الغربة النّفسيّة.. في رواية “حكاية بحّار” للكاتب حنا مينة

(الفصول الثّلاثة الأولى)

حياة الكاتب: حنا مينة

ولد حنا مينة في اللّاذقيّة من عائلةٍ فقيرةٍ، فاضطرّ إلى العمل في الميناء كحمّالٍ ثمّ على المَراكب كبحّارٍ، كما عمل كأجيرٍ مصلِّح للدّراجات، كمربّي أطفال لدى عائلة غنيّة، كعامل في صيدليّة، وكحلّاق. أمّا بعد دخوله المعترك الأدبيّ، فأصبح كاتبًا لمسلسلات إذاعيّة باللّغة العامّيّة، وموظّفًا حكوميًّا، وروائيًّا.

دخل المعترك السّياسيّ في الثّانية عشرة من عمره، وناضل ضدّ الانتداب الفرنسيّ، لكنّه سرعان ما تخلّى عن الانتماء الحزبيّ وتفرّغ للأدب وبخاصّة الرّواية. تدرّج من كتابة الرّسائل للجيران والعرائض للحكومة، إلى كتابة الأخبار والمقالات الصّغيرة في صحف سورية ولبنان، إلى كتابة القصص القصيرة. أمّا حياته الأدبيّة فقد بدأت بكتابة مسرحيّة دونكيشوتيّة، ثمّ ألّف أوّل رواية بعنوان “المصابيح الزّرق”. له ثلاثون روايةً، ثمانٍ منها مُختصّة بالبحر الّذي عشقه، لكن من أشهر ما كتب: النّجوم تحاكم القمر، القمر في المحاق، نهاية رجل شجاع، بقايا صُوَر، الشّراع والعاصفة، الياطر، الأبنوسة البيضاء، و حكاية بحّار الّتي سنحلّل فيها شعور الاغتراب من خلال بحثنا هذا.

عاش حنا مينة رحلة اغتراب قاسية بين المدن، انطلاقًا من اللّاذقيّة إلى سهل أروز قرب أنطاكية، مرورًا باسكندرونة، ثمّ اللّاذقيّة من جديد، وبيروت، ودمشق. بعدها تزوّج وواجه مع عائلته ظروفًا قاهرةً، فتشرّدوا في أوروبّا وفي الصّين لسنواتٍ عديدةٍ.

تعريف الغربة

الغربة لغةً، مصدر غَرَبَ، وقد جاءت في المُنجِد بمعنى النّزوح عن الوطن، أمّا الغَرْبة فمعناها البُعْد، وغَرَبَ بمعنى ذَهَبَ وتَنَحّى وغاب، وغَرُبَ أي كان غير مألوفٍ، وغريب أي البعيد عن وطنه أو من ليس من القوم أو العجيب.

وإذا غصنا في مضامينها الاصطلاحيّة، فالغربة ظاهرة إنسانيّة تعالج مشكلات المجتمع الحديث، تعدّدت معانيها بمرور الزّمن، فشغلت الأدباء والمفكّرين والأنثروبولوجيّين والفنّانين. تعني الانفصال وعدم الانتماء، كما أنّها وعي الفرد بالصّراع القائم بين ذاته والبيئة المحيطة به، فتتجسّد بالسَّخط والقلق، والعزلة، والضّياع، والوحدة، واللّامبالاة، وفقدان الثّقة ومركزيّة الذّات، والعدوانيّة، ورفض القيم والمعايير الاجتماعيّة، والاغتراب عن الحياة العائليّة، والمعاناة من الضّغوط النّفسيّة. إنّما تختلف درجاتها بحسب طبيعة كلّ إنسان، واختلاف اتّجاهاته الفكريّة والنّفسيّة والاجتماعيّة، وقدرته على معالجة ما يواجهه من مشاكل.

إعلان

ننتقل إلى تحديد بعض التّعريفات والآراء حول هذه الظّاهرة، بدءًا من:

– هيغيل الّذي كان أوّل من استخدم مصطلح الاغتراب بمنهجيّةٍ وتفصيلٍ، وقد انقسم عنده إلى: اغترابٍ إيجابيّ ضروريّ للإبداع في العمل، وهو عمليّة تَخارُج الرّوح وتجلّيها في الطّبيعة ومختلف الأوجه الحضاريّة، واغترابٍ سلبيٍّ بمعنى الانفصال أو الانقسام وعدم التّعرّف إلى الذّات. أمّا ما جعل الاغتراب ينتشر في العلوم الفلسفيّة والنّفسيّة، فهو تخلّي مفهومه عن الازدواجيّة ليتّخذ المعنى السّلبيّ فقط، ويقترن بذلك بكلّ ما يهدّد الإنسان وحرّيّته بالاستئصال والتّزييف.

– كارل ماركس، ربط الاغتراب بالحياة الاقتصاديّة، وصوّره على أنّه عجز الإنسان أمام قوى الطّبيعة والمجتمع، إذ إنّ هذا العمل لم يعد يعكس شخصيّة المرء واهتماماته بل غدا في خدمة الآخر وتحت سيطرته. من هذا المنطلق لا يعتبر الاغتراب حالة مستمرّة بل متبدّلة بحسب الظّروف التّاريخيّة.

– فوير باخ، حصر الاغتراب بالوعي الدّينيّ والفلسفيّ والتّأمّليّ، إذ أصبح الدّين جوهر كلّ نظام سياسيّ. لكنّ باخ يعتبر أنّ الإنسان ليس في حاجةٍ إلى شريعة دينيّة بل إلى شريعة دولة فعليّة إنسانيّة، لأنّ الفكر الدّينيّ يُغَيِّب ويُغَرِّب العقل والمنطق، فهو قائم على فَرْضَين: الأوّل، القصص الدّينيّة حقيقة، والثّاني قواعد الإيمان حقائق منطقيّة.

– سارتر، اعتبر الاغتراب عن الذّات انعدامًا لحرّيّة الإنسان، إمّا جرّاء عوامل فرديّة (نظرة الآخرين تجاه فردٍ معيّن) وإمّا عوامل جماعيّة (قهر، تعذيب، استبداد، استعمار…)، وذلك لاتّصاف العالم في نظره، باللّامعنى والعبثيّة.

