تأخذك إلى أعماق الفكر

الغربة النّفسيّة.. في رواية “حكاية بحّار” للكاتب حنّا مينة

(الفصول الثّلاثة الأولى)

حياة الكاتب: حنّا مينة

ولد حنّا مينة في اللّاذقيّة من عائلةٍ فقيرةٍ، فاضطرّ إلى العمل في الميناء كحمّالٍ ثمّ على المَراكب كبحّارٍ، كما عمل كأجيرٍ مصلِّح للدّراجات، كمربّي أطفال لدى عائلة غنيّة، كعامل في صيدليّة، وكحلّاق. أمّا بعد دخوله المعترك الأدبيّ، فأصبح كاتبًا لمسلسلات إذاعيّة باللّغة العامّيّة، وموظّفًا حكوميًّا، وروائيًّا.

دخل المعترك السّياسيّ في الثّانية عشرة من عمره، وناضل ضدّ الانتداب الفرنسيّ، لكنّه سرعان ما تخلّى عن الانتماء الحزبيّ وتفرّغ للأدب وبخاصّة الرّواية. تدرّج من كتابة الرّسائل للجيران والعرائض للحكومة، إلى كتابة الأخبار والمقالات الصّغيرة في صحف سورية ولبنان، إلى كتابة القصص القصيرة. أمّا حياته الأدبيّة فقد بدأت بكتابة مسرحيّة دونكيشوتيّة، ثمّ ألّف أوّل رواية بعنوان “المصابيح الزّرق”. له ثلاثون روايةً، ثمانٍ منها مُختصّة بالبحر الّذي عشقه، لكن من أشهر ما كتب: النّجوم تحاكم القمر، القمر في المحاق، نهاية رجل شجاع، بقايا صُوَر، الشّراع والعاصفة، الياطر، الأبنوسة البيضاء، و حكاية بحّار الّتي سنحلّل فيها شعور الاغتراب من خلال بحثنا هذا.

عاش حنّا مينة رحلة اغتراب قاسية بين المدن، انطلاقًا من اللّاذقيّة إلى سهل أروز قرب أنطاكية، مرورًا باسكندرونة، ثمّ اللّاذقيّة من جديد، وبيروت، ودمشق. بعدها تزوّج وواجه مع عائلته ظروفًا قاهرةً، فتشرّدوا في أوروبّا وفي الصّين لسنواتٍ عديدةٍ.

تعريف الغربة

الغربة لغةً، مصدر غَرَبَ، وقد جاءت في المُنجِد بمعنى النّزوح عن الوطن، أمّا الغَرْبة فمعناها البُعْد، وغَرَبَ بمعنى ذَهَبَ وتَنَحّى وغاب، وغَرُبَ أي كان غير مألوفٍ، وغريب أي البعيد عن وطنه أو من ليس من القوم أو العجيب.

وإذا غصنا في مضامينها الاصطلاحيّة، فالغربة ظاهرة إنسانيّة تعالج مشكلات المجتمع الحديث، تعدّدت معانيها بمرور الزّمن، فشغلت الأدباء والمفكّرين والأنثروبولوجيّين والفنّانين. تعني الانفصال وعدم الانتماء، كما أنّها وعي الفرد بالصّراع القائم بين ذاته والبيئة المحيطة به، فتتجسّد بالسَّخط والقلق، والعزلة، والضّياع، والوحدة، واللّامبالاة، وفقدان الثّقة ومركزيّة الذّات، والعدوانيّة، ورفض القيم والمعايير الاجتماعيّة، والاغتراب عن الحياة العائليّة، والمعاناة من الضّغوط النّفسيّة. إنّما تختلف درجاتها بحسب طبيعة كلّ إنسان، واختلاف اتّجاهاته الفكريّة والنّفسيّة والاجتماعيّة، وقدرته على معالجة ما يواجهه من مشاكل.

إعلان

ننتقل إلى تحديد بعض التّعريفات والآراء حول هذه الظّاهرة، بدءًا من:

– هيغيل الّذي كان أوّل من استخدم مصطلح الاغتراب بمنهجيّةٍ وتفصيلٍ، وقد انقسم عنده إلى: اغترابٍ إيجابيّ ضروريّ للإبداع في العمل، وهو عمليّة تَخارُج الرّوح وتجلّيها في الطّبيعة ومختلف الأوجه الحضاريّة، واغترابٍ سلبيٍّ بمعنى الانفصال أو الانقسام وعدم التّعرّف إلى الذّات. أمّا ما جعل الاغتراب ينتشر في العلوم الفلسفيّة والنّفسيّة، فهو تخلّي مفهومه عن الازدواجيّة ليتّخذ المعنى السّلبيّ فقط، ويقترن بذلك بكلّ ما يهدّد الإنسان وحرّيّته بالاستئصال والتّزييف.

