الشر الذي نحتاجه: صناعة مفاهيمية لأجل الإنسان

دعونا نتخيّل أو نستذكر مشهدًا لأحد الضواري بينما يفترس طريدته، حتى ننطلق بذلك إلى طرح بعض الأسئلة مثل إذا ما كان بمقدرونا على ضوء هذا السلوك أن نطلق صفةَ شرّيرٍ على هذا الحيوان؟ أو إذا كان باستطاعته في مثل هذه الحالات أن يمارس شيئًا من الشرّ؟
الأسد والفهد والجوارح؛ أيمكن اعتبارهم أشرارًا فقط لأنّهم يطاردون الحيوانات الأخرى لغرض القتل والإقتيات عليها؟ حيث كلُّ  حيوانٍ هو موضوع عشاءٍ عند حيوانٍ غيره في عالم الغرائز الذي غُرست فيه أعلى مستويات الشراسة.

الشرُّ باعتباره مصنوعًا:

علينا الإدراك بأنّ صيغةً كهذه من الأسئلة تثير مغالطاتٍ عديدة، لأنّ الشرَّ في الواقع من فعل الإنسان كما كَتَب ذلك على جهازه الأخلاقيّ والسلوكيّ، وبهذا لا ينبغي علينا أن ندين غير البشر بشيء، لأنّ من على شاكلة الأسد لا يفعل غير ما يتوجّب على كل حيوانٍ فعله: التشبّث بغريزة البقاء ليستمرّ هو ونوعه؛ أكان ذلك من خلال التكاثر أوالتفاعل مع الطبيعة والمتطلّبات البيولوجيّة بما فيها الافتراس، ناهيك عن فقدان الحيوان للإرادة الحرّة؛ فهو يسير وفق غرائزه الآليّة في كل شيءٍ يفعله، على عكس البشر.
غير أنّ الطبيعة في الأصل لا تؤمن بالأخلاق ونحن من ضمن هذه المملكة أيضًا، لكن وبفضل الوعي الذي حظينا به مع المسيرة التطوريّة التي عجنت لنا الإنسان العاقل، أردنا الانتماء بذلك إلى مملكةٍ أحسن من هذه التي ندعوها بالبدائيّة أو مرحلة الإلتصاق بالطبيعة، فأسّسنا منظومتنا الإنسانيّة والاجتماعيّة وشحذناها أكثر بالقانون وتعليمات الأديان وفلسفات التعايش والحبِّ والسياسة، منذ أن بنى الأسلاف المستوطنات وشيّدوا المدن وشهدوا عصور التنوير والحداثة وكلَّ المابعديّات، فأدركنا أنّه بالإمكان أن نعتمد على بعضنا  بصفتنا بشرًا أسمى من أيّ  كائناتٍ أخرى نعرفها، رغم عدم مقدرتنا على التخلّي عن الغرائز لارتباطها الجذريّ  بكل كائن.

ولقد كان التمركز الإنسانيّ بصفتنا مخلوقاتٍ ليست كغيرها مكسبًا كبيرًا؛ ففي الأوقات التي كان الإنسان فيها يعيش طفولته البشريّة في المجتمعات البدائيّة المطبوعة بالهمجيّة أيّامٌ لم يكن فيها قانونٌ ولا نظمٌ مسيِّرة، لم يكن هناك “شيءٌ يمكن أن يكون ظالمًا، إنَّ أفكار الصواب والخطأ، والعدل والظلم لا مكان لها هنا حيث لا سلطة مشاركة ولا وجود للقانون، وحيث لا قانون ولا ظلم، إنَّ القوّة والغشَّ هما الفضيلتان المشتركتان” (1) هكذا صرّح توماس هوبز. هذا قبل أن تتغيّر نظم الحياة الإنسانيّة للأفضل بشكلٍ نسبيٍّ على نطاقٍ واسعٍ شاملةً حقوق الإنسان وحريّاته.

