تأخذك إلى أعماق الفكر

القتل الرحيم هل نعالج أم نعجّل الوفاة؟

هل نعالج أم نعجّل الوفاة؟

نعتقد جميعًا أن حياة البشر مقدسة، بالتالي فالقتل عمومًا فعل خاطئ. لكن تخيل معي أن يطلب منك قريبك -المعاني بشدة والفاقد للأمل من مرض عضال في مراحله المتأخرة- أن توقّع وثيقة تسريع وفاته “القتل الرحيم” لأنه لا يطيق هذا الحال من آلام رهيبة، ومعاناة بلاجدوى، وفقدان للكرامة! هل ستتركه يعاني لأشهر أو سنوات بلافائدة؟ أم ستعجّل وفاته الحتمية؟

موتٌ يسيرٌ معهُ رحمةٌ … خيرٌ من اليسرِ وطولِ البقاءْ
وقد بلونا العيش أطوارَه … فما وجدنا فيه غير الشقاءْ
أبو العلاء المعري

يعرف معجم لاروس “القتل الرحيم”: الفعل الطبي المتسبب في وفاة المريض غير القابل للشفاء، بهدف تقصير معاناته وتخفيف آلامه.
كلمة euthanasie مكونة من جزئين: eu التي تعني جيد أو حسن،  thanos وتعني الموت، والنتيجة “الموت الجيد”. أول من استعمل هذا المصطلح بشكله الحديث هو الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون حين دعا إلى تشريع موتٍ سريع خالٍ من الألم، حيث قال:

“لايقتصر دور الطبيب على إعادة الصحة للمريض فقط… لكن تخفيف المعاناة والآلام كذلك وتزويده في حالة انعدام الأمل بموت ناعم”.

عادةً ما يحدث الخلط بين القتل الرحيم والانتحار المؤطّر طبياً “الانتحار بمساعدة الطبيب”.
فالعملية الأخيرة تتضمن تزويد الطبيب للمريض بالمعلومات، الطرق والوسائل الفعّالة (كالجرعة الدنيا والطريقة الأقل ألماً) لكي يقوم بإنهاء حياته بنفسه، أي بدون التدخل المباشر للطبيب، في حالة فشله يمكن أن نلجأ إلى الموت الرحيم.

يفتح الموضوع قضايا فلسفية، قضائية، اقتصادية واجتماعية معقدة، حيث يعتبر عند غالبية الدول كجريمة قتل يحاسب عليها القانون.

أنواع القتل الرحيم

عادة ما يقسم من منظور الأطباء إلى:
الإيجابي -النشط-: “فعل مباشر” من الطبيب يتسبب في إنهاء حياة المريض -مثل الحقنة القاتلة- بمبادرة منه أو بناء على طلب رسمي.
السلبي: إيقاف العلاج الضروري لإبقاء المريض قيد الحياة -مثل التنفس الاصطناعي- بالتالي تقصير مدة معاناته بدون استخدام أي وسيلة مباشرة لإحداث الوفاة.
غالباً ما يعتبر القتل الرحيم السلبي أفضل أخلاقيًا من الإيجابي.

من منظور المرضى:

الإرادي: عندما يطلب المريض طوعياً وضع حدٍّ لحياته لأنها أصبحت لا تطاق، أو عندما يرفض إرادياً الاستمرار في تلقي العلاج، أو عندما يطلب علاجًا يخفف آلامه لكنه يسرع وفاته.

اللاإرادي: حين يكون المريض غير قادر على إعطاء موافقته، مثل القصر والأمراض العقلية أو الإصابات المفاجئة. هنا تشرّع بعض الدول الاختيار المسبق أو نلجأ لقريب من الدرجة الأولى.

الإكراهي: حين يرفض الشخص الموت لكننا نصرّ على قتله، يعتبر هذا النوع جريمة طبية.

النقاش الأخلاقي:

سنناقش حجج كل من المؤيدين والمعارضين للموضوع ولنبدأ بـ:

1-الأدلة المضادة للقتل الرحيم:   

الرعاية التلطيفية: لماذا نقتل المرضى حين يمكننا قتل الأعراض التي تسبب معاناتهم؟
تمثل الرعاية التلطيفية “مجموعة الإجراءات الهادفة إلى تخفيف أعراض المرض -خاصة الألم- دون علاجه وبالتالي تحسين نوعية الحياة.”
يتم ذلك عن طريق توفير جو مريح، مثلاً تجنيب المريض المسنّ الجفاف وقرحة الفراش، التهابات المسالك البولية، علاج الغثيان والقيء… تنظيف المريض وتغيير وضعيته، إعطائه المسكنات خاصة المواد الأفيونية. الدعم النفسي مهم كذلك لمحاربة القلق، الخوف والاكتئاب…
كل هذا بهدف دفع المريض للعيش بأقل قدر ممكن من المعاناة وبالتالي منع الأفكار الانتحارية.

