المرض العقلي بين الأديان وعلم النفس والمجتمع

كان ولا زال المرض إشكالية فلسفية دومًا تمس الغالبية من الأفكار إن لم تكن جميعها. مهما كانت درجة الوعي والمعرفة والإيمان. وليس الأمر للمريض فقط، ولكن لكل من يُدركه. يثير تساؤلًا، أو ألمًا، أو حنقًا، أو حزنًا. ويٌغير من النظرة للعالم، لأسباب منها:

  1. أنًَ المرض في أنواع منها يقود إلى الموت الذي هو هاجس أساسي للغالبية.
  2. أنَّ من صفات المرض وجود الألم، الشعور الجوهري الذي لا يمكن معرفة احتمالاته الفكرية أو الشعورية.
  3. المفاهيم التي يُحركها المرض من الحرية، والسؤال عن المطلق، والعلل، والأخلاق، والصدفة وكثير من المفاهيم.

وحتى مع التقدًُم العلمي لم تعد الأسباب المنطقية للأمراض دافعًا للتقبل مع وجود الكثير من الأمراض التي لم يُكتَشَف سببها. والمرض النفسي له خصوصية بين هذه الأمراض كونه لا يتعلًَق في الشكل السائد للمفاهيم بالمحسوس بالنسبة للطبيب أو بالشكوى العضوية.

وهذا التأثُّر يتعلَّق بجميع الأمراض بأنواعها؛ المرض العقلي أو العصبي أو البيولوجي، وهناك فروق جوهرية بينها؛ فالصرع رغم شيوعه ووجوده بصفته شكلا من أشكال المرض العقلي، هو مثلًا مرض عصبي “الصرع هو مرض في الدماغ حيث لا ترسل الخلايا العصبية إشارات بشكل صحيح، مما يسبِّب النوبات. النوبات هي اندفاعات غير منضبطة من الأنشطة الكهربائية التي تغير الأحاسيس والسلوكيات والوعي وحركات العضلات.” [1]

ولأنَّ التعريفات الخاصة بأشكال كثيرة اجتماعية، وفلسفية، نفسية تختلف باختلاف المجتمع، يُنعت أي أحد يثير شكل من أشكال الغرابة -والغرابة أيضا مفهوم نسبي بين المجتمعات- بالجنون، وقد ألصِق مفهوم المرض العقلي بالجنون فقط، وهذه الدلالة للجنون ليس لها علاقة بالمفهوم الطبي. نقرأ في كتاب «العنف والمرض العقلي: نظرة عامة – Violence and mental Illness – an overview»: “تتأثر تعريفات المرض العقلي أيضًا بالأيديولوجية الفكرية والمناخ السياسي والتطور المجتمعي الحديث.” [2]

ولكن هذا النعت وغيره المماثل لدفع عدم الفهم الذي يحوم حول فعل الآخر الغريب والحماية النفسية. فالحماية الذاتية أصل أغلب التصانيف كونها تدفع عن لا وعي التفكير والفهم لهذا الذي يتم تصنيفه خوفا من التيه أو وجود هذا البعد فيه.

إعلان

في القديم بسبب طبيعة المجتمعات الدينية وتأويل الغامض بشكل ميتافيزيقي كانت الأمراض العقلية حديثًا والمعادل لها قديمًا هي فقط الجنون. “كانت أول محاولة معروفة لتصنيف الاضطرابات النفسية في مصر القديمة، قرابة نهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد.” [3]

ولكنها كانت تُصنَّف على أنها إثم ديني لـ”المجنون” كعقاب من الآلهة بوجود روح شريرة تُسيطِر عليه.

ولقد تم استخدام الأديان على اختلافها بسبب قلة المعلومات والرغبة في الكشف ما يُسميه موسكوفيسي “سيرورة الترسيخ” “وهي سيرورة يحاول الأفراد من خلالها إدماج المعلومات الجديدة بالموضوع في نسق مرجعي موجود سلفًا” [4]

ولم يكن هناك أنساق موجودة غير الأديان ولا زال هذا يحدث في بعض المجتمعات الذي لا زالت لا تتعرَّف على الطب النفسي أو ترفضه إما لجهل معرفي وإما لثقة مطلقة في أديانها الشمولية. وإما لأسباب اجتماعية كون المرض العقلي أو الجنون عار على مستويات كثيرة للشخص ومجاوريه.

