القبلات في الفن -بين الرومانسية والقضايا المجتمعية

(رمز المحبة عناق وقبلة)

وبما أنه يوم عيد الحب والذي أصبح يومًا لاستخفاف الكثيرين بمشاعر المحتفين به. وإننا نعاني العديد والعديد من الهموم والمشاكل التي تجعل الكثيرين ينظرون لهذا الاحتفال على أنه نوع مبالغ فيه من الرفاهية، والصبياينة، والمراهقة العاطفية.

فلماذا لا نعتبره على النقيض من ذلك كيوم للتنزه مع الأحبة وتبادل الهدايا والتعبير عن المشاعر الحميمة، ونسلك اتجاه المحبين الودودين الذي يعتبرون الحب عيدًا في حد ذاته في زماننا المتخم بصنوف المشاعر السلبية والكريهة والمؤذية في كثير من الأحيان.

فالقبلة والعناق لم يقتصرا على المنخرطين في علاقة عاطفية أي بين رجل وامرأة، لكن العناق والقبلات هي وسيلتنا البريئة البدهية للتعبير عن الشوق والافتقاد والمحبة لأي شخص، فسلام الأيدي لا يكفي مع من نكن لهم رصيدًا كبيرًا من الحب والاعتزاز.

وكتقليد متعارف عليه في أيام فبراير القصير؛ تنتشر عبارات الحب كنسمات الهواء في الواقع الحقيقي والافتراضي. لذا دعونا نعبر عن تقديرنا للمحبة بعرض بضعة أعمال فنية كانت ولا زالت رموزًا شهيرة على عظمة فنانيها، ورهافة مشاهديها الذين أحبوها بالتوازي مع الروايات الأدبية العالمية الرومانسية سواء كانت مبنيةً على قصص حقيقية أو من خيال الكتاب.

(لوحة القبلة الأخيرة لروميو وچولييت لـفرانك برنارد ديكسي- ١٨٨٤)

روميو وچولييت

إعلان

من أشهر قصص الحب الرومانسية روميو وچولييت للأديب البريطاني الشهير ويليام شكسبير ١٥٩٥، والتي تحولت للعديد من الأعمال الدرامية والمسرحية والسينمائية. وفي مقتطف منها حول القبلة بينهما دار الحوار الآتي:

-(روميو إلى چولييت) بعد أن قبّل يدها لأول مرة:
“عفوًا إن كانت يدي الآثمة قد دنست حرم يديكِ المقدس.
فلو كان لي أن أزيل خطيئتي بخطيئة عذبة، إذ أن لي شفتان كالحجاج حمراوان من فرط الخجل.”
-(چولييت): “يا أيها الحاج الكريم ظلمت كل الظلم راحتك، فهي التي أبدت أخلاق العابدين، وفي تلامس الكفين للحُجّاج قُبلة مقدسة.”
-(روميو): “لكن أليس للحاج والقديسة شِفاه؟”
-(چولييت): “بلى، ولكن يقتصرن على الصلاة.”
-(روميو): “إذًا فلنجعل الشفاه يا قديستي، تفعل ما تفعله الشفاه. فها هما الآن تصلّيان لك.”
-(چولييت): “لكن قدّيساتنا لا تتحرك، حتى ولو سمعت دُعاك.”
-(روميو): “إذًا لا تتحركي حتى أنال ثَوابي، وتزيل قُبلة ثغرك البسّام أثار الخطيئة من فَمي.”
فقبلها
-(چولييت): “نقلت إلى شفتي خطيئة ثغركَ!”
-(روميو): “خطيةً من مبسمي؟ ما أعذب الإثم الذي دعوتني إليه.”
هيّا أعيدي لي خَطيئتي.”
(فقبَّلها مرةً أخرى).


نقل هذه الصورة التعبيرية الرقيقة فرانك ديكسي في هذه اللوحة الزيتية والتي صنفت كـأكثر الأعمال الرومانسية تعبيرًا عن العاطفة والإخلاص، والتي يظهر فيها العاشقان الشكسبيريان يتقاسمان قبلة بعد ليلة زفافهما، ولا يدركان أن هذه هي القبلة الأخيرة.

ويقول الناقد الفني البريطاني غودفري باركر: “إن هذا المشهد في اللوحة  يخلق الانطباع بأن الموت قريب إلا أن الحب لن يموت أبدًا. وإن الرومانسية هي حلم ما زال يعيش في قلوب الملايين رغم نكراننا لوجودها.”)