أنواع الغربة

– الغربة الثّقافيّة: شعور بالانفصال عن القيم السّائدة في المجتمع.
– الغربة الاقتصاديّة: وقد أوردناها سابقًا في نظريّة كارل ماركس.
– الغربة الدّينيّة: وقد اعتبرها ميلر من مظاهر الاغتراب الاجتماعي، حيث إنّ مؤسّساتها وتنظيماتها تتّخذ طابعًا إداريًّا، بيروقراطيًّا، عقلانيًّا. تطرّق إليها أيضًا فوير باخ كما أوردنا سابقًا.

– الغربة السّياسيّة: تتمثّل بإيمان الفرد بعدم تأثير أيّ فعلٍ في المسار السّياسي الرّاهن، فينتج عن ذلك شعورٌ باللّامبالاة والسّلبيّة المُطلَقة، وتباعد وتقاعص عن أداء دوره في هذا المجال.

أمّا الغربة الّتي تهمّنا في رواية حنا مينة “حكاية بحار”، مع الإشارة إلى وجود كلّ أنواعها الأخرى، فهي الغربة النّفسيّة، الّتي عرّفها علماء كفرويد وإيريخ فروم وكارين هورناي، على أنّها “شعور بعدم الارتياح وعدم الاستقرار، والقلق والشّعور بالضّياع والعزلة، وعدم الفعاليّة، والوحدة والتّضاؤل”، ما يؤدّي إلى “تفكّك مشاعر الفرد وإحساسه بعدم أهمّيّته والفصاميّة والذّهانيّة ومن ثمّ اختلال في الشّخصيّة”.

تنقسم الغربة النّفسيّة إلى:

– الغربة الاجتماعيّة: كما رآها الدّكتور محمود رجب، هي شعور بالفتور والجفاء والوحدة والانفصال، وقطع العلائق الاجتماعيّة؛ أي غياب المودّة والألفة والتّعاطف والمُشاركة والمحبّة، بين الذّات والآخر.

– الغربة الذّاتيّة: تشير إلى أنّ الفرد لم يعد يملك زمام ذاته (انسياقه وراء أفعاله)، تتمثّل كما قال فروم وهورناي، بنزوحٍ نفسيٍّ داخل مَواطِن نفس الفرد، لكنّه نزوح لا يتحدّد بوقت أو مكان، بل بالتّباعد بين طبيعة الفرد الجوهريّة ووضعه الفعليّ، هي صراع بين الذّات والموضوع، وتَضارُب بين حاجات ورغبات الفرد وبين الواقع المُتَوَهَّم وأبعاده (يؤدّي إلى جهل الشّخص لذاته الواقعيّة)، تصاحبها أعراض الانعزال والتّمرّد والرّفض والانسحاب والخضوع.

تجلّي أنواع الغربة في الرّواية

“إنّ فنّ الرّواية بمفهومها الحديث مفهوم طارئ على العرب، والعجيب أنّ الرّوايات في بواكير تكوّنها كانت تتحدّث عن الغربة والاغتراب، وبالأحرى عن صراع الثّقافات، ومشاعر الانفصام وعدم القدرة على الانسجام في المجتمع وفق تعبير علماء النّفس، وكانت أشبه بسيرة ذاتيّة لكاتبها.” كما مثّلت “حكاية بحار” عشق الكاتب للبحر، والفترة الّتي عمل خلالها على المراكب كبحّار، والّتي بعد تركها لدخول المُعتَرَك الأدبيّ سبّبت له شعورًا شديدًا بالغُربة عن البحر ونمط الحياة المُتعلِّق به.

سنستعرض بشكلٍ سريعٍ الاقتباسات المتعلّقة بالغُربة الاقتصاديّة، ثمّ السّياسيّة، بعدها الدّينيّة، لنسترسل أخيرًا بتحليلٍ مُفصّلٍ لكلّ ما يتعلّق بالغُربة النّفسيّة من خلال الفصول الثّلاثة الأولى من رواية حنّا مينة. فما الاختلاجات الّتي تركها التّأرجح بين الماضي والحاضر في نفس الكاتب؟ أأوصلته غربته إلى حالةٍ من الفصاميّة والذّهانيّة الكلّيّة (هلوسة، أفكار وهميّة، خلل في التّفكير، تعدّد شخصيّات) أم أنّه بقي على اتّصالٍ بالواقع؟

الغربة الاقتصاديّة

– “أمّا سعيد فقد قصد “البار” رأسًا. كان يُفضّل، على “كازينو” كهذا، مقهًا شعبيًّا، إلّا أنّ الأوادِم الّذين جاء معهم أمس، فرضوا عليه أن ينزل في هذه البقعة من الشّاطئ، وأن يلتزم شيئًا من السّلوك المُهذّب، فلا يأتي بالخمرة من الخارج، بل يطلبها من بار الكازينو.”

نلاحظ تضارُب الأذواق المُبين للاختلاف الطّبقيّ بين بطل الرّواية والنّاس الّذين يعمل لديهم، فهو يفضّل كلّ ما هو شعبيّ أمّا هم فتبهرهم مظاهر الأبّهة والتّرف. نشهد على انصياعه للأمر الواقع الّذي يخالف شخصيّته “فرضوا عليه”، ممّا يعزّز شعوره بالغربة.

قد يعجبك أيضًا

– “خُيّل إليه أنّ بَطْرًا قد أخذهم، وأنّه لو فُتِح كلّ يوم مقهى جديد، أو علبة ليل جديدة، لامتلأت بالرُّوّاد، فالطّبقة الغنيّة، الّتي صارت حديثًا غنيّة، تعبّر عن نفسها بهذا البَطر الإنفاقي، وأنّها باتت لا تعرف ماذا تفعل بنقود لم تتعب في جمعها، بينما الآخرون، الّذين نُهِبَت منهم كلّ هذه الأموال، يُواجِهون شَظَف العيش، ويجأرون بالشّكوى.”

يفصّل هنا وجهة نظره من الحالة الاقتصاديّة الرّاهنة، وامتعاضه من الهوّة المتولّدة بين الأغنياء والفقراء، ومن غياب العدل والضّمير، ومن الجشع وسلب الأموال، ومن المبالغة في المظاهر التّافهة. كلّ ذلك لأنّه من طبقة الفقراء ومنحاز إليها، ما يزيد من تباعده عن تلك الأجواء والجماعة الّتي جاء برفقتها كمدرّبٍ للسّباحة.