ومع أنَّ الكثير من الفلاسفة ومنهم سنيكا، جان جاك روسو، جون لوك وماركس يعتقدون ببراءة الإنسان وأخلاقيّته العفويّة وقت كان يذوب مع الطبيعة ويعيش في سلام مع الآخر قبل أن عرف شيئًا يدعى الملكيّة والنظام الاقتصاديّ  ليتحوّل إلى الهمجيّة وتهميش غيره، عكس فلاسفةٍ ومفكّرين مثل توماس هوبز، فرويد، ايمانويل كانت؛ قد آمنوا بالعكس، إلا أنّ نظرةً واحدةً على المجتمعات البشريّة منذ بداياتها إلى الآن كما يستشهد بالأمر العديد من العلماء والفلاسفة على ضوء التاريخ والعلم تُظهر أنَّ الإنسان كان أكثر قربًا إلى قانون الغاب وتفضيل لذّته ونفسه على حساب الآخر، يقول ايمانويل كانت صاحب عبارة “الشرّ الجذريّ” فيما يخص الدعوة القائلة بخيريّة الإنسان الأصليّة: “إنّ المرء لن يحتاج إلا أن نستحضر بروز القسوة الشديدة في مشاهد القتل في نيوزيلاندا وجزر الملّاحين .. وسيجد المرء من رذائل الفظاظة أكثر ما هو ضروريّ ٌ لكي يبتعد عن ذلك الرأي”(2).

ويخاطبنا إريك فروم كذلك :“ألا نرى عدم إنسانية الإنسان اتجاه إخوته في كل مكان: في الحرب الوحشية، في القتل والاغتصاب، في الاستغلال الوحشيّ للضعيف من قبل القويّ؟” (3)
أما فرويد الذي يرى الحضارة شكلًا من أشكال التنظيم الإجتماعيّ والقيّميّ للارتقاء بالإنسان “البهيميّ” كما يطلق عليه ذلك، تحاول فيه بكل ما وسعها (الحضارة) تخفيف ومحاربة طاقته الجنسيّة ممثَلةً بالأنا الأعلى، فيستنتج أنّ أشياء مثل العدالة والخير لم تكن موجودة في حياة أجدادنا البدائيّين
“فليس الإنسان بذلك الكائن الطيّب السمح…ذا القلب الظمآن للحب، وإنّما هو على العكس كائنٌ تنطوي معطياته الغريزيّة على قدرٍ لا يستهان به من العدوانيّة” (4)
فالإنسان إذًا ينقاد وراء غرائزه البيولوجيّة ومشاعره لا أمور مُختلَقة مثل الخير، لكن ليس بذلك الشكل الذي نراه عند بقيّة الحيوانات التي لا تتمتّع بحريّة الإرادة والعقل. كما أنّ هذا لا يعني أنّ غرائزه أشياءٌ من الشرِّ بل من الطبيعة وضروريات البقاء التي تستوجب القتال فيما بين مخلوقاتها، الشيء الذي يجعل الإنسان وغيره كما في زعم توماس هوبز: “ذئب… والكلّ في حربٍ  ضدّ الكلّ ، والواحد في حربٍ ضدّ الجماعة” (5) .فغريزة البقاء تبدو غريزةً شرّيرةً في جوهرها بينما هي مجرّد مطلبٍ للمحافظة على النفس بأيّ ثمن.
وبهذا ما كان على الإنسان إلا أن أرسى القيم حين خاف على حياته من الآخر، وفعل ذلك للحفاظ على مصالحه؛ فخلق هذا الشرّ الذي يجب أن يبتعد عنه قدر الإمكان لينتج عن ذلك الخير، حتى يعيش بذلك ضمن عقده الاجتماعيّ الذي يتنازل فيه للغير عن بعض حقوقه وحريّته، أو بالأحرى شروره، حتى يعيش الآخر ويعيش هو كذلك، وينطبق نفس الأمر كذلك على التحالفات ودبلوماسيات الدول بين بعضها.
وإنّ الحرية المطلقة على ضوء هذا هي شرٌّ إذا ما أسقطنا منظومتنا الأخلاقيّة عليها، فالحريّة تعني الإرادة أيضاً؛ فنحن نريد لأننا أحرارٌ كما يخلّص بذلك فريدريك هيغل (6)، وإنّ الشرَّ يريد كل شيءٍ حتى لو لم يكن له؛ السارق الذي يسرق مال غيره ينتهك بذلك هذا العقد فيكون حرًا، ويعود إلى الطبيعة حيث تتصارع الغرائز فيما بينها وحيث القويّ  يأكل الضعيف.