 

(تمثال القبلة لأوجست رودان -١٨٨٢)

على مدار تاريخ الفن، استخدم الرسامون والنحاتون والشعراء والمصورون خيالهم لجلب القبلة إلى الفن. واعتبروها رمزًا للحياة والحب المتجدد، أو بداية الإثارة الجنسية، وهي لا تحكي حكايات الحب فحسب، بل قصص الاحتجاج أو حتى الانفصال. ويعتبر فعل التقبيل كواحد من الأفعال الأكثر حميمية بين شخصين ربما أكثر من الفعل الجنسي ذاته.

لا عجب أن لحظة القرب هذه جذبت انتباه العديد من الفنانين. عرض البعض القبلة في الفن في أعمال عنيفة كمقدمة للاغتصاب، في حين حاول آخرون عرض شاعرية الحب سواء اكتملت القصة أم انتهت بمأساة.

يعتبر هذا التمثال واحدًا من ثلاثة إصدارات تم إنتاجها في حياة رودان. مزجه بين الإثارة والمثالية يجعله واحدًا من الصور الرائعة للحب الجنسي. ومع ذلك فإن الزوجين هنا (باولو مالاتيستا وفرانشيسكا دا ريميني) اللذَين قتلا من قبل زوج فرانشيسكا الغاضب جراء تلك الخيانة. والتي لم يتم تأكيد إذا ما كانا ارتكبا الفاحشة أم لا، رغم ظهور تجسيد لهم أيضًا في جحيم دانتي بوصفهما زانيين، وسردت القصة كيف نما شغفهم عندما قرؤوا قصة لانسلوت وجينيفر (إحدى روايات الرومانسية الجنسية القديمة) معًا. حيث يمكن رؤية الكتاب في يد باولو. وقال رودان عن التمثال ذات مرة: “يجب على النحات أن يتعلم إعادة إنتاج السطح، مما يجعل المشاهد يرى هذا الحجر الصلد ينبض بالروح والعاطفة والحياة. فـفن النحت هو فن تطويع منتجات الطبيعة الصلبة واللينة، واستخدام القسوة بإتقان لتخرج المنحوتات بمثل هذه الانسيابية والنعومة. فالتمثال يختلف عن اللوحة في أنه يجب أن يظهر كالكتاب المفتوح كاشفًا عن كل خفاياه دون ترك مجال للتأويلات.”

(القبلات المسروقة لـچين اونوريه فراجونارد -١٧٨٠ و رون هايكس -٢٠١٠)

في اللوحة الأولى لفراجونارد تظهر الفتاة في ثوب مرفّه لامع تصميمه يدل على أنها من طبقة الأثرياء. في حين أن ملابس الولد تدل على أنه من الطبقة المتوسطة أو الفقيرة، وقد تسلل لغرفتها عبر الشرفة ليقتنص تلك القبلة من الفتاة الخجولة والقلقة في نفس الوقت.

في اللوحة الثانية لرون هايكس، يظهر ذكاء الفنان في نقل الصورة إلينا حيث يظهر الرجل في سيارة رياضية فارهة ذات غطاء سقف متحرك كعلامة واضحة على الثراء، والفتاة في سيارة متواضعة قديمة الطراز. الرجل يخطف القبلة وهو في طريقه ويده على عجلة القيادة أي أنه لم يتوقف تمامًا، بل مازال في طور الحركة والفتاة في وضع سيارة ثابت. هنا الوضع معكوس، رجل ثري وفتاة بسيطة اختطفا القبلة في غفلة من الزمن، وكلا منهما سيمضي في حياته وربما ستظل ذكرى تلك القبلة المجنونة ملازمة لذاكرتهما حتى النهاية. في اللوحتين يوضح الفنانين بأن الحب يمكنه تحدي الظروف والحواجز وحتى ولو لم يكتمل. لكن الجميع قادر على الفوز بلحظات الوصل، ولو لثواني معدودة دون التسبب قي ضرر لأي طرف وسط برودة المجتمع، واشتراطاته القاسية على الأحبة. وعبر عن تلك الحالة شاعرنا رياض الصالح حسين حين قال:

“أعرف أن الحب
بسيط كالزنابق
سهل كمطر الربيع
واضح كسماء زرقاء.”

لكنني أتساءل:
“لماذا يخاف الكثيرون
من الزنابق
ومطر الربيع
والسماء الزرقاء؟
تعالي لنلغم
صقيع العالم
بديناميت القبلات.”