– “صحيح أنّه لم يعتد التّفكير الدّائم بقضيّة الغنى والفقر، […] لكنّه يعيش بين النّاس، ويسمع من الرّجال عشرات القصص المؤلمة، فيروح يتساءل: “لماذا؟ لماذا؟..” وعلى الرّغم من أنّه يعمل في البحر، ولا يقترب من المرفأ، ويكاد عالمه الخاصّ، المتوحّش، يُبعده عن الاهتمام بما يدور في المدينة، إلّا أنّ البحّارة، والصّيّادين، وعمّال المرفأ، يروون قصصًا لا تنتهي عن تحوّل المرافئ إلى حظائر لبعض أنواع اللّصوصيّة، وعن صناديق البضائع الّتي تُكسَر وتُنهَب، وعن شاحنات تخرج من كلّ مرفأ، حاملةً المنهوبات، من دون أن يستطيع خفير أو حارس أن يوقفها أو يصادرها. […] امتعض لذلك بغير تحفُّظ، تذكّر أنّ فُلانًا وفُلانًا، من أهل المدينة، لم يكونوا يملكون شيئًا، ثمّ فجأةً اغتنوا؛ صارت لهم أراضٍ وقصور وسيّارات… صاروا، بين عشيّةٍ وضُحاها من أصحاب الملايين. وأنّ فُلانًا وفُلانًا، من أولاد الذّوات، كانوا قبل سنوات مُجَرَّدين من أبَّهة السّيطرة الّتي مارسوها فيما مضى، وكانوا قد شرعوا يعيشون بتواضع، وقد خُيِّل إلى الجميع أنّ نُيوبهم قُلِعَت، فإذا هم اليوم يعودون إلى الظّهور، كأنّهم هم ذاتهم بالأمس. “ما يجري فظيع..” كان يقول في نفسه”

يبيّن لنا هذا الاقتباس عدم اهتمام البطل بالأحداث والمستجدّات الاقتصاديّة في وطنه، إلّا أنّه مجبرٌ على سماعها بطبيعة عمله بين بشرٍ يهتمّون لها، وهو يكره ذلك لأنّه يذكّره بالحالة البغيضة الّتي يحاول الهروب منها وعدم التّفكير فيها، تتمثّل هذه الحالة بموت الضّمير المهنيّ والإنسانيّ وبانحلال الأخلاق وبغياب الأمن ومحاسبة الطّبقة الرّأسماليّة المُحتَكِرة والجائرة.

– “[…] ليقدِّمْنَ تسليات ترفيهيّة لأصحاب الملايين الّذين تكاثروا تكاثُر الفُطْر في غابةٍ وحشيّةٍ، وكان يتساءل بحَنَقٍ: “لماذا يحدث كلّ هذا؟ ثمّ لا يلبث أن يعترف قائلًا في ذات نفسه: لا أدري؛ لا أدري!…”.

يزداد غضبه على أصحاب الملايين، فيشبّه وطنه بالغابة وهي الفوضى العارمة والسّائبة، كما يشبّه الأغنياء بالوحوش والفطر الّذي يتغذّى على حساب الأشجار عادةً، ما يجعل طبقة الفقراء أشجارًا مُثمِرة ترزح تحت متطلّبات الرّأسماليّة، فتغدو تابعة لا تتمتّع بهويّة فرديّة تعبّر عن اهتماماتها، بل يصبح عملها من أجل الآخر المُهَيمِن. تتجلّى غربة البطل بعجزه، أمام هذا المجتمع، عن تحقيق أهدافه وذاته المستقلّة.

الغربة السّياسيّة

– “أتساءل: يأتي يوم نتخلّص فيه من الظّلم، من الاضطهاد، من الاستغلال، من الفقر، من العدوان؟ إلامَ تستمرّ لعبة الكراسي والحُكّام؟ منذ أن وعيت الوجود وأولاد المدارس يتظاهرون، والأحزاب تتكاثر، والاجتماعات تُعْقَد، ويقولون أشياء كثيرة، ولكن ماذا يُجدي ذلك؟ متى تتحرّر فلسطين؟ ومتى يستعيد العرب أراضيهم وحقوقهم؟ ومتى يتوقّف نهب الأغنياء للفقراء، وتكفّ الأسعار عن الارتفاع؟ إنّني، بعد كلّ شيء، مواطن، وأنا نفسي كنت تلميذًا وتظاهرت ضدّ فرنسا، وتحمّست لتأليف نقابة في المرفأ، ولزوال نفوذ ذلك العجوز صاحب المواعين، واشتركت في الحملات الانتخابيّة الّتي سقط فيها المرشّحون الأوادم..”

يُثبِتُ لنا الكاتب هنا عبثيّة السّعي في سبيل قضيّة سياسيّة، إذ إنّ الحال لن تتغيّر مهما اتّخذ الأفراد الثّوريّون من إجراءاتٍ ضدّها، ويُظهِر مدى يأس البطل ولامبالاته وسلبيّته المطلقة وتقاعسه عن أداء دوره السّياسيّ، ما يجعله مغتربًا عن السّياسة وعن كلّ من لا يزال يؤمن بها.

– هذا الشّاهد طويل جدًّا، يتلخّص بـِ: تحدّث عن رجلٍ ميكانيكيٍّ كان يناضل في سبيل نقابة لعمّال الرّيجي، وراح يصف صبره الشّديد على الرّغم من كلّ العقبات والسّجن في سبيل القضيّة والتّسريح التّعسّفيّ، كما أطال الكلام عن مدى إيمان هذا الرّجل بالقضيّة وأهدافها، وهي منح الحقوق للعمّال من تعويض وطَبابة، وتحديد ساعات العمل، وأيّام عطل مدفوعة، مع أنّه من المرجّح أن يموت قبل رؤية كلّ ذلك يتحقّق. ثمّ قارن نفسه به واعترف بقلّة صبره قائلًا “وأنا ابن هذا الوطن، وكلّ ما فيه يهمّني.. وأريد أن تكون الحال أفضل.. لكنّني لا أستطيع الانتظار.. أستطيع أن أموت الآن.. لأجل القضيّة أموت الآن.. لكن انتظار عشر سنوات وعشرين سنة.. آه؛ كيف تتحمّلون كلّ هذا؟” ، بذلك نرى الفارق الكبير بين موقفه من السّياسة وموقف الآخرين، نشهد على غربته عن فكرة النّضال الطّويل والمُتْعِب في سبيل شيءٍ لن يتحقّق.

