تأخذك إلى أعماق الفكر

أزمة المجتمع من بؤر تجارة المخدرات في مصر: قرية الشعراء “نموذجًا”

قرية الشعراء هي قرية داخل مركز محافظة دمياط، ويرجع أصل تسميتها بهذا الاسم إلى ملتقى كان يجتمع فيها شعراء الرَبابَة يتحدثون عن الأبطال الشعبيين.

والحقيقة أنّ هناك سمة تشتهر بها القرية مجتمعيًا، ألا وهي تجارة المخدرات، حيث يأتيها المريدون من كلّ حدب وصوب داخل المحافظة وأحيانًا من خارجها.

إنني أحد أبناء قرية الشّعراء وأعيش واقع أهلها الحياتي، فمنذ أن وعيت والشعراء ذائعة الصيت في تجارة المخدرات، حتى أنّ التسمية الدارجة لها شعبيًا هي “باطنية دمياط” -تشبيهًا بحيّ الباطنية جنب حيّ الأزهر في القاهرة والمشهور شعبيًا وسينمائيًا بالمخدرات والجرائم- ويعيش سكّان القرية حالة من المعاناة الحقيقية في مناخ يسوده الاحتقان والقلق، فتلك البيئة تمثل أرض خصبة لتفشّي الجرائم وتهافت القيم وانحراف النشء من الشباب عن الحياة العملية والمشاركة الاجتماعية، وتقف عائقًا أمام تهيئة وتوفير سبل التعليم.

كونك من أبناء قرية الشعراء يكفي أن تكون مشتبهًا بك؛ نمرّ بمواقف عديدة خلال التنقّل والمرور على كمائن الشرطة -ينظر الشرطي في البطاقة الشخصية، فيطلب منك النزول من السيارة على الفور- بالإضافة إلى تأثير تلك الشهرة السيئة السمعة على سكانها اجتماعيًا، فهناك من يعتقد أنّ لمجرد أنني من قرية الشعراء فهذا يعني سوء أخلاقي! وتعرضت على المستوى الشخصي على الدوام إلى تلك النظرة المشينة وهذا انطباع سائد، وبالتالي يقع على أهالي الشعراء نوع من اضطهادٍ ما يقوم على أساس المنشأ المكاني-شبيه بالعنصرية العرقية- وأشكال الضرر متنوعة.

إعلان

ومنذ أن وعيت على الحياة، والحلّ الوحيد المتاح من جانب دور الحكومة هو الشقّ الأمني، وبالرغم من ذلك، لا يتغير شيء، والأزمة باقية بغير علاج، وذلك أراه وأرصده بشكل استقرائي في متتالية الأجيال التي تنشأ داخل تلك البؤرة.

كثيرًا ما تحوّلت حالة الحنق السائدة بين أهالي الشعراء إلى واقع فعل احتجاجي، يُطلب ويُنادى ويُستغاث دائمًا، كالتظاهرة الحاشدة من أهالي وشباب القرية قبل الثورة في أواخر عام ٢٠٠٩م، وما يُحصد كنتيجة نهائية ضربةٌ أمنية مكثفة، ولكن لا يجدي ذلك نفعًا في تجفيف منابع المخدرات.

مظاهرة أهالي قرية الشعراء احتجاجًا على وضع القرية تحت وطأة تجارة المخدرات

ومن حين لآخر تتجدّد الدعوات الصارخة من بؤس الوضع، فتظهر حملات شبابية من داخل القرية للمحاولة في التوعية المجتمعية وفي الضغط على الأمن لإيجاد الحلول الجذرية في منع منابع توريد المخدرات والسعي لتقديم لحلول مشتركة لأجل الإصلاح.

 صورة رسم جرافيتي على سور مدرسة الأسمر الابتدائية بالشعراء

الآن تعود وترتفع الأصوات مجددًا من بعض شباب القرية، سخطًا وغضبًا من جراء حالة استشراء تجارة المخدرات واضمحلال الأمن الأسري والقروي، وبالطبع تنحصر كلّ الأصوات في اتجاه طلب الاستغاثة الموجّه للدور الأمني، والحقّ أن ليس في اليد غير ذلك.

 مبادرة جديدة من قبل شباب من أهالي قرية الشعراء

 

ولكنّ التساؤلات الهامة: هل تتوفّر سُبل العلاج في ظل الوضع المتراكم؟ هل أدّت تجارب السنوات الماضية لطرح حلّ جذري للمشكلة أو أخرجت أي نتيجة إيجابية؟ وهل الاستغاثة من جديد ذات جدوى؟

بالطبع نحتاج التساؤلات، بل الأكيد أنه لن يستقيم الانعواج إلا بداية من كشف وضع المشكلة وأسباب استمرارها، والبحث جيدًا وبشكل موضوعي لتحديد مكامن الأزمة، ومن ثمّ القدرة على وضع العلاج المناسب.

أما الاكتفاء بالحملات الأمنية داخل القرية، لن يأتي بجديد، سوى علاج مسكن وقتي-مثل الحلول القديمة والبدائية عندما كان يقتصر بالعمل الجراحي عند الحلّاق لأنه يمتلك وحده موسًا!- لا يلمس أو يقترب من طرق الإصلاح، لأن الوضع غير محصور في دور أمني.