فتصنيفه بسكن شيطان لروحه، هو طريقة بعيدة لكي يثبت صحته العقلية مع عارض شري من آخر في حسد أو غيره. لأن الهاجس الاجتماعي بأبعاده يٌسيطِر على هاجس الإنسان.

المرض العقلي كتعريف مطروح:

يذكر دليل الجمعية الأمريكية للطب النفسي ما يلي:  “الاضطراب العقلي هو متلازمة مصنَفة باضطراب في عاطفة وإدراك الفرد، أو السلوك الذي يعكس اختلال وظيفي في النفسية والبيولوجية، أو العمليات التنموية الكامنة وراء الأداء العقلي. الاضطرابات العقلية عادة ما يرتبط بضيق شديد في الأنشطة الاجتماعية أو المهنية أو غيرها من الأنشطة المهمة. الاستجابة المتوقعة أو الثقافية لضغوط شائعة أو فقد، مثل وفاة أحد الأحباء، ليست اضطرابًا عقليًا. انحراف اجتماعي سلوكي (على سبيل المثال، سياسي أو ديني أو جنسي) والصراعات التي هي في الأساس بين الفرد والمجتمع ليست اضطرابات عقلية إلا إذا كان الانحراف أو الصراع ناتج عن خلل وظيفي في الفرد، كما هو موصوف أعلاه”. [5]

وبهذا التعريف الذي ليس له علاقة بالأحاديث الاجتماعية أو التعليقات الدقيقة من الأطراف كعادة هذه الأحاديث من حضور الأنا لا الحقيقية العلمية، والإرث الثقافي والاجتماعي الحاضر والمركب بين المجتمعات وفي المجتمع الواحد. فالمنطق الذي يُنعَت في المجتمع هذا، يختلف عن ذاك وغيره بنسب كبيرة عن المنطق الأرسطي أو الصوري.. إلخ، وهذا المنطق غالبًا ما يصوِّر السبب والنتيجة فقط من وجهة نظر القائل. والمنطق هنا معيار للنعت أو للتصنيف بالجنون أو المرض العقلي. فالتطوُّر الأخلاقي غير متزامن بين المجتمعات وداخل المجتمعات كذلك، فما يُعتبَر في مجتمع ما أخلاقي أو مباح أو محرم هو ليس هكذا بالضرورة في مجتمعات أخرى، ونرى هذا الاختلاف باستثناء العلوم الإنسانية، لأنه يحدِّد المعايير المقَاس عليها.

تكتب «ليا أهونين – Ahonen Lia» وهي دكتورة في الطب النفسي في أحد أبحاثها عن التغير السلوكي الآتي: “تنشأ الصعوبات عند محاولة جعل التطوُّر الأخلاقي عالميًا لأن الفكرة بأكملها تستند إلى ما يعتبر معايير أخلاقية في سياق مجتمعي معين.” [6]

ولم يكن المرض النفسي أو المعادل التاريخي للجنون في الأديان القديمة فقط يؤخذ بميتافيزقية ولكن أيضًا في الأديان الإبراهيمية. يكتب «جون وليام دريبر – Draper JW» في كتابه «تاريخ الصراع بين الدين والعلم – History of the Conflict Between Religion and science» أنَّه “من بين جميع الانتصارات التي حققها العلم للإنسانية، كان القليل منها بعيد المدى في التأثيرات الجيدة من العلاج الحديث للمجنون… فمن ناحية، الفلسفات المختلفة، الأصولية لبعض أنواع اللاهوت، والتأويل الحرفي لمختلف الكتب المقدسة، كلها محوية في عقيدة أن الجنون هو في الأساس سيطرة شيطانية أو إلى حد كبير؛ على الجانب الآخر وقف العلم، متراكمًا تدريجيًا بالبراهين على أن الجنون هو دائمًا نتيجة مرض جسدي”. [7]

