تأخذك إلى أعماق الفكر

الضحك .. استجابة تتأرجح بين العفوية وفلسفات الهزل ضمن نظريات ثلاث

ثورة جسدية وعصبية فريدة وقاتلة أحيانًا

تضم مكتبة جامعة كامبردج مايزيد على 150 كتابًا تبرز كلمة “الضحك” في عناوينها، بخلاف عشرات المذكرات والروايات والمجموعات الشعرية التي تدخل هذه الكلمة في عناوينها الفرعية، وتغطي تلك الكتب موضوعات مختلفة، من علم النفس العام والإرشاد الفردي، إلى فلسفة الهزل وعلم تشريح النكتة، لتنعطف على تاريخ الابتسام والقهقهة في كل حقبة وصولًا إلى الضحك في كهوف الإنسان البدائي.

ماهية الضحك

ينشأ الضحك نتيجة لوجود التناقض بين المفهوم والمعنى الحقيقي الدفين الذي يقدمه هذا المفهوم، هكذا يرى هيجل، وتنصرف التعريفات البسيطة للضحك على أنه رد فعل طبيعي للإنسان السليم علي مواقف في سياق من التسلية، فيما يؤكد آخرون على أنه عملية شديدة التعقيد ترتبط بإدراك معين يعمقه الاستدعاء والربط والتفسير، ضمن واحدة من وظائف القشرة الدماغية المتطورة، حيث يستلزم الضحك إدراكًا وحساسية للأمور التي تطرأ في حياة الإنسان ومعانيها.

وترى عالمة الإنثروبولوجيا ميري دوغلاس، أن الضحك ثورة جسدية فريدة، تعكس تواصلًا من نوع ما، فبخلاف “العطس” على سبيل المثال، أو “التعرق”، فإن للضحك دائمًا معنى، كنتيجة لازدواجية الضـحك بين الغريزة والثقافة، ويساهم بأثر كبير في محاولات فهم كيفية عمل المجتمع البشري، أو تحديد مايقع تحت سيطرة البشر الواعية، خاصة أننا عادة ما نقول مع الـضحك: لم يكن بإمكاني الامتناع عن الضحك.

والضحك مرتبط إلى حد كبير بالظروف الاجتماعية والبيئة، فعلى سبيل المثال، لاتستطيع أن تضحك بدغدغتك لنفسك “جرب ذلك”، أو إنه إذا تمت الدغدغة في وضع يتسم بالعدوانية وليس الودية، فلن يسبب الضحك، كما أن المواقع الأكثر استجابة في الجسم للدغدغة تتغير في الثقافات والأوقات المختلفة.

نرشح لك: الابتسامة بأنواعها الثلاث

 

إعلان

الفلاسفة والضحك

“الكوميديا، الفكاهة، التهكم، النكتة” تعد مقدمات مختلفة لها نتيجة واحدة وهي الضحك، وقد احتفظ الفيلسوف اليوناني أرسطو بتصنيف للكوميديا كقديمة وحديثة، الأولى تركز فقط على عرض الأشياء بشكل هزلي، والثانية تتناول كل ماهو رفيع وعظيم بشكل كوميدي”

فيما اعتبر هوبز الفيلسوف الإنجليزي أن الضحك أحد أنواع الإعجاب بالذات والفخر والتباهي والبهجة المفاجئة، فقد قال “إن تحول التوقع الشديد إلى لا شيء، يصاحب ذلك استرخاء في ذلك التوتر الجسمي، الذي يتحول بدوره إلى راحة مفاجئة تسبب الضحك، أما “شوبنهاور” فدفع بأنه حيث توجد حياة جدية يوجد تناقض، وحيث يوجد تناقض يكون الضحك موجودًا “ويتعمق أكثر في التفسير فيقول: “الفكاهة أكثر إيلامًا من التهكم وأكثر توجهًا نحو الداخل، والشخص المتفكه شخص تسيطر عليه الذاتية والنزعة التشكيكية.

أما “فرويد” فقد اعتبر الفكاهة واحدة من أرقى الإنجازات النفسية للإنسان، وميز بين النكتة العدائية التي تخدم أغراض التعبير عن العدوان ومهاجمة الآخرين وبين النكتة البذيئة التي تخدم الأغراض الخاصة بالاستعراض أو الكشف عن الرغبة وما يرتبط بها من مشاعر الخجل أو الذنب وكل ما هو فاحش، وتلك التي تقدم كرشوة “هدية” للمستمع وتمنحه متعة خاصة”.

ليأتي الفيلسوف “هنري برجسون” كأول من حاول تناول ظاهرة الضحك علميًا، شارحًا دلالته وتعريفه وأنواعه في بحثه “دلالة المضحك”، حيث يعتبره أحد أهم الأسرار النفسية التي يمكن الإحاطة بها وتحليلها”، مدافعًا بيقين عما لاتتصوره الأغلبية، من أن الضحك عملية عقلية  وليست وجدانية، وأنه يتطلب إعمالًا للعقل.

ويتابع برجسون: اللامبالاة هي الوسط المناسب للضحك، بينما الانفعال هو أشد أعدائه، ولذلك نجد النفوس المتأثرة دائمًا تهتز للحوادث بشكل عاطفي فقط، ولا تعرف الضحك أو تفهمه. أما النقطة الثالثة فهي الاتصال، أي اتصال العقل بعقول أخرى فنحن لا نتذوق ”المضحك” في حالة الشعور بالعزلة لأن الضحك بحاجة إلى صدى لأن الصدى هو الذي ينمي الشعور بالضحك تدريجيًا

 

نظريات الضحك

للضحك نظريات وإن لم تكن شائعة، ولكن يقف وراءها أسماء ذائعة الصيت، وهي تنقسم لثلاثة أقسام، الأول “نظرية التفوق” والتي تعتبر الضحـك أحد أشكال السخرية أو التهكم، وأننا نبدي فعل الضحك على المستهدف من النكتة كمسألة مرح بحتة، حيث كتب توماس هوبز أن عاطفة الضـحك ما هي إلا اعتزاز ينشأ عن تصور مفاجئ لبعض الأهمية في أنفسنا، مقارنة بهشاشة الآخرين.

