تأخذك إلى أعماق الفكر

وسيلتان فعالتان للقضاء على ظاهرة انتحار الأطباء

0

في كل عام يَفقد أكثرُ من مليون أمريكيٍّ طبيبَهم بسبب الانتحار، وقد كنت يومًا ما على وشك أن أكون أحد هؤلاء الأطباء.
أنا الدكتورة باميلا ويبل، ولقد كرست سنواتي الستة الماضية للقضاء على حالات انتحار الأطباء، حققت شخصيًا في أكثر من 1100 حالة انتحار، وحضرت العديد من الجنازات، وقدمت تأبينات عدة، وقمت أيضًا بتشغيل خط ساخن من بيتي لأولئك الذين يفكرون في الانتحار. وبسبب تجاربي تلك منذ العام 2012 مع الآلاف من طلبة الطب والأطباء الذين حدثتهم أنفسهم بالانتحار، وبعضهم أقدم عليه فعلًا؛ أعتقد أنني الآن أملك فكرة واضحة عن أسباب انتحار الأطباء، وعن حالتهم النفسية وقتها، وماذا يمكننا أن نفعل حيال ذلك.

أحد الأشياء الأكثر إثارةً للحماس لما أقوم به، هو حينما أتلقي رسالة عبر البريد الإلكتروني أو مكالمة هاتفية، ربما بعد سنوات، يخبرونني أن مجرد ردي على الهاتف أو رسالة البريد الإلكترونى يومها، أننى بذلك قد أنقذت حياتهم. أيمكن أن يكون الأمر بهذه البساطة فعلًا؟ كونك بالقرب من أحدهم ولو بالرد على مكالمة هاتفية قد ينقذ حياته، يا له من أمر بسيط!

السؤال الأول الذي أتلقاه من الأطباء، هو “كيف يمكنني مساعدتك؟”، كيف يمكننى أن أقيَ نفسي أو أصدقائي الأطباء فى مدينتي من الانتحار؟ والجواب بسيط، هناك أمران بسيطان يمكن لأي طبيب القيام بهما الآن.

فالأول هو أن تشارك قصتك الشخصية. جميعنا لابد وأنه عانى من مشاكل كتلك على مستوى الصحة النفسية- ربما بدأت تلك الصعوبات مع أيام الدراسة الطبية-، سواءٌ كانت قلق ما قبل الامتحان، أو الذعر من نتيجة القبول في امتحانات التوظيف، أو الحرمان من النوم للعمل أو الدراسة، أو التنمر أو أمور أخرى، ربما يتعلق الأمر بفقدانك مريضًا كنت على اتصال به خسارةً مأساويةً أو غير متوقعة، أيضًا قد تتعلق أسباب الاضطرابات النفسية بالقلق من الدعاوى القضائية بسوء الممارسة. لابد وأن الطبيب قد يجد في مشاركة قصته الشخصية متنفسًا لما يمر به على مستواه الدراسي والمهني، من حزن وألم وبؤس أيضًا.

إعلان

يمكنك كتابة مدونة أو مقالة رأي في الجريدة المحلية، فتعميم مثل تلك الأشياء أيضًا قد يلفت نظر المرضى للجانب الآخر من حياة الطبيب كإنسان، يتأثر بمرضه وألمه، وقد يبكي عندما يموت مريضه، فهم غالبا لا يرون هذا الجانب من حياة الطبيب بسبب المسافة المهنية بينهم. أوصيك بالقيام بذلك مع زملائك، بالكتابة أو المحادثة، أو حتى بتقديم عروضٍ تحكي فيها قصتك، لا تَخَف؛ لأنه من خلال مشاركة قصتك الشخصية، فإنك تسمح للآخرين بمشاركة قصصهم ومعاناتهم التي مروا بها في الطب، إلى الآن، حتمًا جميعُنا مر بخبراتٍ من هذا النوع.

وأما الأمر الثاني الذي يمكنك القيام به، هو أن تتواصل مع زملائك كما لو كنت خطًّا ساخنًا للدردشة أثناء الصعوبات التى تواجههم، أعلم بالطبع أن فكرة التحدث إلى أشخاص قد يكونون على حافة الانتحار عبر خط ساخن تبدو مخيفةً إلى حد ما، لكن أن تقوم بهذا هو بمثابة التبكير بخطوة، كالفرق بين غرف الطوارئ والعناية المشددة، وزيارة العيادات الخارجية. إن مجرد وجودك كشخص رحيم وودود ومتاح للاستماع إليهم بسعة صدر، حتى في مشاكلهم البسيطة (قد يبدأ التواصل باللجوء إلى الأمر الأول)، سيسمح ذلك لهم برؤيتك كشخص آمن للتواصل معه.