التاريخ النفسي للمفارقة عند العرب:

كان العرب يؤوِّلون ما لا يفهموه من حيث المفارقة إلى الجن، وكان الشعر كمفهوم أساسي مفارق في طبيعة مجتمع ما قبل الإسلام واحدا من هؤلاء. فذكروا أنَّ لكل شاعر شيطانه “أصلهم من ولد إبليس، فمن كان منهم كافرًا سمي شيطانًا، وإلَّا فهو جني”[8] وأنه يمس من أرض عبقر ومن هنا تأسيس لفظ “عبقرية” وامتد الأمر إلى ما بعد الإسلام كذلك. فظهر ما يُسمَى بأدب الجن مثل الجاحظ في الحيوان والشبلي وابن أبي الدنيا والخرائطي والمرزباني.

النعت بالجنون أو السحر أو الشعر:

“وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُون”

سورة الحجر – (6)

والنعت بالمشابهة الوجودية لشيء لا يفهمونه، يعني حصول المفارقة في “المشَبَه”، وتم نعته أيضا بالشعر الذي يوجد أصل له كما وضَّحنا في “الجن” والتي أصلها اللغوي مشترك من “ج ن ن”. والأمران -الجنون أو السحر- لهما ارتباط بالشِعر أي بالمفارقة في ما قبل لإسلام على حسب الشكل المطلق للمفارقة في المجتمع ما قبل الإسلام، وهو اللغة.

فالعرب لم يكونوا يفهمون مفهوم النبوة ليس لأنه مفهوم نادر الوجود تاريخيا لديهم، بل لأنه مفهوم نادر المعايَشة مع نبي.

السِحر كوجه للمرض العقلي للساحر والمسحور:

والسِحر كان نعتًا يصاحب الجنون في الأمم الأخرى على حسب النص القرآني “كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ” سورة الذاريات – (52) (9)

“فالمشبَهات النفسية للشخصية المفارِقة النبوية تم حصرها في ذلك والمشبهات كانت لها درجة من الاتصال.” والشـعر هـو فـن مـن الفنـون التـي كـان یمارسـها السـحرة فـي التـأثیر فـي مشـاعر النـاس، وكـانوا یتخذونـه وسـیلة مـن وسـائل التـأثیر فـي النفـوس، لمـا یسـتعملونه فیـه من كلام مؤثر ساحر یترك أثرا خطیرا في نفس سامعه”. [10]

والمسحور كذلك كان يُؤوَل بخصائص الغرابة في القول أو الفِعل أي المعادِل للمرض العقلي المعاصر.

ارتبط الشعِر/ اللغة المتفوقة أو كما أسميه “علم الغامض المفتوح” بالسَحرة والكهنة والنبوات مما جعلهم يستخدمون خصائص بعضهم فاستخدم الكهنة والنبوات الشِعر واستخدم الشعراء تقاليد السحرة “الشعراء إنما أخذوا تقلیدهم هذا مـن السحرة: الشعراء الأوائل، ومن الكهنة، لأن السحرة والكهنة كانوا ینظمون الشعر وینشدونه على هيئة خاصة، یلبسون فیه أردیة خاصة ویقفون في وضع خاص حین إنشاد الشعر”. [11]

المرض العقلي والإبداع:

يتم استخدام أي مفهوم من قبل الإنسان لأسباب ذاتوية وهذا يحدث هنا أيضا في ربط الإبداع بالمرض النفسي أو العقلي. ويتم ربط الشخصيات البصائرية أو الدينية وفيهم أشكال مختلفة من الدلالات المرضية النفسية بالمفارقة على حسب تسيس الأمر. الاثنان أشكال ربط غير منطقية ولكن بمعاني كثيرة.

فإن رأى الإنسان شيئًا غير موجود فهو شكل من أشكال الذهان ونعت شخص بالمرض في هذه الحالة ونعت شخوص أخرى بالنبوة أو غيرها هو غير المنطقي.

