تأخذك إلى أعماق الفكر

القرآن المُفترى عليه (سيد قطب نموذجًا)

يقول البعض: حين نرى عالمًا صالحًا مسلمًا، نعتبره نتاج التربية الإسلامية، وننسبه للقرآن، لكن حين نرى إرهابيًا، لا ننسبه للإسلام. في حين أن كلاهما يستدل بالقرآن نفسه! لماذا نعتبر ابن سينا ممثلًا للحضارة الإسلامية وليس أسامة بن لادن؟!

ويقول آخرون: معاني القرآن سائلة وفضفاضة، فحين يقرؤه الإرهابي، يزداد إرهابًا، وحين يقرؤه الصالح يزداد صلاحًا، إذن فالقرآن لا هو هادٍ ولا مصلح للنفوس!

ويقول آخرون: السلفيون والمتشددون والإرهابيون أكثر اتساقًا مع القرآن، ويكتفون بتفسير آياته كما هي، أما المقاصديون فيضيفون معانٍ حداثية ومعاصرة على القرآن!

ويقول آخرون: لا يوجد شيء اسمه (الإسلام)، وإنما هي مدارس شتى، ومذاهب متفرقة، ولن نستطيع تحديد أيها صحيح وأيها باطل، فالتمييز بينهم مستحيل، ولكل مذهب أدلته المنسوبة إلى النص!

منبع كل هذه التخبطات أن البعض لا يعلم آليات التفسير، وضوابط التأويل، وقواعد اللغة، فحين يرى اختلافات حول تفسير القرآن، لا يستطيع تمييز التفسير الصحيح عن الباطل، ويعتقد جهلًا أن كل التفسيرات متساوية في الدرجة، وتفسير ابن سينا مثل تفسير أسامة بن لادن، لكل منهما أدلته من القرآن!

إعلان

لذلك ندرس هنا نموذجًا محددًا، وهو تفسير (في ظلال القرآن) لسيد قطب، لنبحث في التفسير عن سؤال محدد: هل آراء سيد قطب المنطقية الأخلاقية المستنيرة نابعة منه هو، أم نابعة من القرآن؟

وهل أفكاره الإرهابية نابعة منه هو، أم نسبها إلى القرآن؟

وأسباب اختيار هذا التفسير تحديدًا:

– سيد قطب شخصية محورية ومؤثرة بقوة في العالم العربي؛ إذ تستند إليه أغلب الجماعات الإرهابية عبر العالم، فكتابه (في ظلال القرآن) من الكتب النادرة التي انتقلت أفكاره النظرية إلى واقع عملي ومؤثر وحي إلى يومنا هذا.

– تفسير (في ظلال القرآن) متناقض؛ إذ يمتليء بروحانيات صافية، وإعجاز قرآني راقٍ، وأسلوب عذب، وأدَّعي أنه لا يوجد تفسير للقرآن عبر كل العصور يقترب من رونق وجمال وعذوبة تفسير الظلال، فهو أرقى التفسيرات روحانيًا بلا منافس.

لكن في نفس الوقت يحوي تفسير الظلال آراءً إرهابية كارثية وصادمة، وإذا ثبت نسبتها إلى القرآن، فهي كافية وحدها للصد عن الإسلام، وإذا طُبقت على الواقع، فهي كافية لهدم الوطن العربي واستمرار الحروب الأهلية بلا نهاية!

وليس مجال بحثنا هنا تقييم آراء سيد قطب وتحديد صوابها وخطأها، بل مجال بحثنا هو تحديد: أي هذه الآراء استقاها سيد قطب من القرآن؟ أم نسبها هو إلى القرآن؟

هل تأثر سيد قطب بالقرآن؟ أم أثر في القرآن؟

أولًا: سيد قطب متأثرًا بالقرآن

  1. القبح لا يُواجَه بالقبح

يقف سيد قطب عند قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ).

ويقول: “هو يأمر المسلمين ألا يتخذوا بطانة من هؤلاء. ولكنه لا يحرِّضهم على مقابلة الغل والحقد والكراهية والدس والمكر بمثلها. إنما هي مجرد الوقاية للجماعة المسلمة وللصف المسلم .. أما المسلم فبسماحة الإسلام يتعامل مع الناس جميعًا، وبنظافة الإسلام يعامل الناس جميعًا، وبمحبة الخير الشامل يلقى الناس جميعًا، يتقي الكيد ولكنه لا يكيد، ويحذر الحقد ولكنه لا يحقد”(1).

ويقف عند قوله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ).

