثه المساجد بدورها في جميع أقطار مصر. ما أن تسمع صوت الشيخ رفعت يذاع في المسجد المجاور لك حتى تدرك أن هذه ساعة السكينة والطمأنينة وأن المغرب قد أوشك وعليك أن تنصت بقلبك للآيات التي يُرتلها وغالبًا ما تكون من سورة “مريم” وتخشع بجوارحك وتستحضر المعاني الإلهية وتستعد لدعوتك التي لا تُرَد ساعة فطرك.

على مدار اليوم تبث إذاعة القرآن الكريم الكثير من البرامج الدينية التي تفقِّه الصائمين في أمور الصيام. تجوب إذاعة القرآن الكريم بالصائمين جميع أنحاء العالم الإسلامي في رمضان فتارة تبث لهم التراويح من المسجد الأقصى وتارة تبث صلاة التهجد من المسجد الحرام، وتنتقل بهم في صلاة كل فجر من مسجد لمسجد من مساجد مصر العامرة شرقًا وغربًا. التواشيح الدينية التي تقدمها إذاعة القرآن الكريم في رمضان تكون مختلفة عنها في بقية العام ففي بداية الشهر الكريم يكون توشيح “رمضان أهلًا ومرحبًا رمضان” للمبتهل الشيخ “النقشبندي” هو ما يذاع غالبية الوقت احتفاءً بقدوم الشهر الكريم: “رمضان أهلا مرحبا رمضان الذكر فيك يطيب والقرآن بالنور جئت وبالسرور”

وفي نهاية الشهر نودع رمضان بتوشيح ” لا أوحش الله منك يا شهر الصيام” وابتهال ” يا عين جودي بالدوع وودعي شهر الصيام” للشيخ محمد عمران:

يبقى أهم جزء من البرنامج الإذاعي هو ساعة السحور التي عودتنا إذاعة القرآن الكريم على بث صلاة الفجر فيها كل يوم من مسجد مختلف من مساجد مصر في كل المحافظات، ويكون البث عبارة عن تلاوة قرآنية يتلوها ابتهال ديني يختمه المبتهل بعبارة “الصلاة والسلام عليك” ويكررها مرارًا لتدرك أنه حان وقت أذان الفجر فتمسك عن الطعام أو تبتلع جرعة أخيرة من الماء قبل الأذان.

رحل المعز وبقي فانوسه يتوارثه المصريون جيلًا بعد جيل، وانتهت الدولة الفاطمية والعباسية، وتغير الحكام وتبدل الحال وبقي التراث المصري ثريًّا بعادات هي تاريخه وثروته التي ينقلها كل جيل للآخر دون أن ندرك حتى أصل القصة، ولماذا هذا التقليد تحديدًا؟ وهذه العادة بالذات؟ كل هذه المظاهر الرمضانية لم يبقَ منها سوى الزينة وفرحة قلوب المؤمنين بقدوم هذا الشهر الفضيل، واختفت بقية المظاهر ونقضي هذا العام في مصر والعالم الإسلامي بأسره رمضانًا مُختلفًا تمامًا عما اعتدنا عليه. تُرى بعدما تنتهي هذه الأزمة ويأتي رمضاننا القادم ونحن في حال غير ذلك، هل نكون قد اكتسبنا عادات جديدة من رمضاننا هذا؟

اقرأ أيضًا: رمضان في القاهرة الفاطمية

المصادر:
https://www.elwatannews.com/news/details/3394010?t=push
https://www.youm7.com/story/2019/5/17/%D9%85%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%81%D8%B7%D8%A7%D8%B1-%D8%A5%D8%B6%D8%B1%D8%A8-575-%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82%D9%87-%D8%B8%D9%87%D8%B1-%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%85%D8%B1%D8%A9/4245237
https://www.youm7.com/story/2018/5/22/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A%D9%86-%D8%B2%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%B1%D9%85%D8%B6%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%AA%D9%89-%D8%A8%D8%AF%D8%A3%D8%AA-%D9%88%D9%85%D9%86-%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%85%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%82%D9%87%D8%A7/3804230
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%81%D8%A7%D9%86%D9%88%D8%B3_%D8%B1%D9%85%D8%B6%D8%A7%D9%86
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%B3%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A
https://www.maspero.eg/wps/portal/home/radio/stations/holy-quran/!ut/p/z1/jc_PCoJAEAbwZ_EJdnZc_x3HrGVzdSM0dS_hSYSyDtHzJyJBhxbnNvD7hm-YZS2zU_8eh_41Pqb-Nu-dDa_mJBRHwQvpJzFQdaiKtNYyw4g1C0jihKTZQRFjBEAaMtyHPooSmd2Shz9DsC3vANZ9vmF2Ia4PfoExlxkEZ2MinXPIgxV8O4ASGdBRlopAY8rFChwtnve6bmFUA3neB9R5mwA!/?1dmy&mapping=about&pswid=Z7_OP4I1241MG3980ATFTMBULGDQ4&urile=wcm%3apath%3a%2FRadio%2BContent%2BLibrary%2FSA%2B-%2BRadio%2BHome%2FSA%2BRadio%2BStations%2F%2521d8%2521a7%2521d9%252184%2521d9%252182%2521d8%2521b1%2521d8%2521a3%2521d9%252186%2B%2521d8%2521a7%2521d9%252184%2521d9%252183%2521d8%2521b1%2521d9%25218a%2521d9%252185

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دينا سعد

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.