إعلان

وإنّ الحلّ هو أن يكون البشر أشرارًا وأخيارًا مع بعضهم فيمنعون هذا من قليل من حريّته وحقوقه بإرادته ليمنحهم هو الحياة وقتها، حينها يمكن للإنسان تبادل الأدوار مع الآخرين في نفس الوقت ليتسنّى له تأسيس العيش المشترك عن طريق هذا الإختراع الذي يمكن أن ندعوه ربّما بالصناعة الفاضلة.

الشرُّ باعتباره واقعًا:

تذكر عدة أيقونات من الفكر المسيحيّ مسائلاً وآراءً عن الشرّ، بدايةً هنا من غريغوريوس النيصي القائل بأنّ “ليس للشرّ من كينونة”، كما يقول كذلك في نفس الموضوع ايفاغريوس البنطيّ:“ما هو شرٌّ بالمعنى الحصريّ ليس جوهرًا بل غيابًا للخير، أما ديادوكس الفوتيكي فيؤكد بأنّ “طبيعة الخير أقوى من عادة الشر، لأنّ الخير موجودٌ بعيدٌ وأن الشرّ غير موجود”(7).

هذا يعني أنّ الشرّ ليس غائبًا فقط بل ليس له وجود ولا كينونة، لأنَّ مفهومه مصطنعٌ ومطبوخٌ بمقادير حديثةٍ لحفظ ذاتنا فقط، وهذا ما أراد الفكر المسيحيّ الفلسفيّ توصيله، غير أنّه اقتصر على الشرّ فقط عكس الخير الذي هو بالنسبة إلى مفكّريه حيٌّ وموجود، لكن دعونا نذهب إلى قول الفيلسوف سبينوزا فيما يخصّ  لاوجودَ الاثنين معًا: “لكن الخير والشرّ ليسا من قليل الأشياء ولا من قليل الأفعال، الخير والشرّ لا يوجدان في الطبيعة”(8).

ولنرجع إلى توماس هوبز الذي يصرّح كذلك بأنّه لا توجد حقيقةٌ تفيد بالشرّ والخير والقيم التي نضعها في ذاتها، بل هي مجرّد ارتباطاتٍ نصنّفها حسب اللغة التي تتحكّم في كل شيء : “إنّ الصدق والكذب مقولتان وصفتان للّغة لا للأشياء، وحيث لا تكون هناك لغةٌ فلا يوجد صدقٌ ولا كذب”(9).

أما نيتشه الذي اهتمّ بالتحقيق وتقصّي تاريخ الأخلاق في العالم؛ فكتب في كتابه ما وراء الخير والشرّ فصلَ ما النبيل؟: “إنّ الجنس النبيل من البشر يحسب نفسه مُعيّنًا للقيمة ولا حاجة به إلى من يستحسنه، وهو يقرر : “ما هو مضرٌّ بي هو مضرٌّ في ذاته” ويعي أنّه هو من يضفي أولاً وأخيرًا مجدًا على الأشياء، إنّه خالق القيم” (10).

يختلف تعريف الشرِّ من شخصٍ  لآخر، كما أنّ هناك من يصنّفه إلى أنواعٍ حسب طبيعة مصدره مثل الشرور الطبيعيّة التي تخص الكوكب، والأخلاقيّة، مع السياسيّة التي تخصّ  الإنسان. كما أنّ الأفعال التي نغلّفها بالشرور أو الخيريّة بإمكانها أن تؤول عند البعض إلى النسبيّة أوتتعلّق بالمنفعة، أيضًا يكون ذلك حسب الطرف الذي يمارسه حتى لو كانت نتائج فعله غير صالحة لغيره، فالمصائب التي نراها شرّاً يمكن أن تكون خيرًا عند طرفٍ آخر، المال الذي سرقه اللصّ  كان خيرًا لنفسه فهرب من حالة فقرٍ أو ديونٍ عكس ضحيته.