– “إنّ ذلك العامل ليس كلّ من صادف من هذه الشّاكلة. عرف الكثيرين من أمثاله، إنّه يحمل لهم احترامًا خاصًّا، لا طاقة له على النّضال مثلهم. لكنّه يحبّ فيهم نضالهم، لقد حفظ الوصيّة جيّدًا.”

هذا الشّاهد واضح لا حاجة إلى تفسيره، فالكاتب نفسه ينفي امتلاكه لما يمتلكه المناضلون، ويؤكّد حياديّته عن أفعالهم، وغربته المعتدلة غير التّامّة عن قناعاتهم السّياسيّة.

– “هكذا يقولون، ويقولون أيضًا: “النّقابة بغير سياسة لا قيمة لها.. المُهِمّ أن يتحرّر الوطن وأن يتقدّم.. ألا ترى أنّه يتقدّم وأنّنا نتقدّم؟”. قال سعيد في نفسه وهو يستعيد هذه الكلمات: “التّقدُّم؛ التّقدُّم؛ فأين هو هذا التّقدُّم؟ ولماذا لا يحدث دفعةً واحدةً ونستريح؟ وما نفع كلّ الجهود الّتي بُذِلَت إذا لم تصبح الأحوال حَسَنة كما نريد؟ وهذه الفئة الّتي اغتنت فجأةً وصارت لا تشرب سوى الوسكي.. من يضع حدًّا لها؟”.”

نعود من خلال هذا الاقتباس إلى الشّاهد الأوّل وتفسيره، يأسٌ مُدقِع وتقاعس كُلّيّ وغربة تامّة عن الأوضاع السّياسيّة الرّاهنة في وطن البطل.

الغربة الدّينيّة

– “إنّه ليس بريئًا، لكنّه أقرب النّاس إلى اللّه، فهو الكافر المؤمن، المتمرّد الخاضع، وهو القويّ الّذي تحبّه القوّة، والمُثْقَل بالذَّنب والجدير بالغُفران أيضًا.”

قال هذا بعدما سمع أغنية “يا بنت يا سمرا” لفيروز واسترسل في خياله بوصف امرأةٍ وهميّة بطريقة شهوانيّة على أنّها “وليمته القديمة” و”عشقه المُبرِح” الّذي يدفعه إلى “الانتحار غرقًأ” و”خطيئته القاتلة كبحّار”. هو ليس بريئًا؛ لأنّه متعلّق بالأمور الأرضيّة وحاجات الإنسان الجسديّة والدّين يتحدّث بالمثاليّات والرّوحانيّات الصّافية الّتي تشعر كلّ بشريّ بضعفه وغربته عن اللّه الكامل، لكنّه أقرب النّاس إلى اللّه، وأكثرهم جدارةً بالغفران لأنّه يعترف بما يقترف ويعي أهواءه ولا يخجل من الإفصاح عنها، ما يغرّبه عن عقليّة المؤمنين المغلقة والمحدودة الّذين يعتبرونه كافرًا خاطئًا. وهو المتمرّد بحيث إنّ المؤسّسات الدّينيّة أصبحت سياسيّة واقتصاديّة تسعى إلى السّلطة والرّبح وتهمل الفقراء بعد إقناعهم بجوائز الآخرة، أمّا هو فلا يصدّق هذا يريد العيش بكرامة الآن في هذه الحياة ويريد أن ينفصل الدّين عن الرّأسماليّة ليصبح من وإلى الشّعب الكادح، لكنّه ولأسفه الشّديد خاضع للأمر الواقع لا يسعه أن يعيش بحسب قناعاته، فيتولّد في نفسه شعور حادّ بالغربة.

– “خُيِّل إليه أنّ فيروز تلعب بالفردوس، وأنّها قادرة أن تنتشل سامعها من الجحيم، أن تشفيه من الجنون أو تسرع في جنونه،”

هذا القول بالنّسبة إلى قارئ مُتديّن متعصّب، يعتبر هرطقة وكفر وتجديف، إذ يضع البطل فيروز في منزلة اللّه، ما يخلق نفورًا بينه وبين سامعيه وتاليًا غربة في المعتقد الدّيني بين الانغلاق والانفتاح.

الغربة النّفسيّة

الغربة الاجتماعيّة:

– “وبعد أن تنهّد بحرقةٍ أضاف: “لَكَمْ أحببتها وتعذّبت في حبّها؛ ولَكَمْ كابَدْتُ الشّوق وقاسيتُ الحرمان، وظللتُ رغم ذلك عاجزًا عن نسيانها!”.”

هذا الانفصال عن الحبيبة الّتي اعتبرها موطنه، أفقده انتماءه إلى ذاته أي توءمه الرّوحيّ؛ وذلك لعبثيّة الحياة الاجتماعيّة الّتي تَحُوْل دون لقاء الذّات بالآخَر المَرغوب به، فتُولِّد لدى الفرد شعورًا بعدم الارتياح والضّياع والوحدة والتّفكُّك النّفسيّ.

– “كان سعيد يرتجف، لقد أهانه الفتى بغير شف،ة. ومع أنّه كان على ثقة قليلة بالفوز، إلّا أنّه قرّر ألّا يترك السّاحة قبل العراك، قد تكون هذه آخر مغامرةٍ له، وقد يُهزَم ويودّع البحر مهزومًا، لكن هذا يظلّ أفضل من أن يغادره مسحوبًا من المعركة. تقدّم منه الفتى مزهُوًّا. كان على يقين من النّصر،  إنّ هذا الكهل لن يصمد أمامه في الماء، ولسوف يسبقه بغير مشقّة، وستشهد الشّمس، والبحر، والحاضرون، نهاية بحّارٍ شيخٍ يريد أن يسابق بحّارًا فتًى.”

البحر بالنّسبة إلى البطل مشحون بالأبعاد الوجدانيّة والانفعاليّة والرّمزيّة والإيديولوجيّة، علاقته به أليفة وحميمة، لكنّه بات يمثّل القلق والعدوانيّة وفقدان الثّقة بالنّفس وغياب التّعاطف والمشاركة والمحبّة، جرّاء موقف الفتى من السّباق ونظرته المهينة إلى شيخوخة البطل، ممّا جعله يتأرجح بين ماضيه المجيد القويّ القَهّار وحاضره الضّعيف المَغلوب على أمره. ووقد سبّب له هذا التّصادم الاجتماعيّ حالة من البرانويا تمثّلت بخوفه ممّا سيقول عنه النّاس وبخاصّة النّسوة اللّواتي جِئنَ بصحبته في حال خسارته أمام الفتى، منعه ذلك في ما بعد من مواجهتهم ففضّل عليهم عزلة خيمته، ومن هنا تولّدت الغربة الاجتماعيّة.