(لوحة هيكتور واندروماكي لـچورچيو دي كيريكو-١٩١٢)

يجد البعض صعوبة في فهم المعنى العام للوحات السريالية والتكعيبية؛ وذلك لأنها في حقيقة الأمر حمالة أوجه، ويمكن لكل فرد فهمها والإحساس بما تنقله بطريقة مختلفة عن الآخر، ولأنها في كثير من الأحيان تبتعد عن البساطة والحس المعتاد في نقل الصور الحياتية، وتعتمد على الصور التمثيلية والأشكال الهندسية.

هذه اللوحة عبارة عن عمل استثنائي يستخدم أشكالًا بسيطة نوعًا ما من المدرسة التكعيبية مع السريالية، لكنه اعتمد بالأساس على لغة الجسد؛ لإنشاء قطعة تُظهر شيئًا يمكن فهمه في أي جزء من العالم وهو: الحب.

موضوع هذه اللوحة من الأساطير الإغريقية قصة وداع هيكتور لزوجته أندروماكي قبل معركته ضد بطل طروادة (أخيل). فهذه اللوحة هي نقل ميتافيزيقي لإحدى حلقات الإلياذة لهوميروس. تظهر فيه أندروماك في مشهد تعزية لهيكتور قبل ذهابه للمبارزة والتي فيها احتمال الموت أكثر من الحياة، وصورهم  كيريكو بدون أطراف علوية كإشارة لفقدانٍ لأنصاره ورغبته أيضًا في الاتصال بزوجته أندروماكي لكنه لا يقدر.

يصور دي كيريكو الزوجين المنكوبين بالرسم الزيتي في هيئة الإنسان الآلي المعتادة؛ هيكتور على الجانب الأيسر بهيئة ذكورية تتضح في اتساع محيط الأكتاف، وتظهر أندروماكي بتكوين هندسي أكثر أنثوية من خلال منحنيات منطقة البطن، والصدر، وعظام الفخذ. الهيئة الرمزية للقطعة الفنية تظهر الرجل حزينًا وخجلًا في آن واحد برأس مائلة لأنثاه التي تواسيه وتطبع قبلة بريئة بعينين مغمضتين. قدمها اليسرى ترتفع قليلًا مما يعطي قوة لقدمها اليمنى وبالتالي تعطي جسدها إمالة وقربًا من زوجها. لذا، على الرغم من الحزن ولحظات الوداع، لا تزال الشخصية النسائية مهتمةً وقويةً في مواجهة المواقف الصعبة؛ القبلة هنا ليست قبلة محبة فقط لكنها قبلة مواساة وتعزية وقلة حيلة.

 

(لوحة عيد الميلاد لـمارك شاجال- ١٩١٥)

مارك شاجال

ننتقل هنا من تراچيديا القبلات إلى قبلات الخفة والفرح. ليس فقط من خلال تعبير المتحابين عن سعادتهم بهذه العلاقة، لكن أيضًا عن تكوين اللوحة وامتزاج الألوان الدافئة. وكما قال شاجال سيد الألوان: “الحب هو اللون الأساسي الذي تبدأ منه كل لوحاتي.”

رسم شاجال هذه اللوحة قبل بضعة أسابيع فقط من زواجه بمحبوبته وبيلا روزنفيلد. يظهر فيها أسلوب شاجال في الدمج بين المدرسة الرمزية والوحشية اللوحة في تعبير رائع عن الحب المتدفق بين المحبين. يظهر شاجال نفسه عائمًا فوق بيلا رأسه ملتوي بشكل دراماتيكي لتقبيل زوجته المستقبلية على الفم. الجو العام للوحة ينقل صورة عن فورة الحب بين العشاق الشباب في بيئة مبهجة، رغم أنه مشهد داخلي لمنزل ولكن ألوان مارك شاجال ضخت السعادة والحركة في كل سنتيمتر من اللوحة. فكلاهما موقوفان في الهواء، ويلتقيان بقبلة في تحدي واضح للجاذبية. في حالة من الطفو كإشارة للنعيم الرومانسي. إنه يوم عيد ميلادها وفي لحظة انفعال وشغف يقرر أن الزهور التي أحضرها ليست كافية، فيقفز لتقبيلها في مفاجأة رائعة وضع جسده هنا كما لو كان يرسم وعدًا بعودته. اللوحة هنا هي تجسيد لمقولته بأن:
“الحب والخيال يسيران يدًا بيد.”

شاجال صور الجو الحميمي بين العشاق بمكونات بسيطة لكنها غنية بالألفة والود والحب والدفء.
وفي سيرته الذاتية، وصف شاجال أول لقاء له مع بيلا: ” كلمات عينيها  اللبقة لي وصمتها لي أيضًا. يبدو الأمر كما لو أنها تعرف كل شيء عن طفولتي وحاضري ومستقبلي، تعرفني كـكف يدها.”