وإذا كان الشرّ ليس له جوهرٌ فهو يعتمد عند البعض على حالةٍ من النقص الذي يصاحب مستوياتٍ معيّنةٍ لا نراها إلا حين نقارن بينها وبين حالةٍ أقرب إلى الكمال إذا جاز تسميتها، -مع الأخذ بعين الاعتبار عدم تمكّنّا من إدراك حقيقة كلمتيّ الكمال والنقص- يقول سبينوزا: “نحن لا نقول عن إنسانٍ أنه سيّءٌ إلّا بإضافته إلى انسانٍ آخر أفضل منه، وعن تفاحةٍ أنّها فاسدةٌ إلا بإضافتها إلى تفاحةٍ أخرى جيدة.. ولا الحسن والأحسن إذا أُضيف إليهما، ويقال عن الشيء قبيحًا لما جاز الحديث بهذه الصورة”(11).
فهل وجود تفاحةٍ واحدٍة من دون وجود تفاحةٍ أخرى مختلفة عنها يُسقط عنها الحكم القيميّ (فاسدة/حسنة)  ليسلتزم الحكم هنا وجود شيئين يُقارَن بينهما، فيغدو الشرّ والخير مجرّد مظاهر تفاضليّةٍ لا غير، وليس جواهر أو حقائق؟

كما يمكن أن نرى أنّ الشرّ لا يُعتبر شرًا لذاته وإنّما حسب نتائج الفعل كما ترى الفيلسوفة كلوديا كارد “فالشر بالنسبة لكارد ليس حدثًا بالمعنى الدقيق، إنّ الأشياء ليست شرّيرةً في ذاتها وإنّما نتائج وتأثيرات أفعال الإنسان هي ما يشكّل ماهية الشرّ في المقام الأول” (12). الشيء الذي يذكّرنا بكلام الفيلسوف المسيحيّ أوغسطين حين ذكر بأنّ “الشرّ لا يكمن في الأشياء نفسها بل في استعمال البشر إياها استعمالاً سيئًا” (13).

كما علينا أن نرى أنّ الشرّ يمكن أن يكون خيرًا ويتغيّر عبر العصور، يقول نيتشه: “في ايثولوجيا الخير ما يحسبه عصرٌ ما شرًا هو في العادة راسبٌ غير عصريٍّ  لِما حُسب في عصرٍ سابقٍ خيرًا، هو إحياءٌ لأمثل قديم”(14).

وليس العصر فقط بل كذلك حسب طرق تفكير الأفراد، فالدعوة إلى النباتيّة كمثال، موقفٌ وفلسفةٌ غذائيّةٌ تجعل من ذبح الحيوان شرًا عكس الآخرين الذين لا يرون في ذلك أيّ  حقيقةٍ من دعواهم.
أما توما الإكوينيّ فيرى أنّ هناك شرًا أشدُّ ضررًا من شرٍّ آخر، فهناك شيءٌ شرّيرٌ وهناك ما هو أشرُّ منه ونفس الأمر بالنسبة للخير(15).

وإنّ الشرَّ حتى تجوز عليه هذه الصفة عند البعض يجب أن يعتمد على القصد والنية والعلم به، فهل المجنون والطفل شرّيران؟ و هل أيّ  شخصٍ  أخطأ من دون قصد؛ قد فعل شرًا؟
يرى سقراط أنّ الشرَّ ينبع من الجهل والتجاهل أيضًا، فالمعرفة خيرٌ والجهل شرّ، وفي محاورة سقراط ومينون نراه يؤكّد أنّ الإنسان الذي يفتعل الشرّ معتقدًا فيه الخير إنّما لا يريد الشر رغم فعله ذلك (16).

كل هذه المفاهيم إذًا يمكن أن تختلف حسب طرق التفكير والظروف والثقافات وما تقرّره الأعراف والقوانين، فهل الشرُّ عدمٌ والخير موجودٌ كما يرى بذلك البعض خاصّةً ما نقرأه حول الذهنيّة المسيحيّة؟ أم أنّ كلاهما عدم؟ أم أنّهما موجودان ليس كمجرد تصنيفٍ ومفهومٍ بل كجوهر؟ هل الشرُّ والخير ثابتان وهل الشيء الذي يتغيّر ويُحدّد من قبل الإنسان له وجودٌ وأساسٌ راسخ؟ أيّ  ببساطةٍ هل هناك الشرّ لذاته ونفس الأمر ينطبق على الخير؟ لكن أهذه الأسئلة مهمةٌ حقًا ونحن نرى اختراع الإنسان القيّمي يأتي بثماره فيساعده على تأسيس الحضارة والمدنيّة.