أما الشكل الذي يربط الإبداع بالمرض العقلي أو النفسي فهو موجود لأنَّ المرض العقلي يوجد به تحريك للتجريدات التي تبدو ثابتة في العالم العادي فينتج شكل مخالف للموضوع الذي يتم الإبداع فيه. إن حركة الوجه والملامح مثلًا تنتج فنيًا لوحة مخالفة أي تأويل للوجه لكن ليس شرطًا للإبداع المرض النفسي.

الأمر الآخر هو أنًَ المرض النفسي ينخل الكثير من قيم العالم ويجعل المريض متوحِّدًا مع المعاني والأفكار والتصوُّرات أي الشكل الذي ينتج الإبداع.

العلم له علاقة بما هو موجود ليس بما هو غير موجود حتى لو اختلفت التأويلات لما هو موجود، أو اختلفت الزوايا المنظور منها. وليس له علاقة بما هو تجربة شخصية لا يمكن أن تُحدَد، لأنه في هذه الحالة لا يوجد مواد ليتم بحثها.

التأويل العلمي والتجارب الذاتية:

يتم حصر العالم من قِبل بعض الشخصيات التي تُؤمِن بالعِلم بأصولية، بصفته مفرَدة تُعنَى بما هو موجود مع إغفال الفروق الفردية ومع إغفال الغامض الذي ينحَت فيه العلم. وهذا الغامض هو المساحة التي تسمح للعالم بالبقاء. ولكن مع عدم استخدام الغامض ذاك في فروض على المجتمعات بل كحيز ذاتوي للإيمان بلا تصنيف أو محاولة التمريض.

فما هو علمِي في هذا الآن كان شكلا من أشكال الغموض سابقا. والعلمِي هو المنطِقي للاتفاق على أكبر مساحة كونه يقوم على حقائق وبحوث ليست فردية أو ذاتية بل عامة.

الأجهزة المنطقية في الجميع:

كل له جهاز لا منطقي من المفاهيم، وإن لم يكن لديه بشكل ظاهر فهو يعتقد في أجهزة لا منطقية أخرى، أنتجها شخصيات لها تماس مع المفاهيم التي تتحرك فيها التجريدات الأولى للعالم، إما بالإعجاز أو المفارقة، أو التخييل، أو الهوى الأدبي المنشِي أو الفني أو السينمائي. لذلك لا يمكن التصنيف القيمي منطقيا. وهذا التصنيف القيمي هو تصنيف يحط من القيمة الكلية للمصَنَف هذا أو ذاك. ولا يمكن أيضا تجريده عن المرض ببعده العلمي لكن استخدام ذلك هو الأمر سواء اجتماعيا أو أناويا… الخ.


المراجع:

1 – https://my.clevelandclinic.org/health/diseases/17636-epilepsy

2 – Lia Ahonen Violence and Mental Illness An Overview,p 16

3 – Karl Menninger, Martin Mayman and Paul Pruyser, The Vital Balance 420–489 (1963); George Mora, Historical and Theoretical Trends in Psychiatry, 1

4 – .Blanc N. et autres, Op.cit.,pp. 19-20.

5 – American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of  of mental disorders

6 – Ahonen, L. (2012). Changing behaviors or behavioral change? A study of moral development and transbehavioral processes in juvenile institutional care.

7 – Draper JW. History of the conflict between religion and science. New York: D. Appleton and Company; 1878.

8. ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخار، قام على نشره: محب الدين الخطيب، ومحمد فؤاد عبدالباقي، وراجعه: قصي الخطيب، ط الأولى، ج 6، القاهرة، دار الريان، ص 395

9. القرآن الكريم، سورة الذاريات، الآية 52

10. جواد علي، المفصل في تاریخ العرب قبل الإسلام،٩/٦٩ ،وینظر: كارل بروكلمان، تاریخ الأدب العربي،١/١٤٦

11. جواد علي، المفصل في تاریخ العرب قبل الإسلام، ٩/٨٦.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: السعيد عبد الغني

تدقيق لغوي: رنا داود

اترك تعليقا