ويقول: “إن الإسلام يريد للبشرية أن ترتفع وتعف، فلا يبيح الغدر في سبيل الغلب، وهو يكافح لأسمى الغايات وأشرف المقاصد، ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة.

إن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ، ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة، فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة، وليس مسلمًا من يبرر الوسيلة بالغاية”(2).

هذه التربية الأخلاقية الهادئة المهذبة هي تربية القرآن وتأثيره ونتاجه، لم ينسبها سيد قطب إلى القرآن، بل أجبره النص القرآني عليها.

  1. الدين إيمان وعمل

قال تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين).

يقول سيد قطب: “وينتظر من يسمع هذا الاستفهام ليرى من هو هذا الذي يكذب بالدين، وإذا الجواب: (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين)! وقد تكون هذه مفاجأة بالقياس إلى تعريف الإيمان التقليدي. ولكن هذا هو لباب الأمر وحقيقته. إن حقيقة التصديق بالدين ليست كلمة تقال باللسان، إنما هي تحول في القلب يدفعه إلى الخير والبر بإخوانه في البشرية ، المحتاجين إلى الرعاية والحماية. واللّه لا يريد من الناس كلمات. إنما يريد منهم معها أعمالًا تصدقها، وإلا فهي هباء، لا وزن لها عنده ولا اعتبار”(3).

  1. الشورى منهج حياة

قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ)

يقول سيد قطب: “التعبير يجعل أمرهم كله شورى، ليصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة. وهو نص مكي، كان قبل قيام الدولة الإسلامية. فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين. إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها، ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم فيها بعد”(4).

  1. مودة غير المسلمين

قال تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ).

يقول سيد قطب: “إن الإسلام لا يكتفي بأن يترك لغير المسلمين حريتهم الدينية ثم يعتزلهم، فيصبحوا في المجتمع الإسلامي مجفوين معزولين – أو منبوذين – إنما يشملهم بجو من المشاركة الاجتماعية، والمودة، والمجاملة والخِلطة. فيجعل طعامهم حِلًا للمسلمين وطعام المسلمين حِلًا لهم كذلك. ليتم التزاور والتضايف والمؤاكلة والمشاربة، وليظل المجتمع كله في ظل المودة والسماحة”(5).

  1. إنكار تأثير السحر

يقول سيد قطب: “السحر لا يغير من طبيعة الأشياء، ولا ينشئ حقيقة جديدة لها، ولكنه يخيل للحواس والمشاعر بما يريده الساحر. وهذا هو السحر كما صوره القرآن في قصة موسى: (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ).

وهكذا لم تنقلب حبالهم وعصيهم حيات فعلًا، ولكن خُيِّل إلى الناس أنها تسعى، ثم انكشفت الحقيقة حين انقلبت عصا موسى بالفعل حية فلقفت الحبال والعصي المزورة المسحورة. وهذه هي طبيعة السحر كما ينبغي لنا أن نسلم بها”(6).

  1. ضد الغلو في الدين

يقف سيد قطب عند قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا).

ويقول: “وإنه لما يستحق الانتباه هنا أن النهي الذي أعقب الأمر بالاستقامة، لم يكن نهيًا عن القصور والتقصير، إنما كان نهيًا عن الطغيان والمجاوزة. وذلك أن الأمر بالاستقامة وما يتبعه في الضمير من يقظة وتحرج قد ينتهي إلى الغلو والمبالغة التي تحول هذا الدين من يسر إلى عسر. والله يريد دينه كما أنزله، ويريد الاستقامة على ما أمر، دون إفراط ولا غلو، فالإفراط والغلو يُخرِجان هذا الدين عن طبيعته كالتفريط والتقصير. وهي التفاتة ذات قيمة كبيرة”(7).

***

سيد قطب في هذه التفسيرات السابقة لم يخترع هذه المعنى، أو يستفدها من تجاربه الحياتية، أو التاريخ، أو العلم التجريبي، أو نقلًا عن علماءه، بل استقاها وتعلمها من القرآن نفسه، النص القرآني أجبره على هذه المعاني ووجهه إليها. كأنه اكتفى بتفسير كلمات الآيات، فزُرعت هذه المعاني الأخلاقية المنطقية في عقله تلقائيًا.

ثانيًا: سيد قطب مؤثرًا في القرآن

  1. هل نحن مسلمون؟!