– “نام ثمة وفي الحلم رأى أطيافًا من الماضي. أحبّها إليه كان طيف أمّه. “آه يا بُنَي –قالت له- اليوم عدتُ من السّفر، كنتُ بعيدة وعدتُ من السّفر، لكنّني لم أجدك في المحطّة. كان النّاس ينتظرون النّاس، ولم يكن هناك من ينتظرني، وفي الزّحمة ضاعت حقيبتي، عبثًا بحثتُ عنها، بكيتُ.. استشعرتُ الغُربة والوحدة فبكيتُ.. ثمّ وجدتُ نفسي في عرسٍ. كنتَ أنتَ العريس، وكنتُ ملهوفةً إليك. حاولتُ التّقدّم فلم أستطع، ردّني المُحتفِلون إلى وراء، صرختُ: “أنا أمّ العريس”، ناديتُكَ “يا سعيد، يا بُنَي” لكنّكَ لم تلتفت إليّ، كنتَ حزينًا ولم تلتفت إليّ، غبتَ عنّي من جديد، فلمّا خرجتُ رأيتُكَ، لا أدري كيف، قد سبقتني، كنتَ عند الباب، في يدكَ باقة وردٍ، لكنّ ثيابكَ لم تكن جديدةً، وذقنُكَ نابتة.،قلتَ لي: “هيّا بنا نمضي سريعًا” “والعروس؟” “لا أريد العروس.. لستُ لائقًا بها” “ولكنّكَ زينة الشّباب”، “كنتُ كذلك يومًا يا أمّاه.. الآن ضاع كلّ شيء.. أسرعي، فالّذين في الدّاخل يريدون القبض عَلَيّ.”

حزن شديد، يأس، لامبالاة “ذقنك نابتة”، شعور بعدم الاستقرار والفتور والجفاء بين البطل وأمّه “لم تلتفت إليّ”، والبطل والعروس “لا أريد العروس”، والبطل والمحتفلين، أحاسيس تصل به إلى حالةٍ من الهَذيان وخاصّة في اعتقاده أنّ النّاس يريدون القبض عليه وكأنّه ارتكب جريمةً ما، لعلّها اختلافه عنهم في التّفكير والتّصرّف. ومن المعروف أنّ الحلم هو تجسيد لهواجس المرء المَرمِيّة في اللّاوعي، فنكتشف أشدّ مخاوفه: فقدان أمّه بسبب الموت، فقدان حبيبته بسبب اختلاف الطّبقة الاجتماعيّة “ثيابك لم تكن جديدة” و”لست لائقًا بها”، ورفضه من المجتمع. وبذلك نرى مدى غربته الاجتماعيّة، ففي الحلم تتداخل الأمور وتفقد وضوحها لتصبح رمزيّة، ولعلّ العرس رمز جنازة الأمّ، والأمّ رمز ابنها تتكلّم بلسانه عندما تقول إنّها لم تجد من ينتظرها وإنّها تشعر بالغربة والوحدة، والسّفر رمز الغربة المكانيّة وتشرّد الكاتب المُتَمَثِّل بِـ”سعيد” في الرّواية، وضياع الحقيبة رمز الضّياع النّفسيّ أي انحلال الذّات المتفرِّد للبطل في مجتمعٍ لا ينتمي إليه.

– “عروس البحر لم تظهر له ليلة أمس، اليوم أدرك السّبب. لم يعد سيّد البحر.”، “وقال في ذاته “ليس لي بينهم أمّ ولا حبيبة”.

“عروس البحر” غير واقعيّة وهميّة امرأة من تخيّله يريد حبّها وإعجابها، لكنّ ذلك مؤشّر لحالة الذُّهان النّفسيّة، الّتي تسبّبها استنكاره لواقعه الضّعيف وعجزه عن استرجاع ماضيه المليء بالانتصارات. يمكننا وضع هذا التّحليل تحت خانة الغربة النّفسيّة، إنّما تلك العروس تتعدّى شخصها لتمثّل كلّ النّساء في مجتمعه، كلّ النّساء اللّواتي يحلم بالحصول على اهتمامهنّ لكنّهنّ لا يكترثن له؛ لأنّه أصبح عجوزًا مُسْتَضعَفًا لا فائدة من وجوده بحسب اعتقاده، وهذه حالة اغترابٍ اجتماعيّةٍ بامتياز.

– “ومرّ بالنّاس من حوله دون أن يلتفت إلى أحد، ودون أن يأبه لأيٍّ من الأجسام المتمدِّدة على الرّمل من حواليه.”

يجسّد لنا هذا الاقتباس تعريف الدّكتور محمود رجب للغربة الاجتماعيّة بحذافيره، أي حالة من الفتور والجفاء واللّامبلاة والانفصال وقطع العلائق الاجتماعيّة نهائيًّا؛ نظرًا لغياب المودّة والألفة والتّعاطف والمشاركة والمحبّة بين الذّات والآخر.

– “شيء واحد عتب له، أنّ امرأة واحدة بين هؤلاء النّسوة، لم تكن له أمًّا ولا حبيبة، ولم تَتَحَدَّ من معها وتأتي إليه، وتسأله ما به، وتُلامِس شعره لتُزيل ما به، ولم يكن يدري أكان ذلك جُبْنًا أم استهتارًا أم لامبالاة.”

يعبّر هذا عن الوضع الفصاميّ للمجتمع ككلّ فكما هو يستعطي اهتمام الآخرين به، لكنّه يتحفّظ عن الإفصاح عن ذلك حفاظًا على كرامته ورجولته، ويلبس قناع اللّامبالاة تجاه الجميع فلا يظهر لهم عاطفته، كذلك كلّ البشر فتصبح العلاقة متبادلة والحالة مشتركة والحياة الاجتماعيّة عاقرًا.