النظرية الثانية: التي تعرف بنظرية “التغاير” والتي ترى أن الضحك يأتي استجابة لغير المنطقي، أو غير المتوقع، وهناك حشد كبير من الفلاسفة والنقاد يقفون خلف دعم تلك الفكرة، ومنهم كانط الذي رأى أن الضحك عاطفة تنتج عن توقع متكلف يتم تحويله فجأة إلى لا شيء، وهي من المقومات الشائعة في مجال دراسة الضـحك.

والنظرية الثالثة هي نظرية “الارتياح” التي نالت شهرتها من أعمال فرويد، وهي في أبسط صيغة لها، تتحدث عن أن الضحك هو إشارة جسدية لإطلاق الطاقة العصبية أو العاطفة المكبوتة، فالقلق المكبوت حول الموت، كالضغط الذي يولده البخار، ويتم إطلاقه عندما نضحك على نكتة حول حفار القبور.

وهناك معالجات أكثر تعقيدًا من ذلك في كتاب فرويد “النكتة وعلاقتها باللاشعور”، يرى فيه أن الطاقة التي يطلقها الناس في الضحك، ليست طاقة العاطفة المكبوتة نفسها، وإنما هي الطاقة التفسية التي يمكن استخدامها لكبت الأفكار والأحساسيس لو أن النكتة لم تسمح لهم بالدخول إلى العقل الواعي، ويشكل الضحك ” تنفيسًا” عن الطاقة النفسية الفائضة، وكلما زادت الطاقة المطلوبة لكبت الخوف زاد حجم الضحكة.

 

عدوى الضحك

عندما يدغدغ أحد ما عادة ما يضحك الحاضرون على الرغم من أنهم لايتعرضون للدغدغة، أهو الـضحك نفسه أم مختلف، وللإجابة فإنه مع إجراء مسح بالآشعة للدماغ، سوف نتأكد من أن الضحك مُعدٍ، فيمكنك أن ترى أن الدماغ يستجيب للضحك من خلال تحضير عضلات الوجه في حالة وجود جموع تحقق المشاركة، وكلما كان الشخص أكثر استجابة لعدوى الضحك كلما كان أكثر قدرة على تمييز الضـحك الحقيقي من المصطنع.

المعارف أكثر ظرفًا من غيرهم

لماذا لايستطيع أحد أن يضحك الآخرين في مؤتمر خارج بلده؟ هنا نجد أن للخصوصية الثقافية دور في ذلك، فمهما يكن هناك من ثوابت فسيولوجية عامة قد تؤثر في موضوع الضحك، إلا أن الناس في التجمعات المتباينة أو المناطق المختلفة يضحكون على أشياء بعينها في سياقات محددة يعرفونها مسبقًا بحكم البيئة والثقافة.

الحيوانات تضحك أيضًا

تلك الجزئية كانت مسرحًا لكثير من البحث العلمي، والذي يعود تاريخه على الأقل إلى داروين، والذي كان متحمسًا لأسباب واضحة لتأكيد أن قرود الشامبنزي كانت تضحك عند دغدغتها، حيث تعرف العاملون في البحث العلمي حديثًا على خاصية “عرض الفم المفتوح”، أو “تعابير الوجه” عندما تنهمك الرئيسيات في أنشطة غرضها التسلية، وادعوا أنهم لاحظوا بعض قرود الشمبانزي والغوريلا توظف الغزل من خلال لغة الإشارة البدائية، ناهيك عن أصحاب الكلاب المولعين بكلابهم، الذين أكدوا أن هناك ما يمكن تسميته “ضحك الكلاب” الموثق في العديد من المؤلفات والكتب.

الضحك المميت

أطلق العرب عبارتهم الشهيرة “مات من الضحك” كتعبير عن المبالغة، ولكن الأمر تحول إلى كابوس مروع في غينيا، حينما ارتبط الضحك بأحد أكثر الأمراض العصبية تعقيدًا، والمعروفة باسم “كورو”، والتي في ظاهرها نوبات ضحك مستمرة هيستيرية لا تتوقف، وفي باطنها تشنّجات تصيب الجهاز العصبي المركزي.

ويتطور الأمر بعدها إلى رعشة مستمرة في جسد المريض مع ألم في الرأس والعظام والمفاصل، وبمرور الوقت يصبح المريض عاجزًا عن الحركة حتى عند البلع والتنفس، وتنتهي بالموت خلال سنة تقريبًا من ظهور الأعراض الأولى للمرض التي لاتكون إلا “الضحك”.

المراجع:
ماهو المضحك .. ميري بيرد .. https://www.chronicle.com/article/Whats-So-Funny-/147575
10 معلومات عن الضحك https://www.bbc.com/news/health-29754636?fbclid=IwAR1G8rVJCrpOPr-MenV6a_2kNduQEUfJC759XVQhZBKlX1H7UOG8YcVChKo
الضحك المميت https://www.emaratalyoum.com/editor-choice/2016-12-29-1.957118
الفلاسفة والضحك : https://tartoos.com/%D8%A7%D9%84%D8%B6%D8%AD%D9%83-%D9%88%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%AA%D9%87-%D9%88%D8%A3%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%B1%D9%87-%D9%88%D9%81%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%AF%D9%87/

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: اسماء سعد

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.