يقف سيد قطب عند قوله تعالى على لسان يوسف: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)، ويتساءل: لماذا طلب يوسف الحكم في حين أن النبي نهى عن طلب الحكم؟

ويجيب: ” لقد نشأ هذا الحكم في مجتمع مسلم ليُطبَّق في هذا المجتمع وليعيش في هذا الوسط وليلبي حاجة ذلك المجتمع. فهو من ثم حكم إسلامي جاء ليُطَبَق في مجتمع إسلامي. وقد نشأ في وسط واقعي ولم ينشأ في فراغ مثالي. وهو من ثم لا يُطبَّق ولا يصلح ولا ينشئ آثاره الصحيحة إلا إذا طُبق في مجتمع إسلامي. إسلامي في نشأته، وفي تركيبه العضوي، وفي التزامه بشريعة الإسلام كاملة. وكل مجتمع لا تتوافر فيه هذه المقوّمات كلها يعتبر (فراغا) بالقياس إلى ذلك الحكم، لا يملك أن يعيش فيه، ولا يصلح له، ولا يصلحه كذلك”(8).

ثم يسقط هذه الفكرة على مجتمعنا ويقول عنه: “إن هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم، ومن ثم لن يُطبَّق فيه النظام الإسلامي ولن تُطبَّق فيه الأحكام الفقهية الخاصة بهذا النظام”(9).

ويضيف: ” إن البشرية اليوم بجملتها تزاول رجعية شاملة إلى الجاهلية التي أخرجها منها آخر رسول، وهي جاهلية تتمثل في صور شتى:

بعضها يتمثل في إلحاد باللّه .. وبعضها يتمثل في اعتراف مشوه بوجود اللّه سبحانه .. وبعضها يتمثل في اعتراف صحيح بوجود اللّه سبحانه، وأداء للشعائر التعبدية، مع انحراف خطير في تصور دلالة الشهادتين، ومع شرك كامل في الدينونة والاتباع والطاعة. وذلك كجاهلية من يسمون أنفسهم (مسلمين) ويظنون أنهم أسلموا واكتسبوا صفة الإسلام وحقوقه بمجرد نطقهم بالشهادتين وأدائهم للشعائر التعبدية مع سوء فهمهم لمعنى الشهادتين ومع استسلامهم ودينونتهم لغير اللّه من العبيد. وكلها جاهلية، وكلها كفر باللّه كالأولين، أو شرك باللّه كالآخرين.

إن رؤية واقع البشرية على هذا النحو الواضح تؤكد لنا أن البشرية اليوم (بجملتها) قد ارتدت إلى جاهلية شاملة، وأنها تعاني رجعية نكدة إلى الجاهلية التي أنقذها منها الإسلام”(10).

أولًا: بخصوص السؤال الذي سأله: لماذا طلب يوسف الولاية رغم نهى النبي؟

فيوسف لم يطلبها، بل على العكس، فقد مكَّن الملك يوسف من الحكم، (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ)، وبذلك فقد تم اختيار يوسف بالفعل، ولم يعرض نفسه، لكن يوسف اختار مهمة محددة أدنى من المعروض عليه، وقال: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ)، أي مكِّني من إدارة الماليات فقط.

كما أن نهي النبي عن طلب الولاية معلل بالنهي عن الطمع في السلطة للمصلحة الشخصية، أما من طلبها لمصلحة الناس، فلا مانع من طلبها وتوليته، لذلك ولَّى النبي زياد بن الحارث على قومه بعد أن طلب الولاية.

ثانيًا: اتهام سيد قطب للمجتمع بالجاهلية والبعد عن الإسلام هو اتهام صريح وواضح، لا يحتمل تأويلًا، ولا مبالغة.

كما أنه اتهام بلا ضابط ولا حاكم؛ فما معايير هذا الحكم؟! وما الحد الفاصل بين المجتمع الإسلامي والجاهلي؟! وما الحكم الشرعي الذي إن طبقه المجتمع أصبح مسلمًا؟! وما الحكم الذي إن لم يطبقه أصبح جاهليًا؟! ومنذ متى والمجتمع جاهلي؟! وما موقف المسلمين في هذا المجتمع، هل كل البشر كفار ومصيرهم النار؟! ومن لديه سلطة الحكم بإيمان أو كفر المجتمع كله؟!

ثالثًا: استنتاج أن المجتمع جاهلي ومن ثم لا يُطبق فيه أحكام الشرع، هو رأي لا يستند على أي قاعدة من أصول الفقه، ولا القرآن، ولا السنة، فتعجب كثيرًا من الاستطراد الذي ساق سيد قطب من قول يوسف إلى كل هذه النتائج الكارثية، فلا نعرف عالمًا واحدًا قال بهذا الرأي الشاذ، وإنما هو رأي سيد قطب الشخصي الخاص!

  1. هل غير المسلمين آمنين؟

يقول سيد قطب: “ينقسم العالم في نظر الإسلام إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما:

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: خالد باظة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.