– “وتظلّ المرأة، في المنفى البحريّ الاضطراريّ، الّذي يدوم ويدوم، أمنية البحّار الّذي يعيش على الماء وقلبه مشدود إلى اليابسة. لأجلها هي، من دون سواها، يتقبّل سِياط الحرمان الّذي يحفر أخاديد على ظهره، وحين تحتويها ذراعاه، يصبح ثأره في فمه، في أصابعه، في كلّ جارحةٍ من جسده الّذي يتشهّى تلك الهُنَيْهة المجنونة من شَبَقٍ ورغبةٍ في الانتقام.”

نشهد في هذا الاقتباس على توق “سعيد” إلى التّواصل الاجتماعيّ، ونرى الصّراع بين رغبتين أو حاجتين أو عشقين، هما البحر والمرأة، ممّا يخلق في نفسه ضياعًا وعدم استقرارٍ وقهرًا وتعذيبًا. والحرمان ليس إلّا غربةً عن أحد الطّرفين، فعند إبحاره يفتقد المرأة وجموح الجسد، وفي خضمّ الشَّبَق يشعر بالغربة عن البحر. إنّما صراعه أبديّ عبثيّ، لا محال من الجمع بين عشق العزلة وتشهّي الاهتمام والعاطفة الجسديّة كما الرّوحيّة.

_ “[…] حين وجد أمامه، على باب الخيمة، أحد الرّجال الّذين جاء معهم إلى الشّاطئ. أسقط في يده فلم يستطع الاختباء، لم يفده أنّه في العتمة،”  […] “ولماذا تنفرد عنّا وتتخفّى؟ لو أخبرتنا لذهبنا معك… نحن أيضًا نحبّ أن نبلّ فمنا بعد يومٍ كاملٍ من السّباحة.  -لا أحبّ الجلوس هناك (قالها وأشار إلى الكازينو).

– لو كنتَ برفقتنا لأحببتَ.. السّهرة في الكازينو ممتعة…

– أفضّل عليها السّهر على الشّاطئ…

– ولماذا لم تأتِ إلينا؟

– لا أدري.. لديّ رغبة في المكوث وحيدًا.

[…] “ارتاح سعيد عندما غادره الرّجل. وَجَدَ أنّ من المستحيل الكلام معه على ما جرى في الصّباح، ومن المستحيل أن يفهم لماذا هو في الخيمة ومقدار حاجته إلى الوحدة. إنّ رجلًا مثله يعتبر البحر حوضًا كبيرًا للسّباحة، لا يستطيع أن يفهم غير ذلك، ومن العبث أن تتحدّث إليه عن مشاعركَ الخاصّة، مشاعر إنسانٍ حِيال البحر، وفي ليلةٍ مُقْمِرَةٍ كهذه، وفي هذا الجوّ الرّائع الّذي أفسده بأسئلته الغبيّة وإلحاحه الفَظّ. […] صمّم على الرّحيل. مُحال أن يستطيع التّفاهم مع أمثال هذا الرّجُل. ليس بينهما لغة مشتركة، وقد يكون السّبب في هذه الجفوة مزاجه هو، لكنّه لا يقوى على الاحتمال،”

يلخِّص هذا المشهد، نوعًا ما، مفهوم الغربة الاجتماعيّة ومقوّماتها، إذ يظهر سَخْط “سعيد” على جميع الأصعدة: المعايير والقيم الاجتماعيّة من حيث محاولته الفرار من مُرافقيه وارتياحه في الانفراد، والطّبقيّة حين عبّر عن اختلاف الرّأي بين حبّه للشّاطئ البسيط المُمثِّل للفقراء وانبهار الرّجل بالكازينو المُتْرِف المُمثِّل للأغنياء، والشّخصيّة؛ أي إحساسه بعدم الانتماء إلى هذه الجماعة، ولعلّ سبب ذلك غير مباشر غير مقصود وهو ببساطة اختلاف طبيعته الفرديّة عن طبيعة أيّ فردٍ آخر، فيحدث التّصادم بخاصّة مع من لا يحترم هذه الخصوصيّة والحرّيّة.

الغربة الذّاتيّة:

– “وقد قال في نفسه: “وداعًا أيّها البحر”، قال أيضًا: عليَّ أن أودّعه كبحّار، لقد انتهى كلّ شيء الآن، لم يعد الماء ملعبي ومملكتي. كابرت كثيرًا، ورفضت تقبّل هذه الحقيقة، وأصررت على أنّني لن أهرم، وسأظلّ ذلك البحّار الّذي كنته، لكنّ الأعوام، الأعوام الطّويلة، أوهَنَت قواي، وصار عليَّ منذ الآن، أن أقف على الشّاطئ وأخوض في الماء بمقدار. سأسبح كما يفعل الآخرون، وقد أذهب في العمق قليلًا، لكنّني لن أكون فارس البحر بعد اليوم. […]، لقد تعب البحّار ولم يتعب البحر، […] البحر يُجدِّد شبابه والبحّار يمضي إلى الشّيخوخة.. آه، لماذا البحر يجدّد شبابه والبحّار يمضي إلى الشّيخوخة؟”

يتحسّر “سعيد” على ماضيه، فهو الآن يعاني من التّباعد بين طبيعته الجوهريّة وهي عشقه للبحر والإبحار والسّباحة، ووضعه الفعليّ أي الشّيخوخة الّتي أخارَت قواه ولم تعد تسمح له بتحقيق ذاته، فيتولّد من هذا الصّراع بين الذّات والموضوع انعزالًا وانسحابًا وخضوعًا، بعد الاعتراف بالهزيمة أمام مشيئة الطّبيعة.

– “استعاد بفرحٍ طفوليٍّ حاله يوم كان بحّارًا،” “وهو لم يعد بحّارًا، مضى زمن البحر، ترك المِهنة ومعها مسارات قلبه.”

بحسب تحاليل علم النّفس، تتّضح لنا معاناة “سعيد” من درجةٍ متوسّطة من الذّهانيّة، إذ هو فقط يستعيد الحالة ويتخيّل بعض الأمور غير الموجودة، لكنّه يعود في مواضع أخرى إلى التّعرّف إلى واقعه. حتّى أنّ بعض علامات الفصاميّة (مراحلها الأولى) تظهر في التّضارب العنيف بين واقعه الحقيقيّ أي تركه لمهنة البحّار والمُتَوَهَّم، أي حاجته إلى الإبحار واستعادة حماسه وأمجاده.

