تأخذك إلى أعماق الفكر

العدم الذي لا اسم له ولا صورة- “الإله”

العدم الذي لا اسم له ولا صورة- "الإله"

للوهلة الأولى قد يبدو العنوان صادمًا، ولكن المقصود به عكس ما قد يُفهم منه تمامًا؛ فلست هنا بصدد إعدام فكرة الإله نفسها، وقطعًا لا يستطيع أحد أن يجزم بذلك، ولكن المقصود هنا بـ(العدم) هو عدمية معرفتنا بحقيقة الإله، وعدمية الأسماء التي يحاول الناس إطلاقها عليه، وعدمية الصفات التي يحاولون إسقاطها عليه وفهمه من خلالها، وعدمية محاولاتهم القاصرة في الوصول إلى ماهية الذات الإلهية والتي قد تصل بهم إلى تشويه الذات الإلهية والانتقاص منها، بل قد يرتكب الفكر التصوري الإنساني القاصر انتقاصًا في حق الإله بتصوره وفقًا للمنظور الإنساني وإلصاق الصفات الإنسانية به مع بعض الإضافات السطحية التي يظن أنه قد ارتقى بها من صفات المخلوق إلى صفات الخالق؛ فقد يجسِّد الإله ويجعل له يدًا وقدمًا مع تجاهل الكيفية، ويطلق على الإله الصفات الإنسانية الحميدة كالرحمة والعدل والعفو والحب والقدرة والعلم والقوة، بل والصفات الإنسانية القبيحة كالجبر والتكبر والذل والضر، ويكتفون فقد بإِتْباعها بالإطلاق، فيصبح الإله مطلق الرحمة، ومطلق العلم، ومطلق الجبر ومطلق الضر- سبحانه وتعالى عما يصفون-.

وقد اتبعت بعض الأديان والأنساق الإيمانية هذا المسلك الذي يجرد الإله وينزهه عن أي وصف أو اسم، وقد أطلق عليه الفيلسوف والتر ستيس الألوهية السلبية.

إن هذه الذات لا يمكن أن توصف إلا بكلمة: لا هذا ولا ذاك. إنها غير قابلة للتصور؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يدركها.

-من نصوص بريهادرانياكا أوبانيشاد

الألوهية السلبية

والمقصود بالألوهية السلبية هنا هو نفي كل الصفات والأسماء عن الإله، والاكتفاء بالتعابير السلبية التي تجرِّد الصفات فقط ولا تثبتها، فهو العدم، أو كما قال يوهانس تاولر “هو العدم الذي لا اسم له ولا صورة”، وهو اللاموجود، أو كما قال عالم اللاهوت الصوفي مايستر اكهارت “إنه خاوٍ، كما لو كان ليس موجودًا”. هو الفراغ الذي لا يمكن وصفه، هو الصمت الذي لا يعبَّر عنه إلا بالصمت.

– هو العدم، وليس بلا كيفية، ولكنه عدم الكيفية بالنسبة لعقولنا القاصرة. ففي محاولة الوصف لموجودٍ فاق المعايير الطبيعية، تخشى أن تتكلم عنه ولا تفيه حقه في الوصف فتقول إنه لا يوصف- جماله لا يوصف أو شعور لا يوصف- فتكتفي بالوصف السلبي حتى لا تنتقصه بمحاولة وصفك الإيجابي الذي لن يصل لكمال الوصف، وهذا في وصف موجودٍ محدود الصفات، فكيف إذا حاولت وصف المطلق!

– هو اللاموجود، فصفة الوجود خاصة بما هو داخل عالمنا المادي، فاعتباره موجودًا بمثابة تضمينه لوجودٍ هو خالقه؛ فما لم يأخذ صفته المادية داخل عالمنا ليس بموجود فيه، ولو أدركناه بعقولنا، فهو خارج الزمن وفوق الوجود، فالشخص الذي رأيته في حلمك وأدركته ولم يكن موجودًا في عالمك المادي الحقيقي، لن تحاول أن تلصق به صفة الوجود وإن كنت أدركته، فهو غير موجودٍ فعليًّا، وكذلك الإله هو غير موجود وإن حاولت أن تدركه.