قدسية الحياة: قبول القتل الرحيم يعني مباشرة أن بعض أنواع الحياة أكثر قيمة من الأخرى، سيؤدي الأمر الى تفسخ قيم المجتمع وتغيير نظرة الناس الى المريض الميؤوس منه من التعاطف إلى الاحتقار. تقديرنا للحياة يدفعنا بإلحاح إلى إيجاد علاج للأمراض المستعصية. فنحن نبني المستشفيات ومراكز الأبحاث وندرس الطب لأننا نقدس حياة البشر. مجرد قبولنا للقتل يهدم هذا التقديس ويثبط العزيمة. فبدل إيجاد علاج ينهي المرض، فلننهِ حياة المريض.

القتل الرحيم هو مجرد حيلة اقتصادية لتجنب بناء مستشفيات جديدة” الصحفي الفرنسي فيليب بوفارد.

حجة المنحدر الزلق: إقرار القتل الرحيم يفتح الباب عاجلاً أم آجلا للانزلاق إلى “النوع الإكراهي”. فإعطاء هذا الكم الهائل من السلطة للأطباء الموثوقين من طرف مرضاهم والحاملين لأفكار نفعية أمر غير محمود. مثلاً يمكن أن يرى الطبيب في علاج مريضٍ ميؤوسٍ منه متمسّك بالحياة نوعاً من الإسراف غير المبرر في الموارد. زيادةً على وجود هامش للأخطاء التشخيصية وجهل الأطباء بالتطور العلمي، فيمكن أن ينهي الطبيب حياة مريضه بسبب جهله، رغم وجود علاج واعدٍ لمرضه. يقول عرّاب القتل الرحيم بيتر سينغر peter singer :

“أكثر حجة مؤثرة ضد القتل الرحيم هي “المنحدر الزلق”، فحين نسمح للأطباء بإنهاء حياة المرضى، لن نتمكن بعدها من حصر القتل في الأشخاص الذين يريدون الموت فقط”.

التصريح الرسمي للعملية “Aktion T4” الموقع من طرف أدولف هتلر عام 1939.

إقصاء الأفراد الغير صالحين: يفتح الموت الرحيم الباب أمام تصفية المجتمع من الأشخاص الحاملين للأمراض العضال وغير المرغوب فيهم، هذا يعني تطبيق نوع مقنن من تحسين النسل على الطريقة النازية، حيث أقرت هذه الأخيرة نوعاً من التطهير الجيني والداروينية الاجتماعية من خلال العملية Aktion T4” عن طريق  قتل ممنهج -باستخدام الغاز-، وتعقيم إجباري استهدف المرضى النهائيين، ذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال الحاملين لأمراض وراثية.

“إذا كان لألمانيا أن تنجب مليون طفل في السنة، نتخلص من الأضعف من بين سبعمائة وثمانمائة ألف منهم، فقد تكون النتيجة في النهاية زيادة عامة في قوتنا”  هتلر متحدثاً عن القتل الرحيم للأطفال.

المرض النفسي: يعتبر الرافضون طلب الموت الرحيم كعرض لمرض نفسي مثل الاكتئاب و الفصام أو الإدمان. إذن يحتاج المريض في هذه الحالة من الطبيب إلى العلاج و ليس القتل.
بعض الأمراض النفسية تؤثر على مناطق صنع القرار في دماغ المرضى و تمنعهم من التفكير بعقلانية، حيث يمكن اعتبار غالبية محاولات الانتحار بمثابة طلب للمساعدة و الاهتمام. المثير أن هذه الأمراض يمكن أن تعالج و تختفي معها الأفكار الانتحارية.  (علامات الشخص المقبل على الانتحار)

طلب الموت الرحيم نوع من هذه الأفكار السوداوية، حيث يميل المرضى في مراحلهم المتأخرة الى الإكتئاب. هل هذا يعني قتلهم لمجرد طلبهم؟ لا! يجب أن نعالجهم ونهتم بهم، تلقائياً ستختفي هذه الأفكار.

التعسف: إذا سمحنا بالقتل الرحيم، سنمارس نوعاً من الضغط على أصحاب الأمراض العضال لإنهاء حياتهم. فهم يحسون بالذنب و المسؤولية بتسببهم بالأذى المادي و المعنوي لهم و لعائلاتهم. ورغم رغبتهم بالحياة إلا أنهم يفضّلون إنهاءها للتخفيف عن أهاليهم.

ستيلا يونغ، مصابة بمرض العظام الزجاجية

نزيد الطين بلّة بدعوتنا غير المباشرة لوفاتهم كون الأمر قانوني و مقبول قيمياً، حينها يصبح “مذنباً” من توفّرت فيه شروط الموت الرحيم ولم يقم به. هنا يتحول “الحق في الموت” إلى “واجب الموت”. يمكن أن يستعمل الأمر كذلك كمبرر لأطماع الأقارب في الحصول بسرعة و بشكل قانوني على حصص الميراث.

تقول الصحفية الأسترالية الرافضة للقتل ستيلا يونغ Stella Young :

” قتل شخص معاق ليس تعاطفاً، لا تسمّوها “موتاً لطيفاً” بل جريمة قتل”.