– “كان قريبًا من البحر يستعيد، وهو يرنو إلى النّجوم، صورة “عروس البحر” الّتي خرجت إليه ذات ليلة صيفٍ.”

هنا أيضًا من الممكن أنّه يُهلوِس، إذ لا وجود لعروس البحر في الحقيقة وفي العقل البشريّ المنطقيّ الواعي، ومع ذلك يؤكّد في مواضع عديدةٍ ظهورها له. لكن من الممكن أن تُمثّل امرأةً حقيقيّة أحبّها لدرجة أنّه رآها بصورةٍ ساحرة، ثمّ فقدها لسببٍ ما، إنّما هذه النّظريّة غير مثبتة في الفصول الثّلاثة الأولى من الرّواية.

– “ولم يقل سعيد شيئًا وإن كان توتّره قد ازداد بصورةٍ ملحوظةٍ. لقد قبل التّجربة وانتهى الأمر، هو يعرف النّتيجة لكنّه لن ينكص. قبل قليل كان سبّاحًا لا يُضاهى، كان استمرارًا للماضي الّذي ارتطم الآن بالحاضر. إنّ الحاضر سيكون حدًّا بين ماضيه ومستقبله، وهو لن يرفض مهما يكن. سيبذل جهده، ويستنجد بكلّ قواه، ويقذف بنفسه في اللُّجّة تاركًا لها أن تقرّر مصيره.”

هنا ينساق “سعيد” وراء أفعاله ويفلت زمام ذاته، فيتمرّد على محدوديّته العمريّة ويرفض تقبّل هذا التّغيُّر، جاهلًا ذاته الواقعيّة، ومُستَنكرًا لوضعه الرّاهن بتركه القدر يقرّر نتيجة قراراته وأفعاله.

– “كان فوزًا صعبًا، لا يليق به، ولا يتكافأ مع ماضيه. إنّ البحر منذ اليوم، لم يعد ملعبه ومملكته، […] إنّه يشيخ، وتلك هي الحقيقة.”، “ثمّ استدار نحو الشّاطئ، وأَوْلى ظهره للبحر: وداعًا للبحر!”

الاعتراف المتكرّر بالهزيمة والاقتصار على الحقيقة المريرة لحاضر البطل يحوّل الفضاء في نفسه من حضنٍ دافئٍ محبٍّ أَمَوِيّ إلى مكانٍ يخلق في ذاته حلّة من الرُّهاب، فيستشعر غربة مشاعره الحاضرة عن تلك الماضية.

– “الأحلام جميلة، مؤسِية، وكلّما تقدّم المرء في العمر، رآها عذبةً، تستثير حنينًا دفينًا.”

الأحلام هنا لا تشير فقط إلى ما يأتي في المَنام إنّما تضمّ أيضًا أحلام اليقظة، وأحلام “سعيد” كثيرة أوّلها استعادة صباه وقواه، ثانيها استعادة نشاطه السّياسيّ وحماسه لقضايا الوطن، ثالثها استعادة أمّه وحنانها واهتمامها ودفء حضنها، ثالثها استعادة الحبيبة المفقودة الحقيقيّة أم حوريّة البحر الخياليّة. تغرق هذه الأحلام نفسه بالمآسي لغيابها ولعجزه الكامل عن استرجاعها، فتعيدنا إلى تأكيد حالتي الفصاميّة والذّهانيّة.

– “إنّه يذوب في النّداء الأوّل، للمرأة الأولى الّتي احتضنته.”، “آه لو ترجع الأمّ، لو يعود الماضي، ومرّةً أخرى، كما في شريط، ترجع الحياة، وأيّام الصِّبى والشّباب.”

تبيّن هذه الأقوال حنين “سعيد” إلى أمّه، أي إلى الماضي بكلّ ما فيه من ذكرياتٍ جميلة عذبة، حنينًا إلى المحبّة والعاطفة والاهتمام، وهي مقوّمات الحياة العائليّة المَفقودة في الحاضر. كما أنّ الكاتب يقارن أيّام الشّباب الماضية بحاضر الشّيخوخة من خلال التّمنّي، وبالنّظر إلى كثرة تكرار هذه الفكرة في الرّواية واتّخاذها المحور الرّئيس، فتتحوّل إلى هاجس يعرقل نواحي حياة البطل المُختلفة، ممّا يمكّن علماء النّفس بتعريفها بالفُصامِيّة، وهي حالة من النّزوح الدّاخليّ المتكرّر بين واقع الفرد وتخيّله لذاته والعكس.

– “كان الآن حياديًّا تجاه البحر، انقلب الشّوق إليه إلى نوعٍ من حنينٍ وقهرٍ في ذاته، تمامًا كما يحسّ الرّجل إزاء امرأةٍ فارقها عاجزًا لا مُرتويًا.”

يكاد يكون العجز محور الرّواية، عجز سياسيّ، عجز اقتصاديّ، عجز دينيّ، عجز اجتماعيّ، والآن عجز نفسيّ عن تقبّل الذّات البشريّة المتحوّلة، وعجز عن تقبّل العجز!، وهذا يسبّب له إحساسًا بعدم الفعاليّة، ليس فقط حنينًا وقهرًا، إذ إنّه شبّه هذا الشّعور بالعجز الجنسيّ ممّا يمسّ عادةً رجولة الرّجل وكرامته وشرفه وسُمعته ويؤدّي إلى حرجه وغضبه وعدوانيّته، تجاه نفسه وحبيبته والنّاس، في مواجهة أحكامهم عليه. والمرأة المعشوقة لـ”سعيد” هنا هي البحر، الّذي غدى يشعر تجاهه بالنّفور والعتب بدلًا من الشّوق، أمّا القول بالحياديّة فليس إلّا غطاءً استنكاريًّا لما يكنّه الآن تجاه البحر وذاته.

– “ما أطيب أن تكون للرّجُل، في خيمةٍ مغمورة بضياء فضّيّ، امرأة عارية، يضع ساعده تحت رأسها؛ لقد حدث في أيّام الشّباب، أن كان له امرأة في خيمة، وكان ضوء القمر يغمر الخيمة، فتناول سكّينه وأحدث فُتحةً انسكب منها ضوء القمر على الجسد الغضّ، وجلس هو يشرب سيكارة ويتأمّل.”