إنّ الشرّ كمفهومٍ هو مصنوعٌ من قبلنا وليس موجودًا كصفةٍ وجوهر، أو في ذاته ولا كان مع ميلاد الآلهة أو في أساطير خلق العالم، غير أنّ الأفعال التي نطلق عليها صفة شرورٍ هي أفعالٌ واقعيّةٌ حدثت يتكوّن العالم منها سواءً في الغريزة أو الطبيعة والنفس مع المجتمع، بحيث لا يمكن لها الإندثار، وما على الفكر الإنسانيّ إلا أن يصنفها ضمن السيّء والخيّر، حيث لن يتمّ هذا التصنيف إلا بتدخل عوامل ايديولوجيّة وتاريخيّة فيه ثقافيّاً واجتماعيّاً ودينيّاً كذلك.

الشرُّ كمفهوم:

إنّ الكثير من الأديان والمعتقدات القديمة التي جعلت الوجود موضوع تأمّلٍ وإيمان، لم تجعل من الآلهة التي تخصّ  الدمار والكوارث أو العفاريت آلهةً للشرّ كما يعتقد معظم الناس. الإله رشف في الكنعانية، أو ايرا في بلاد الرافدين، ست في مصر، شيفا في الهندوسية الذي يمثل الدمار. إنّهم لم يكونوا آلهة شرٍّ كما يُلقّبهم الكثيرون، بل لطالما قاموا بتمثيل الجانب الوعر: الأمراض، الكوارث، الحروب. وعالم المايا المخادع كما نجده في الهندوسيّة، وحتى أنّ البعض منها يمثّل الشفاء والصحة مع مقدرته في نفس الوقت تمثيل المرض والكوارث المسلّطة على البشر؛ فليس الألم شرًا بل هو أمرٌ لا بُدّ منه.

حتى صراع بعض الآلهة مع أخرى: أوزيريس ضد ست، موت ضد بعل، زيوس ضد أطلس، لم يكن لغرض القضاء عليهم نهائيًّا بل لمواصلة العيش أو إبعادهم مؤقتًا ليتسنّى للآلهة الأخرى إكمال عملها والإبقاء على ناموس الكون.
ولقد جعلت فلسفة التاوية للحياة قطبين؛ واحدًا أسود هو اليانغ، والثاني أبيض وهو الين؛ نحتاجهما معًا. ورغم ميل البشر إلى صنع النقيضين (نورٌ وظلام، إيمانٌ وكفر، جسدٌ وعقل)، إلا أنّ التاويّة لم تقل عن الجانب الآخر أنّه شرّ، بل عاملته بواقعيّته وأنّه مُستوجَب القبول بوجوده.
الهندوسية كمثالٍ ورغم جعلها للعبودية كنتيجةٍ أو بشكلٍ أنسب: انعكاسٌ لأفعال الإنسان في حياته السابقة، إلا أنّها عاملتها كشيءٍ واقعيٍّ ودعت اتباعها إلى القبول بالطبقيّة والاستعباد بل ممارستها بتفانٍ لأنّ لكلِّ  شخصٍ  مكانه في الحياة، فهناك من ولد ليصبح ملكًا وهناك من ولد ليخدم هذا الملك.
كان هذا قبل أن تتشكّل أو تتغيّر الكثير من المعتقدات فتقتحم العديد منها عناصر ثانويّة مثل الزرادشتيّة والغنوصيّة والمانويّة، التي تمنح للشرّ وجودًا يناقض الخير الذي يتصارع معه حتى يقضي عليه لتنهض المدينة الفاضلة؛ مدينةً من دون شرّ، فالمدن الفاضلة التي تحلم بالعصر الذهبيّ حتى في الفكر الماركسيّ تستمد فكرتها من ضرورة وجود الخير فقط والعودة إلى العصر الذهبيّ البريء الذي عاشه الإنسان كما يعتقد بذلك روّادها.
ورغم أنّ الأديان الإبراهيميّة لا تؤسّس وجودًا للشرّ مثل الأديان الأخيرة غير أنّها تمادت في الحديث عنه وإلباسه صفةً ثابتةً حتى صار يُظنّ به أنه موجودٌ مع النفس البشريّة وعلامةٌ خاصةٌ بالشياطين كذلك.
فعلى الفرد أن يعلم أنّه ما من عصرٍ لم يكن فيه الشرُّ لسبب كونه تمثيلاً لوجوه الطبيعة التي نحن فيها والتي لا تكترث بالقيم غير أنّه ينبغي المحاولة قدر الإمكان على تقليصه أو تخفيفه قدر ما نستطيع سواءً كأفعالٍ نصنّفها مع الشرّ، أو تأسيسًا أخلاقيًا ينزع نحو الخير الذي يصارع الشرّ بالفلسفة أو الدين، فحتى هذا الأخير يساهم في تنمية وتكوين هذا المفهوم لدى الإنسان.