(جدارية قبلة الشرطيين لـبانكسي -٢٠٠٤)

رجال الشرطة

عند النظر للوهلة الأولى لهذه الجدارية للمتمرد الموهوب بانكسي يتبادر إلى أذهاننا عدة أسئلة: هل هذه القبلة إشارة إلى حقوق المثليين؟ أم تمرد ضد سلطات الشرطة وبيان لتواطؤهم في استخدام المحاباة؟ أم أن عناصر السلطات لديها مشاعر مرهفة كالأشخاص الطبيعيين ولا يخجلون من إظهارها؟
ابتكر بانكسي هذه الجدارية على حائط حانة الأمير ألبرت في برايتون، إنجلترا. والتي تعرض اثنين من رجال الشرطة يرتدون زي الشرطة البريطانية الكامل مع قبعاتهم وأصفادهم اليدوية وهم يشتركون في قبلة عاطفية. ومن المعروف أن بانكسي دائمًا ما يستخدم السخرية والفكاهة السوداء في توصيل الرسائل الاجتماعية مع عدم وجود كلمة مكتوبة واحدة؛ ليترك للمشاهد حرية الفهم والاستيعاب لتلك الرسوم.
وعلى عكس ما توقع مالك الحانة من أن رجال الشرطة سيشعرون بالضيق من هذه الجدارية، إلا أنه وجدها محل إعجاب الجميع سواء من الشرطة أو السائحين أو حتى المارة العاديين حد التقاط صور معها.
قد يتساءل البعض عن هذا العمل الفني وكيف أن بانكسي عرض عناصر الشرطة من خلال لحظة حرجة وهشة. فربما تكون رسالة منه للتأكيد على الصلة القوية التي يتشاركها مسؤولو الشرطة. وربما لجعل المشاهدين يعيدون التفكير في وجهات نظرهم حول رهاب المثلية. حيث أن المثليين أفراد طبيعيون تمامًا موجودون في كل
المستويات والمناصب. أو لفضح سلطة الضباط في ضوء مختلف. واحتسب النقاد أن بانكسي على درجة ذكاء عالية حيث رسم العنصرين ذكرين لدعم قوة الرسالة؛ لأنها لو كانت لسيدتين لما نالت كل هذه الضجة والاهتمام من وسائل الإعلام. فالمعظم لديه هذه الفكرة المسبقة بأن رجال الشرطة مرتبطون بالصورة الذكورية والبطولية، لكن هنا أظهر بانكسي أن الضباط لديهم أيضًا مشاعر وعواطف وراء زيهم الرسمي أيًا ما كانت دلالتها.

إذن فالقبلات في الفن والأدب  لم تعد رمزًا للتعبير عن الحب والمودة فقط. بل أصبحت عاملًا رئيسيًا في الأعمال الفنية لنقل حوادث تاريخية والتعبير عن قضايا مجتمعية بعينها، سواء فيما يخص المحبين، ومعضلات ومعوقات الارتباط، أو القضايا المجتمعية الحساسة التي مازال الجدل حولها مستمرًا.

أنهي هذه المقالة -الأولى من أصل ثلاثة-بأقصوصة طريفة ذكرت في حوار صحفي لمجلة الكواكب عام ١٩٥٩، حيث سأل نجيب محفوظ رئيس جهاز الرقابة آنذاك، ماذا تفعل لو رأيت شابًا وفتاة يختلسان قبلة فى الشارع؟ أجابهم: “أبدًا أودي وشي الناحية التانية وأبتسم وأقول اوعدنا يا رب.”

المصادر:

١- ترجمة عن :

http://www.bbc.com/culture/story/20150213-art-historys-greatest-kisses

٢- أشهر القبلات في تاريخ الأدب العالمي، علي زين، مقال مترجم على موقع ساقية.

http://www.saqya.com/%d8%a3%d8%b4%d9%87%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a8%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%af%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a/

٣- ترجمة عن :

http://www.galleryintell.com/artex/birthday-marc-chagall/

٤- Marc Chagall and His Times
A Documentary Narrative،Benjamin Harshav,2003.

٤- ترجمة عن:

https://cantorfoundation.org/resources/why-is-rodin-important/

٥- https://www.m.theartstory.org/artist-banksy-artworks.htm

٦-https://wordpress57027.wordpress.com/2018/04/13/the-kissing-police-officers/amp/

٧-https://www.dailymail.co.uk/news/article-2099615/amp/Is-romantic-painting-Oil-depiction-Romeo-Juliet-voted-best-Britain.html


إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: نها العمراني

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

اترك تعليقا