لا يتحسّر على المرأة هنا من النّاحية الاجتماعيّة التّواصليّة ولا من النّاحية الجسديّة الجنسيّة، بقدر ما يتحسّر على السُّكون والهدوء وراحة البال الّتي كان يتمتّع بها أيّام الشّباب، يُظهر الكاتب ذلك من خلال فِعل التّأمُّل، فيحنّ إلى القمر والخيمة رمزَي الوحدة والانعزال، يحنّ إلى استخدام السّكّين رمز القوّة والقرار المستقلّ، ويحنّ إلى الجسد الغضّ رمز الصّبا والجمال والطّهارة، وعادة شرب السّيكارة لم يغيّرها هي الوحيدة الثّابتة في مسار حياته ولعلّها تُمثّل النَّفَس العميق شهيقًا وزفيرًا، ومن المدخّنين من يقول إنّها تساعد على التّهدئة والتّفكير الإبداعيّ، لكنّ “سعيد” مغترب عن كلّ تلك الأحاسيس…

– “اللّيل والنّوم، في ساعات الأسى، يعطيان رؤىً كئيبة. تكون الرّقابة الصّارمة للوعي الّذي يرفض التّنازل، غائبة، وعندئذ ينسج الوهم بيت عنكبوت صغيرًا على العزيمة فيُضعِف منها.”

يعترف بالتّناقض بين وعيه ولاوعيه، فالأوّل ما زال يناضل رافضًا الواقع المأساويّ، أمّا الثّاني فيعترف بالهزيمة وبأوهام الوعي الّتي شبّهها ببيت العنكبوت، إذ خيطانه رفيعة جدًّا وشبه شفّافة غير مرئيّة لكنّها قويّة وتمتدّ لتغلّف كلّ المفاصل، هذا ما يُعرَّف بالواقع المُتَوَهَّم وأبعاده وتاليًا الفصاميّة والذّهانيّة معًا، حيث تأتي الفرد فتراتٌ يجهل استنكار وعيه للواقع ويجهل أنّ وعيه يتوهّم رغباته، لكنّه يعود إلى رشده في فتراتٍ أخرى لكنّها تعذّبه فيفضّل العودة إلى الخيال، فيخلق هذا لديه انشطارًا في الشّخصيّة.

– “ومن جديد هاجمته الخواطر، فأدرك أنّ اللّحظة الّتي هو فيها ليست حاضِرًا بقدر ما هي ماضٍ.”

يبيّن هذا الاقتباس الشّقّ الثّاني من التحليل الّذي سبقه فهنا تظهر فترات الوعي الكُلّيّ الصّافي لعمليّة الانشطار، فيفصل ماضيه عن حاضره، ويستطيع تحديد ما هو مجرّد خاطرة وما هو الحقيقة السّائدة.

خاتمة

هكذا إذًا تجلّت الغربة في رواية حنا مينه وتأصّلت، فأمسكت بزمام الأحداث والأفكار والتّصرّفات، كما أربكت الحواسّ والوعي والمنطق. أجمعت اختلاجات البطل “سعيد” بمختلف أنواعها على مبدأ الغربة، وقد نسجت حول وعيه لحقيقته الرّاهنة وهي الشّيخوخة والشّيب والهَوان، بيت عنكبوتٍ أمسك هالة الماضي المجيد بإحكامٍ، فأعمى عينيه ليرى بياض شعره شبابًا لا شيبًا، وأغلق أذنيه ليسمع صوت أمّه الرّاحلة المألوف بين النّاس الغرباء اللّامبالين، وخدّر ملمسه ليعيش حالة الشّبق الجسديّة المفقودة.

أوصله هذا الصّراع الحادّ بين الماضي والحاضر، بين الذّات والآخر، بين الرّغبات والقدرة الفعليّة، إلى الهذيان فغدا يتخيّل حوريّة البحر تأتي إليه في ليلةٍ مُقمرة وتخاصمه لعجزه عن إرضائها، وعاش حالةً من الرُّهاب ظانًّا بأنّ النّاس يلاحقونه بهدف القبض عليه، وأوهم نفسه بالقوّة والعزم فقبل تحدّي الفتى بالسّباحة حتّى انقطع نَفَسه وخذله وهمه مُرتطِمًا برمال الواقع. كما نشهد على نوعٍ غير حادٍّ من الفصاميّة، إذ يرنو إلى ما لا يستطيع، فيعيش في حالتين مختلفتين ويتأرجح بين الوعي واللّاوعي، يتعرّف إلى نفسه طورًا ويجهلها تارةً، لكنّه لا يفقد الخيط الرّفيع الّذي يربطه بالعالم الفِعليّ.

أثبت “سعيد” طبيعته القويّة، وعزمه على البقاء، وقدرته على مواجهة ومعالجة مشاكله العديدة، فجاء اغترابه إيجابيًّا سمح له بالنّضال والإبداع بعمله أي الإبحار، وسلبيًّا تجلّى بالانفصال عن المجتمع والانقسام ما بين الماضي والحاضر وعدم التّعرّف إلى الذّات في بعض الأحيان. لكن يمكننا القول، وعلى الرّغم من كلّ أعراضه: إنّه شخصيّة لم تصل إلى الحالة الكلينيكيّة من الذّهانيّة والفصاميّة وإلى فقدان الذّات كلّيًّا، إنّما هي تعاني من اختلالٍ في الشّخصيّة ككلّ بشريٍّ يجابه هذا الكَمّ من الغربة في حياته اليوميّة. فهل تصحّ هذه النّظريّات وتنطبق على ما تبقّى من فصول الرّواية أم تتهاوى مع تبلور الشّخصيّة؟

المصادر:
- لا كاتب، المنجد في اللّغة والأعلام، بيروت: دار المشرق ش.م.م.، ط 38، ص 547 (مادّة:غَ رَبَ)
- حنا مينة حكاية بحار بيروت: دار الآداب، ط.1، شباط 1981
المراجع:
- لدّكتور أحمد علي ابراهيم الفلاحي، الاغتراب في الشّعر العربي في القرن السّابع الهجريّ دراسة اجتماعيّة نفسيّة، الأردن: طبعة دار غيداء للنّشر والتّوزيع، 2013، ط 1، ص 10
- لا كاتب، الاغتراب النّفسي، أكاديميّة علم النّفس، لا ت.
- لا كاتب، الغربة وبواكير الرّواية، 19/08/2015
No author, no title, 28/08/2003 -

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: هبة يزبك

تدقيق لغوي: مروة المنصور

اترك تعليقا