– كارل ماركس، ربط الاغتراب بالحياة الاقتصاديّة، وصوّره على أنّه عجز الإنسان أمام قوى الطّبيعة والمجتمع، إذ إنّ هذا العمل لم يعد يعكس شخصيّة المرء واهتماماته بل غدا في خدمة الآخر وتحت سيطرته. من هذا المنطلق لا يعتبر الاغتراب حالة مستمرّة بل متبدّلة بحسب الظّروف التّاريخيّة.

– فوير باخ، حصر الاغتراب بالوعي الدّينيّ والفلسفيّ والتّأمّليّ، إذ أصبح الدّين جوهر كلّ نظام سياسيّ. لكنّ باخ يعتبر أنّ الإنسان ليس في حاجةٍ إلى شريعة دينيّة بل إلى شريعة دولة فعليّة إنسانيّة، لأنّ الفكر الدّينيّ يُغَيِّب ويُغَرِّب العقل والمنطق، فهو قائم على فَرْضَين: الأوّل، القصص الدّينيّة حقيقة، والثّاني قواعد الإيمان حقائق منطقيّة.

– سارتر، اعتبر الاغتراب عن الذّات انعدامًا لحرّيّة الإنسان، إمّا جرّاء عوامل فرديّة (نظرة الآخرين تجاه فردٍ معيّن) وإمّا عوامل جماعيّة (قهر، تعذيب، استبداد، استعمار…)، وذلك لاتّصاف العالم في نظره، باللّامعنى والعبثيّة.

أنواع الغربة

– الغربة الثّقافيّة: شعور بالانفصال عن القيم السّائدة في المجتمع.
– الغربة الاقتصاديّة: وقد أوردناها سابقًا في نظريّة كارل ماركس.
– الغربة الدّينيّة: وقد اعتبرها ميلر من مظاهر الاغتراب الاجتماعي، حيث إنّ مؤسّساتها وتنظيماتها تتّخذ طابعًا إداريًّا، بيروقراطيًّا، عقلانيًّا. تطرّق إليها أيضًا فوير باخ كما أوردنا سابقًا.

– الغربة السّياسيّة: تتمثّل بإيمان الفرد بعدم تأثير أيّ فعلٍ في المسار السّياسي الرّاهن، فينتج عن ذلك شعورٌ باللّامبالاة والسّلبيّة المُطلَقة، وتباعد وتقاعص عن أداء دوره في هذا المجال.

أمّا الغربة الّتي تهمّنا في رواية حنّا مينة “حكاية بحّار”، مع الإشارة إلى وجود كلّ أنواعها الأخرى، فهي الغربة النّفسيّة، الّتي عرّفها علماء كفرويد وإيريخ فروم وكارين هورناي، على أنّها “شعور بعدم الارتياح وعدم الاستقرار، والقلق والشّعور بالضّياع والعزلة، وعدم الفعاليّة، والوحدة والتّضاؤل”، ما يؤدّي إلى “تفكّك مشاعر الفرد وإحساسه بعدم أهمّيّته والفصاميّة والذّهانيّة ومن ثمّ اختلال في الشّخصيّة”.

تنقسم الغربة النّفسيّة إلى:

– الغربة الاجتماعيّة: كما رآها الدّكتور محمود رجب، هي شعور بالفتور والجفاء والوحدة والانفصال، وقطع العلائق الاجتماعيّة؛ أي غياب المودّة والألفة والتّعاطف والمُشاركة والمحبّة، بين الذّات والآخر.

– الغربة الذّاتيّة: تشير إلى أنّ الفرد لم يعد يملك زمام ذاته (انسياقه وراء أفعاله)، تتمثّل كما قال فروم وهورناي، بنزوحٍ نفسيٍّ داخل مَواطِن نفس الفرد، لكنّه نزوح لا يتحدّد بوقت أو مكان، بل بالتّباعد بين طبيعة الفرد الجوهريّة ووضعه الفعليّ، هي صراع بين الذّات والموضوع، وتَضارُب بين حاجات ورغبات الفرد وبين الواقع المُتَوَهَّم وأبعاده (يؤدّي إلى جهل الشّخص لذاته الواقعيّة)، تصاحبها أعراض الانعزال والتّمرّد والرّفض والانسحاب والخضوع.