إعلان

إننا حينما نمضي نحو الله بطريق التجريد، فإننا ننفي عنه بادئ ذي بدء شتى الصفات الجسمية والحسية، ثم نتبعها بالكيفيات المعقولة، لكي ننكر في خاتمة المطاف ذلك الوجود الذي قد يكون من شأنه أن يستبقيه إلى جوار الأشياء المخلوقة.

القديس ألبرت الكبير

 أسباب استحالة وصولنا إلى حقيقة الذات الإلهية أو مجرد تصورها

– قصور العقل الإنساني المتناهي عن إدراك اللامتناهي: فالعقل الإنساني قاصر على إدراك وجوده وصفاته المحدودة، فلن يستطيع إدراك وجودٍ أو صفةٍ لم يختبرها؛ فإدراك صفة لا يتصف بها الإنسان كأنك تطلب من كفيف أن يدرك الألوان. ومثالٌ لقصور العقل الإنساني في إدراك وجود لامتناهي هو محاولة إدراكه للكون، فإذا كان الكون محدودًا فإلى أي حد يوجد؟ وما الذي يخلفه؟ وإذا كان لانهائي، فالعقل الإنسان عاجز تمامًا عن إدراك كون لانهائي أو مجرد خلق تصور عقلي عنه، ولذلك تكون أي محاولة للعقل التصوري الإنساني لإدراك إله مطلق سوف تجعله كائنًا متناهيًا محدود الوجود والصفات؛ لأن عقله محكمٌ بالتصورات المحدودة التي اكتسبها في حياته ومحكمٌ بحواسه الإنسانية، فيصبح تكوينه التصوري لإله مطلق إنما هو إنسان ذو قدرات خارقة وصفات مطلقة.

قصور اللغة عن الوصف: وقصور اللغة عن الوصف لا ينطبق فقط على محاولة وصف اللانهائي، ولكنها أيضًا قاصرةٌ عن وصف أشياءَ واضحةٍ لنا وندركها تمامًا؛ قاصرةٌ عن وصف المشاعر، قاصرةٌ عن وصف الأفكار، قاصرةٌ عن وصف الجمال، قاصرةٌ عن  وصف الموسيقى، فكل منا قد يصف هذة الأشياء بما يصله منها، وقطعًا لن نقف على وصف محدد لها. أما وقد كانت اللغة عاجزة عن وصف أشياء ندركها بوضوحٍ تام، فكيف لها أن تصف قدرات وصفات لانهائية يعجز عقلنا عن تصورها من الأساس؟!

يقول فيلسوف الموسيقى الفرنسي فلاديمير جانكلفيتش:

“لماذا توجد أشياء لا يمكن وصفها رغم تجليها الواضح لنا؟”

“لو كانت اللغة هي لوحة مفاتيح، فليس هناك ما يكفي من المفاتيح لكى تكون قادرةً على وصف كل الفروق البسيطة اللانهائية في الأفكار والأحاسيس؛ لذلك علينا أن نعبّر بما هو وراء الكلمات.”

وأخيرًا، كيف لنا أن نحاول إدراك ماهية إله خلق وجودنا، وقد اختلف إدراكنا لماهية وجودنا؟ فالفلسفة العقلية تنكر قدرتنا على إدراك الوجود بالحواس، ومنهم من يرى أنه مجرد عالم محاكٍ لعالم حقيقي لا ندركه، والفلسفة المادية لا ترى سوى المادة، وبعض التصورات الدينية تكاد تقترب من التصور المادي حتى أن هذا التصور قد يتضمن الوجود الإلهي.
فكيف لنا أن نقف على إدراكٍ تصوري لإله مطلق، ونحن لم نقف على إدراكٍ ووصف محدد لوجودنا؟

ونختتم بقول ابن العربي في الألوهية السلبية:

إنه لمن الضروري أن تعرفه بهذه الطريقة؛ لا بالتعلم، ولا بالتعقل، ولا بالفهم، ولا بالوهم، ولا بالحس، ولا بالعين الداخلية، ولا بالعين الخارجية، ولا بالإدراك الحسي.. إن نقابه، ألا وهو الوجود الظاهري، إنما هو مجرد حجاب لوجوده في وحدانيته، دون أدنى صفة.

نرشح لك: الله الواحد الكثير(1/2): الألوهة السَّارية في العَالَم

المرجع:
الزمان والأزل- والتر ستيس.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.