شيء آخر بسيط للغاية أود أن أوصي به للجميع، حتى لطلبة الطب، هو أن تتفق مع ثلاثٍ إلى خمسٍ من زملائك فى العمل أو الدراسة، على الذهاب معهم بعض الليالي لتناول الشاي أو القهوة، ومشاركة ما يشغل بال أحدكم؛ وإذا كنت تستمتع بهذا النوع من الأشياء، فيمكنك أن تصبح الشخص المسؤول غير الرسمي لمجموعتك الصغيرة.

لكن لماذا علينا القيام بكل هذا؟ ذلك لأن الأطباء لديهم معدل الانتحار الأعلى بين المهن الأخرى، أعلى من العسكريين، وثلاثة أضعاف عامة الناس. لقد علمنا عن معدلات الانتحار العالية للأطباء منذ عام 1858، في المملكة المتحدة، عندما تم الإبلاغ عنها لأول مرة. ولَكَم يسعدني أن أعلن أننا على شفا تغير ثقافي في نظرتنا للطب بعد مرور 160 عامًا، لكني لا أظن أنه قريبٌ كفاية.

أحببت أن أشارك تجربتى معكم جميعًا، الساخرين والمتشائمين، إن رغبوا في تغيير الأوضاع، التى تتوقف عليهم وحدهم بالأساس. عندما يتغير الناس ويقودون، سوف يتبعهم القادة وتنصلح الأوضاع. لديك فرصة كبيرة لتكون أحد هؤلاء الذين سينصلح على أيديهم الأسلوب المتبع في طريقة تعاملنا مع الصحة النفسية ومع بعضنا البعض كزملاء في الطب. نحن إخوةٌ وأخواتٌ في الطب، وهذه أزمة صحية عامة.

نخسر 400 طبيب فى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها سنويًا بسبب الانتحار، وهذا يعادل خسارة كلية طب كاملة كل أربع سنوات، تلك الإحصائيات لا تشمل حالات الانتحار بين طلبة كليات الطب؛ حيث لا أحد يقوم بتعقبهم، وهو أمر غريب ومحزن بشدة. عندما تنظر إلى هذه الأرقام، لابد وأن تشعر بالأسف حيال كل واحد من هؤلاء الشبان الطيبين، الذين غالبًا ما يكونون مقبلين على الحياة، وأذكياءَ جدًا، ويسعون لخدمة الآخرين وتخفيف معاناتهم، حقًا لابد أن نهتم لأمرهم.

إنهم يتركون وراءهم أطفالًا ووالدين وإخوة وأخوات وآلاف المرضى، كل واحد منهم لديه لائحة مرضى في حدود 2000-3000. أعلم، كطبيب متخصص في طب الأسرة لديّ 3000 مريض، أن متوسط عدد المرضى لأطباء الأسرة 2300 مريض.

لنقم بعملية حسابية بسيطة، إذا كنا نفقد 400 طبيب ممارس فى العام، بالإضافة إلى 40-100 طالب طب سنويًا- لا نعرف تحديدًا-، وكل منهم مسؤول عن 2000-3000 مريض، النتيجة ستكون أننا أمام مليون مواطن أمريكيّ يفقدون طبيبهم كل عام بسبب انتحاره.

وأنا الآن، وبعد مراجعة 1100 حالة التي مرت بي، صرت واثقةً وبشدة أن الغالبية العظمى من حالات الانتحار تلك كانت بسبب مهنة الطب، وأن معظم هؤلاء لو لم يكونوا أطباء، ولربما كانوا وكلاء عقارات، أو خبراء صناعة قهوة في ستاربكس مثلًا، كانوا سيكونون على قيد الحياة في بيوتهم في عطلات نهاية الأسبوع، يلهون مع عائلاتهم، ويدحرجون بيض عيد الفصح مع أطفالهم.

هؤلاء هم الذين فقدناهم وفقدهم المرضى. إنه لأمر صادم بالنسبة لي تخيل كيف كان للرعاية الصحية أن تفرط في مثل هؤلاء، بالرغم من أن مهمتنا المنوطة بنا تتعلق بشفاء وإنقاذ أرواح المرضى، وهم زملاؤنا بالأساس، وإخفاء الأمر لمدة 160 عام، إنه أمر غير معقول إطلاقًا.

فريق الإعداد

إعداد: حسن أسعد حمدان

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

تدقيق علمي: عمر العجيمي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
مصدر مصدر الترجمة
تعليقات
جاري التحميل...