تجلّي أنواع الغربة في الرّواية

“إنّ فنّ الرّواية بمفهومها الحديث مفهوم طارئ على العرب، والعجيب أنّ الرّوايات في بواكير تكوّنها كانت تتحدّث عن الغربة والاغتراب، وبالأحرى عن صراع الثّقافات، ومشاعر الانفصام وعدم القدرة على الانسجام في المجتمع وفق تعبير علماء النّفس، وكانت أشبه بسيرة ذاتيّة لكاتبها.” كما مثّلت “حكاية بحّار” عشق الكاتب للبحر، والفترة الّتي عمل خلالها على المراكب كبحّار، والّتي بعد تركها لدخول المُعتَرَك الأدبيّ سبّبت له شعورًا شديدًا بالغُربة عن البحر ونمط الحياة المُتعلِّق به.

سنستعرض بشكلٍ سريعٍ الاقتباسات المتعلّقة بالغُربة الاقتصاديّة، ثمّ السّياسيّة، بعدها الدّينيّة، لنسترسل أخيرًا بتحليلٍ مُفصّلٍ لكلّ ما يتعلّق بالغُربة النّفسيّة من خلال الفصول الثّلاثة الأولى من رواية حنّا مينة. فما الاختلاجات الّتي تركها التّأرجح بين الماضي والحاضر في نفس الكاتب؟ أأوصلته غربته إلى حالةٍ من الفصاميّة والذّهانيّة الكلّيّة (هلوسة، أفكار وهميّة، خلل في التّفكير، تعدّد شخصيّات) أم أنّه بقي على اتّصالٍ بالواقع؟

الغربة الاقتصاديّة

– “أمّا سعيد فقد قصد “البار” رأسًا. كان يُفضّل، على “كازينو” كهذا، مقهًا شعبيًّا، إلّا أنّ الأوادِم الّذين جاء معهم أمس، فرضوا عليه أن ينزل في هذه البقعة من الشّاطئ، وأن يلتزم شيئًا من السّلوك المُهذّب، فلا يأتي بالخمرة من الخارج، بل يطلبها من بار الكازينو.”

نلاحظ تضارُب الأذواق المُبين للاختلاف الطّبقيّ بين بطل الرّواية والنّاس الّذين يعمل لديهم، فهو يفضّل كلّ ما هو شعبيّ أمّا هم فتبهرهم مظاهر الأبّهة والتّرف. نشهد على انصياعه للأمر الواقع الّذي يخالف شخصيّته “فرضوا عليه”، ممّا يعزّز شعوره بالغربة.

– “خُيّل إليه أنّ بَطْرًا قد أخذهم، وأنّه لو فُتِح كلّ يوم مقهى جديد، أو علبة ليل جديدة، لامتلأت بالرُّوّاد، فالطّبقة الغنيّة، الّتي صارت حديثًا غنيّة، تعبّر عن نفسها بهذا البَطر الإنفاقي، وأنّها باتت لا تعرف ماذا تفعل بنقود لم تتعب في جمعها، بينما الآخرون، الّذين نُهِبَت منهم كلّ هذه الأموال، يُواجِهون شَظَف العيش، ويجأرون بالشّكوى.”

يفصّل هنا وجهة نظره من الحالة الاقتصاديّة الرّاهنة، وامتعاضه من الهوّة المتولّدة بين الأغنياء والفقراء، ومن غياب العدل والضّمير، ومن الجشع وسلب الأموال، ومن المبالغة في المظاهر التّافهة. كلّ ذلك لأنّه من طبقة الفقراء ومنحاز إليها، ما يزيد من تباعده عن تلك الأجواء والجماعة الّتي جاء برفقتها كمدرّبٍ للسّباحة.