إنّ الدين يشيطن الشرّ الذي يراه تمثّلاتٍ من الشيطان والنفس التي تتبعه فيدعو معتنقه إلى تجنّبه ولعلّ  هذا ينفع مع الكثير من الأشخاص الذين ربّما لن تستطيع أيّ  فلسفةٍ وقانونٍ أن ينفعهم، لكنّه الدين؛ كما يرى بذلك سبينوزا (17). فالناس لا تزال ملتصقةً بالميتافيزيقيا إلى الآن، يتخوّف المؤمن فيهم من التحوّل إلى واحدٍ من خدم الأبالسة، ومن دخوله العالم الأخرويّ الذي تمثله جهنّم أو الملكوت.
نحن في حاجةٍ إلى وجود الشرّ كمفهومٍ وتنظيمٍ في علاقته الضديّة مع الخير، فكلُّ  واحدٍ مبنيٌّ على الثاني حتى نعيش ضمن مجتمعٍ لا يتعدّى فيه الآخر على الثاني.
وإن المناداة بالشرّ والخير يجعلنا على الأقل نفرّق بين فعل وآخر ولو كان ذلك نسبيّاً حسب أعراف وأنظمة كل شعب أو دولة، ولعلّ الرسول بولس لخّص ذلك في كلامه المنسوب إليه برسالته القائلة : “وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطيّة ولكن حيث كثرت الخطيّة ازدادت النّعمة جداً” (18)
فإذا كانت القوانين دينيّة أم علمانيّة تدعونا إلى الإبتعاد عن الشرّ وتنادي لأجل الخير العام من خلال الممنوعات والمحظورات التي تتضمّنها فهذا يجعل للشرّ وجود صرنا ندركه لكن يجب إلغائه، مقابل حضور الخير الذي ينبغي أن يبقى موجوداً دائما في إطار المجتمع.

غير أنّه ومن جهةٍ أخرى عند البعض هناك شرورٌ تفتعلها نفوسنا نحن في حاجة لها؛ فبعض الشرور خيرٌ وبعض الخير شرور، لأنّ العديد من الأفراد يرون أنّه بالإمكان فعل القليل من الشرّ كما نسميه لنتّجه إلى الخير مثل إلغاء الآخر لحفظ الذات، أو بعض الأنانيّة لتأسيس مصالحنا لا أن يؤسّسها الآخر له على حسابنا.

يتنوّع الشرّ بمظاهره غير أنّها سلوكاتٌ وأفكارٌ واقعيّةٌ نطلق عليها هذا اللقب حتى نتجنب بعضها، ولعلّ بعض حجج فلاسفة الثيودوسيا (العدالة الإلهية) تفي بالغرض حين تقول أنّ وجود عالمٍ بخيره وشرّه أحسن من عدم وجوده أساسًا (19). أو دعونا نذكر كلام جون هيك صاحب كتاب “الشرّ وإله المحبة” ولو كان طابعه دفاعيًّا بشكلٍ متطرّف، حيث يتحدّث فيه حسب وجهة نظره عن حاجتنا للشرّ؛ فمن دون الشرور التي تحصل في العالم لن يقدر الإنسان على تطوير نفسه وحضارته ولا حتى مساعدة الآخر والتعاون معه (20).
ورغم ذلك يبدو قولٌ كهذا مليئًا بالنزعة التبريريّة غير المعقولة؛ الشيء الذي يدفعنا إلى إدراك كون الشر والخير فوضى كاملةً تحيلنا إلى مواقف نسبيّةٍ نتبنّاها مع وجود أخرى لا يمكن إلّا  أن نطلق عليها صفة شرٍّ ثابتةٍ كما يعتقد الكثير ( الإغتصاب، التنّمر، الاضطهاد) من دون جعلها نسبيةً أو جعله اختلاقًا مبرِّرًا لها.