وحتى يتسنى لنا فتح الأفق للوعي المركب للظاهرة المستشرية في الشعراء، يجب عدم فصل المشكلة عن باقي ارتباطاتها البنيوية داخل الدولة، فالشعراء منطقة في مركز دمياط، ودمياط محافظة داخل دولة مصر والتي تسلك إدارة حكومة مركزية، ومشكلة تجارة المخدرات ليست موجودة فقط في قريتنا، ولكنّ الأزمة متماثلة في أماكن عديدة على مستوى الجمهورية، فعلى سبيل المثال، تحتوى مدينة بلبيس/الشرقية على العديد من القرى: “كفور” أبو نجاح ونجم والعاقولة وبني حسن وشلشمون”؛ ومنطقة الكيت كات في الإسماعيلية، وأوكار المـخدرات بالعاصمة أبرزها: “دولاب هراس” بعين شمس و”الجيارة” بمصر القديمة.. و”المدبح” و”أبو القاسم” في السيدة زينب ومنطقة العرب والضواحي في بورسعيد

فالأزمة تتداخل بالطبع وترجع إلى هيكل مشترك، وهو دور الدولة المتمثّل في الشكل التشريعي والتنفيذي الحكومي والمنبر الإعلامي والدور الثقافي والأمني وفاعلية ذلك وارتباطه بالمجتمع، فإذا نظرنا إلى مشكلة ضخمة مثل الفساد، وكما نعلم جميعًا مدى توغله في البنية الهيكلية والمؤسسية للدولة وبدوره في المجتمع، سنرى من خلال ذلك عوامل وارتباطات تخصّ تجارة المخدرات ودور الفساد المؤسسي، كثير منا يشاهد ويسمع تورطات لرجال من الأمن في تسهيل دخول الممنوعات للبلاد، وتورط البعض مع تجار مخدرات، فلا بدّ أن يؤخذ هذا الخلل في الحسبان وأثره في تداول المخدرات.

ومن العوامل الأخرى هو تردّي المنظومة التعليمية ودور الدولة في دعم وتنمية دور التعليم مجتمعيًا، فمحاربة الجهل تأتي عبر الطرق التي تشكل وتؤثر في الوعي المجتمعي، وذلك يأتي نتاج منظومة إدارية ناجحة في توفير البنى الأساسية لتقدّم المجتمع.

وأهم العوامل جوهرية التي تفتح مجال أوسع لرواج تجارة المخدرات هو الفقر المدقع والحالة المعيشية المريرة، فالبرغم أنّ في نموذج قرية الشعراء تكون البطالة منخفضة وهي سمة دمياط كمحافظة صناعية وغالبية سكانها من الحرفيين والصناع والتجار، إلا أن الأوضاع الاقتصادية كلما ازدات سوءًا، أدى لزيادة فرص الاتجار ومن ناحية أخرى إلى الإدمان الذي تزيد معدلاته مع حالة البؤس من تردي المعيشة، وفي ظلّ الوضع الحالي من تراجع الصناعة ومشاكل العمالة غير المنتظمة والورش الصغيرة ومتناهية الصغر، تزداد البطالة الحرفية.

زيادة التفاوت الاجتماعي وانتشار الفقر يؤدي دورًا مهمًا ومساعدًا على تفشّي الجهل والعزوف عن التعليم والذي بدورهما يساهمان في انتشار الفساد، ومع منظومة إعلامية مخلخلة وفاقدة الملامسة لهموم المواطن والواقع وموجهة بعيدًا عن لبّ الأزمات، واضمحلال دور الثقافة والفن، وكلّ ذاك يخلق بيئة مناسبة لتدهور الأزمات، وخلق ضحايا جدد، فلا يخفى على أحد أنّ منظومة العقاب ليست للإصلاح والتأهيل المجتمعي بل إنّ دورها قاصر في الجزاء والردع فيساعد على تأهيل الإجرام، نجد حالات كثيرة من الأطفال الذين يتعاطون المخدرات، ولا يجدون مناخًا صالحًا أو مساعدة مجتمعية جادة، ويغيب دور الدولة بالطبع، حتى في توفير الدعم لمنظمات مجتمعية أو جمعيات أهلية، ومن الطبيعي أن تنشأ تلك النماذج كمثال جاهز للدخول في بؤرة تجارة المخدرات، وبعد ذلك يأتي دور الحلّ الأمني العقيم ويقبض على ما أتاح لهم وبعد عدة شهور يخرجون بمؤهلات ودوافع إضافية للإجرام في العموم، والعجيب هنا أنه بشكل مستمر تقام حفلات المهرجانات الشعبية والرقص والتي يسودها كل أنواع التعاطي. هل أنّ الأمن لا يعرف ذلك أم يغض البصر؟
وهنا يطرح السؤال نفسه، هل الإغاثة مرجو منها فعلًا؟!

في الحقيقة أنّ الوعي بالمشهد الكامل يجعل التفكير والبحث لسبل علاج بشكل واقعي، ويخلق ضغطًا مجتمعيًا على دور المؤسسات، ولذلك أثمّن كل محاولات الضغط التي تسبر أغوار المشكلة، وأجد أنّ الحل الأمني يضر أكثر ما ينفع، ويفاقم الوضع.
وماذا نريد من قريتنا سوى الأمان والبيئة الحاضنة للأجيال، وأن ينتج لنا من أمثال الشاعر الراحل فاروق شوشة والمحامي الكبير الراحل كمال خالد والكاتب والإعلامي خالد منتصر ونقيب الصحفين الأسبق ممدوح الولي؟

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.