– “صحيح أنّه لم يعتد التّفكير الدّائم بقضيّة الغنى والفقر، […] لكنّه يعيش بين النّاس، ويسمع من الرّجال عشرات القصص المؤلمة، فيروح يتساءل: “لماذا؟ لماذا؟..” وعلى الرّغم من أنّه يعمل في البحر، ولا يقترب من المرفأ، ويكاد عالمه الخاصّ، المتوحّش، يُبعده عن الاهتمام بما يدور في المدينة، إلّا أنّ البحّارة، والصّيّادين، وعمّال المرفأ، يروون قصصًا لا تنتهي عن تحوّل المرافئ إلى حظائر لبعض أنواع اللّصوصيّة، وعن صناديق البضائع الّتي تُكسَر وتُنهَب، وعن شاحنات تخرج من كلّ مرفأ، حاملةً المنهوبات، من دون أن يستطيع خفير أو حارس أن يوقفها أو يصادرها. […] امتعض لذلك بغير تحفُّظ، تذكّر أنّ فُلانًا وفُلانًا، من أهل المدينة، لم يكونوا يملكون شيئًا، ثمّ فجأةً اغتنوا؛ صارت لهم أراضٍ وقصور وسيّارات… صاروا، بين عشيّةٍ وضُحاها من أصحاب الملايين. وأنّ فُلانًا وفُلانًا، من أولاد الذّوات، كانوا قبل سنوات مُجَرَّدين من أبَّهة السّيطرة الّتي مارسوها فيما مضى، وكانوا قد شرعوا يعيشون بتواضع، وقد خُيِّل إلى الجميع أنّ نُيوبهم قُلِعَت، فإذا هم اليوم يعودون إلى الظّهور، كأنّهم هم ذاتهم بالأمس. “ما يجري فظيع..” كان يقول في نفسه”

يبيّن لنا هذا الاقتباس عدم اهتمام البطل بالأحداث والمستجدّات الاقتصاديّة في وطنه، إلّا أنّه مجبرٌ على سماعها بطبيعة عمله بين بشرٍ يهتمّون لها، وهو يكره ذلك لأنّه يذكّره بالحالة البغيضة الّتي يحاول الهروب منها وعدم التّفكير فيها، تتمثّل هذه الحالة بموت الضّمير المهنيّ والإنسانيّ وبانحلال الأخلاق وبغياب الأمن ومحاسبة الطّبقة الرّأسماليّة المُحتَكِرة والجائرة.

– “[…] ليقدِّمْنَ تسليات ترفيهيّة لأصحاب الملايين الّذين تكاثروا تكاثُر الفُطْر في غابةٍ وحشيّةٍ، وكان يتساءل بحَنَقٍ: “لماذا يحدث كلّ هذا؟ ثمّ لا يلبث أن يعترف قائلًا في ذات نفسه: لا أدري؛ لا أدري!…”.

يزداد غضبه على أصحاب الملايين، فيشبّه وطنه بالغابة وهي الفوضى العارمة والسّائبة، كما يشبّه الأغنياء بالوحوش والفطر الّذي يتغذّى على حساب الأشجار عادةً، ما يجعل طبقة الفقراء أشجارًا مُثمِرة ترزح تحت متطلّبات الرّأسماليّة، فتغدو تابعة لا تتمتّع بهويّة فرديّة تعبّر عن اهتماماتها، بل يصبح عملها من أجل الآخر المُهَيمِن. تتجلّى غربة البطل بعجزه، أمام هذا المجتمع، عن تحقيق أهدافه وذاته المستقلّة.

الغربة السّياسيّة

– “أتساءل: يأتي يوم نتخلّص فيه من الظّلم، من الاضطهاد، من الاستغلال، من الفقر، من العدوان؟ إلامَ تستمرّ لعبة الكراسي والحُكّام؟ منذ أن وعيت الوجود وأولاد المدارس يتظاهرون، والأحزاب تتكاثر، والاجتماعات تُعْقَد، ويقولون أشياء كثيرة، ولكن ماذا يُجدي ذلك؟ متى تتحرّر فلسطين؟ ومتى يستعيد العرب أراضيهم وحقوقهم؟ ومتى يتوقّف نهب الأغنياء للفقراء، وتكفّ الأسعار عن الارتفاع؟ إنّني، بعد كلّ شيء، مواطن، وأنا نفسي كنت تلميذًا وتظاهرت ضدّ فرنسا، وتحمّست لتأليف نقابة في المرفأ، ولزوال نفوذ ذلك العجوز صاحب المواعين، واشتركت في الحملات الانتخابيّة الّتي سقط فيها المرشّحون الأوادم..”

يُثبِتُ لنا الكاتب هنا عبثيّة السّعي في سبيل قضيّة سياسيّة، إذ إنّ الحال لن تتغيّر مهما اتّخذ الأفراد الثّوريّون من إجراءاتٍ ضدّها، ويُظهِر مدى يأس البطل ولامبالاته وسلبيّته المطلقة وتقاعسه عن أداء دوره السّياسيّ، ما يجعله مغتربًا عن السّياسة وعن كلّ من لا يزال يؤمن بها.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: هبة يزبك

تدقيق لغوي: مروة المنصور

تعليقات
جاري التحميل...