ولعلّ الشيء الذي خلق الشرور الأخلاقيّة خاصةً هو وعي البشر، فكلما نضج الوعي والإدراك نما بذلك فيه سيفٌ ذو حدّان، فالإنسان يستعمل وعيه ويستغلّه في أمورٍ قد تبدو خيّرةً أو شريرةً كما سطّرها، فمَن غير الإنسان الذي تراه ينظّم تحدّيات قتالٍ بين البشر أو مشاجراتٍ بين الحيوانات؟ من المخلوق الذي يمكننا أن نرى فيه نزعة الساديّة والاستمتاع بآلام غيره لو لم يكن الإنسان صاحب الوعي الذي يصوّر له حتى الألم كشيءٍ يمتّع نفسه به؟

كل مقاصد هذه المواضيع تنطبق على الخير كذلك غير أنّنا آثرنا الحديث عن الشر باعتباره فسادًا ونقصًا ينبغي القضاء عليه، ورغم ابتعادنا عن فكرة تأسيس مجتمعاتٍ طوباويّة لما فيها من خيالاتٍ لن تتحقّق، غير أنّ أهمّ ما يجب على المجتمع الآن القيام به ليس التبصّر فقط في مكامن الشرّ والخير، ومقاصد السلوك الإنسانيّ، وهذه مهمة علماء النفس والاجتماع مع الفلاسفة، بل والاعتراف بهذه الفوضى الأخلاقيّة واختلاف معايير المجتمعات والأشخاص الذي سيحلّ الكثير بما في ذلك الدعوة إلى تنشئة أفرادٍ قادرين على التعامل مع الذات الإنسانيّة وأفعالها بما يفيد كافة المجتمع، بعيدًا عن المصلحة الذاتيّة، حيث يقع عاتق فرز أوراق الشرِّ والخير وتحضير الإنسان فيه على الجميع.

المصادر: 
1 - الفلسفة السياسية، منشورات الإختلاف منشورات ضفاف، علي عبود المحمداوي، ص: 132.
2 - الدين في حدود مجرد العقل، جداول Jadawel ,إيمانويل كانت، ص:84، 85 .
3 - جوهر الانسان، دار الحوار للنشر والتوزيع، ايريك فروم، ص:14 .
4 - قلق في الحضارة، دار الطليعة، سيغموند فرويد، ص:72.
5 - تاريخ الوعي، مونيس بخضرة، منشورات الاختلاف منشورات ضفاف، ص:61. 
6 - نفس المصدر السابق، ص:85.
7 - الأنثروبولوجيا المسيحية، دار المشرق، الأب فاضل سيداروس اليسوعي، ص:30، 31.
8 - رسالة في اصلاح العقل، مؤمنون بلا حدود، باروخ سبينوزا، ص: 120.
9 - مفاهيم عالمية الحقيقة، المركز الثقافي العربي، مجموعة باحثين، ص:53.
10 - ما وراء الخير و الشر، الفارابي، فريدريك نيتشه، ص:248.
11 - رسالة في اصلاح العقل، مؤمنون بلا حدود، باروخ سبينوزا، ص:119.
12 -  فينومينولوجيا الشرّ في فلسفة كلوديا كارد السياسية، د.حمدي عبد الحميد محمد محمد الشريف، ص:293.
13 - الأنثروبولوجيا المسيحية، دار المشرق، الأب فاضل سيداروس اليسوعي، ص:121.
14 - ما وراء الخير و الشر، الفارابي، فريدريك نيتشه، ص: 118.
15 - فينومينولوجيا الشرّ في فلسفة كلوديا كارد السياسية، د.حمدي عبد الحميد محمد محمد الشريف، ص:308.
16 - أوغسطين، المركز القومي للترجمة، غاريث ب.ماثيوز، ص:185.
17 - سبينوزا والكتاب المقدّس، مؤمنون بلا حدود، جلال الدين سعيد، ص:126، 127، 139.
18 - الرسالة إلى رومية [05: 20]
19 - مشكلة الشرّ، المركز القومي للترجمة، دانيال سبيك، ص:144.
20 - نفس المصدر السابق، ص:149، 150.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تدقيق لغوي: عبير الششتاوي

اترك تعليقا