2- الأدلة المؤيدة للموت الرحيم:

” يعتبر إنقاذ حياة شخص ضد إرادته بالضبط مثل قتله”. _ الشاعر اللاتيني هوراس

الحرية: الموت مسألة شخصية. لكل شخص حرية التحكم في جسده وطريقة حياته وبالتالي كيفية موته. وبإمكان أي إنسان أن يختار وبكل حرية مكان و طريقة إنهاء حياته. “ليس لدينا أي تحكم في كيفية قدومنا لهذا العالم. إذن اتركوا لنا على الأقل قرار مغادرته”.
كذلك فإن القانون الطبي يكفل “حق الامتناع عن العلاج”. فلكلّ مريض الحرية التامة في عدم تلقي أي علاج بدون أي إجبار. الإقرار بهذا الحق يفتح الباب مباشرة للموت الرحيم السلبي.
“إن لم أتمكن من تقرير موتي والموافقة عليه، فجسم من هذا؟ من يمتلك حياتي؟”. هكذا ردت المناضلة الكندية سو رودريغيز Sue Rodriguez المصابة بالتصلّب الجانبي الضموري على الرافضين لموتها الرحيم.

Dignity in Dying

الكرامة البشرية: من الأخلاقي ترك الأشخاص يموتون بكرامة بدل أن نجبرهم على مواصلة حياة غير كريمة، بحكم أن المرض يُفقد المصاب كرامته “مثلاً الاعتماد الكلي والدائم على الغير والشعور القاتل بالعجز“. فالبشر يسعون لحياة كريمة تستحق أن تُعاش وليس فقط البقاء أحياء. يمثل القبول بالقتل الرحيم نوعاً من التعاطف مع المرضى، باعتبار فقدان بعض الوظائف والملكات أسوأ بكثير من فقدان الحياة.

“ينبغي على المرء أن يموت بكرامة عندما لا يعود بإمكانه أن يعيش بكرامة”. _نيتشه 

تخفيف المعاناة: حينما تصبح حياة المريض سيئة لدرجة أنه يفضّل الموت، فمن اللاأخلاقي منعه من ذلك. لماذا الإصرار على الإبقاء على هذا الكم الهائل من المعاناة والألم المجاني له ولعائلته رغماً عنه؟ لماذا نجبره على انتظار وفاة بطيئة، مؤلمة ومذلّة خارج بيته وبعيدأ عن أهله في المستشفى بدل تسريع الأمر الحتمي؟ أليس دورنا كمجتمع طبي تقليل الألم وزيادة الراحة؟ هل تعتقد أن العلاج التلطيفي بدون آثار جانبية؟ لقد كان هدف الطب الكلاسيكي إطالة متوسط الحياة، بينما يهدف الطب الحديث إلى تحسين جودتها.
أن ننهي حياة المريض الميؤوس منه بطريقة كريمة خير له ولعائلته من شنق نفسه!

النفعية: يمثل عبء الرعاية غير المجدية المادي والمعنوي عاملاً مهماً في الموضوع. ما الفائدة من صرف كل هذا الجهد والمال والوقت اللامجدي من طرف العائلة خاصة إن كانت غير ميسورة؟ لماذا نجبر مريضاً في مراحله النهائية على مواصلة العيش رغم رفضه، بالتالي أخذه لمكان و موارد طبية مهمة من الممكن أن توجه لشخص آخر راغب في الحياة أو توجه للبحث العلمي لإيجاد علاج لهذه الأمراض؟
سيسمح إقرار الموت الرحيم باستغلال جيد وتوزيع عادل للموارد.
(عادة لا تأخذ الدول المقرة للقتل الرحيم هذه الحجة بعينالاعتبار).

التقنين: تشير بعض الأبحاث لوجود القتل الرحيم وبجميع أنواعه في كل المجتمعات حتى تلك التي تجرمه. فالأطباء يقومون به بشكل سري وغالباً بإذن الأهل غير الميسورين مادياً! لذلك بدل ترك الأمر عشوائياً، وجب سن قوانين منظمة ورادعة، خاصة مع ظهور “السوق السوداء للموت”، حيث يدفع المرضى فاقدوا الأمل والباحثون عن راحة العدم أموال طائلة للحصول على موت لطيف.

يمكن لتبرعك بأعضائك انقاذ 8 أشخاص

تشجيع التبرع بالأعضاء: يوفر الموت الرحيم فرصة أخيرة للمرضى ليتبرعوا بأعضائهم السليمة، وبالتالي مساعدة مرضى آخرين راغبين في الحياة. هنا يتحول القتل الرحيم من “حق للموت” إلى “حق في الحياة” للمرضى المحتاجين للأعضاء.

 أخيراً، هل الموت شيء سيء؟ ولماذا نعتبر الرغبة في الموت جريمة ؟ فحتى الانسان الأطول عمراً مات في النهاية! يقول فيلسوف الشعراء المعري:

“ضَجْعَةُ المَوْتِ رَقْدَةٌ يستريحُ ال … جِسْمُ فيها والعَيشُ مِثلُ السّهادِ”

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

مصدر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: عبد الباسط بلخضر

تدقيق لغوي: معاذ رجب

تعليقات
جاري التحميل...