السموم في أدب أجاثا كريستي

قراءة في كتاب A is for Arsenic: the poisons of Agatha

قبل دخولنا عالم أجاثا كريستي، دعونا نفهم ما هي السموم. إنَّها الموادّ التي تؤدّي إلى إحداث تغيير وخلل في وظيفة الجسم الحيوية، وذلك عند دخول هذه المواد لجسم الإنسان بطريقة مفرطة، أو عن طريق الخطأ، وتسبّب لمن تصيبه مجموعة من الأعراض منها الغثيان، والحكة، والصداع، والتقيؤ، أو الموت.

وهناك فرع من العلوم يسمى «علم السُموم toxicology» وهو يجمع بين علم الأحياء والكيمياء والطب والصيدلة، ويختصّ بدراسة الآثار الجانبية للمواد الكيميائية السامة على الكائنات الحية والأعراض التي تحدثها هذه المواد، والآليات التي سببت هذه الأعراض وطرق علاجها وكيفية الكشف عنها. ويتم ذلك عادة في إطار علوم الطب الجنائي.

و لقد استخدمت أجاتا كريستي (1890-1976) السموم في قتل شخصيّات قصصها أكثر من أي كاتب آخر للروايات البوليسية. ومثّلت السموم جزءًا أساسيًا من قصصها حيث كانت تختار أنواعها بعناية فائقة، وبما يخدم بخصائصه الكيميائية والفسيولوجية في توفير أدلة حيوية لاكتشاف القاتل. وظهر ذلك في أول عمل منشور لها بعنوان ” قضية ستايلز الغامضة” حيث استخدمت مادة السترايكنين (سم فئران) لقتل امرأة، وشرحت لآثاره بطريقة لا يفهمها إلا أستاذة الصيدلة المتخصصون.

ولقد أظهرت أجاثا كريستي معرفة كيمائية واسعة استقت الكثير منها خلال عملها في صيدلية بأحد المستشفيات في جنوب انجلترا خلال الحرب، فعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية تطوعت أجاثا للعمل في قسم الصيدلة في أحد مستشفيات الحرب التي أعدتها الحكومة البريطانية لجنودها الجرحى، ومَنَحها هذا العمل معرفة وخبرة بالعقاقير والسموم استفادت منها في رواياتها اللاحقة.

و في كتاب A is for Arsenic: the poisons of Agatha Christie، وهو أحد كتب تبسيط العلوم التي نحبها جميعًا، خاصة أمثالنا من غير المتخصصين، قدمت الباحثة الكيميائية والكاتبة كاثرين هاركب استعراضًا شيقًا ورائعًا لموضوع السموم وعلومها، وذلك على خلفية قصص أجاثا كريستي الطويلة والقصيرة.

إعلان

تناولت الكاتبة في كلّ فصل إحدى قصص أجاثا كريستي من حيث بحث نوعية السّمّ الذي استخدمه القاتل، وكيف يتفاعل مع الجسم، وكيفية الحصول عليه، واستخدامه والكشف عنه سواء في زمان أجاثا كريستي أو اليوم. وتضمنت سموم أجاثا كريستي الزرنيخ، والبلادونا والسيانيد والثاليوم والنيكوتين، والديجيتاليس، والأفيون، والشوكران، والفسفور، الفيرونال veronal.

سأقوم الآن بانتقاء ثلاثة أنوع من السموم وثلاثة قصص هي كالتالي:

(1)  الزرنيخ أكثر السموم انتشارًا في جرائم القتل

الزّرنيخ سمّ الملوك وملك السّموم — غير معروف المصدر

ليس للزرنيخ طعمًا أو لونًا، وهذا ما جعله من أهم المواد التي كانت تُستعمل عبر التاريخ ضدّ الأعداء لأنه يؤثر بشكل سريع جدًا على الأوعية الدموية، إضافة إلى القلب والكبد، وفي حين يؤكّد الأطبّاء أنّ الجرعة الكافية من الزرنيخ لقتل الإنسان يجب أن تتراوح بين 100 و200  ملغرام إلَّا أن إعطاء جرعات أقلّ من ذلك، ولفترة طويلة تجعل الضحية في حالة مرض لا تثير الشكوك غير أنّها تؤدي حتمًا إلى الموت، وحتى لو ظهر هذا الأمر وكأنه وفاة طبيعية

رواية القتل 1939

استخدمت أجاثا كريستي الزرنيخ في قصّتها التي تحكي عن لوك فيتزوليم “محقّق الشرطة” الذي عاد بلده بعد مهامّ عمل شاقة خارج البلاد، ويلتقي مصادفة في رحلة العودة بسيدة عجوز تقطن في قرية هادئة من قرى الريف الإنجليزي، وتخبره بأنها في طريقها للإبلاغ عن قاتل مجنون يعيث فسادًا في قريتها الهادئة. لم يكترث كثيرًا “لوك” بما قالته؛ مخمّنًا أنها أوهام وتخيلات سيدة عجوز لا أكثر، ولكنه يُفاجأ بمصرع هذه السيدة في اليوم نفسه تحت عجلات سيارة مسرعة، بل والأكثر أنّه يكتشف وجود عدة وفيات غامضة في نفس العام في هذه القرية؛ فيقرّر أن يستطلع الأمر بنفسه فيصطدم بالعديد والعديد من المفاجآت المذهلة التي لم يكن يتخيّلها في هذا المكان الهادئ. فهل يستطيع الكشف عن هذا القاتل الغامض؟ هذا ما ستعرفه إذا قرأت الرواية.

(2) Bella Donna أو ستّ الحسن

 “بيلادونا..بالإيطالية تعني سيدة الحسن ..بالإنجليزية السّمّ القاتل..،  وهذا مثال صارخ على الفرق بين اللسانين.” امبروزو بيرس، قاموس الشيطان

نبات عشبي من الفصيلة الباذنجانية، يبلغ طوله حوالي مترين، وهو من النباتات السامة فيلزم استعماله بحذر. تحتوي جميع أجزاء النبات على القلويدات، وتشكّل الثمار خطرًا على الأطفال لأنها جذابة وحلوة الطعم، ولكنّ تناول ثمرتين إلى 5 ثمرات من ستّ الحسن من قبل رجل بالغ قد يسبّب الموت، وجذر النبات هو الأكثر سميّة على الإطلاق وابتلاع ورقة واحدة من النبات يسبّب موت شخص بالغ. ويسمى أيضًا  “ظلّ الليل القاتل” باللغة الإنجليزية لأنه يعد سمًا بطيئًا يتراكم مفعوله ولا يظهر فجأة ، وله أعراض وعلامات قد تبدو طبيعية لا تثير أي شكّ.

مجموعة أعمال هرقل 1947

استخدمت أجاثا كريستي ست الحسن في مجموعتها القصصية الصغيرة المسماة Labours Of Hercules، وتتكون من 12 قصة تستند جميعها إلى مقدّمة قرّر فيها المخبر المفضّل لدى أجاثا كريستي “بوارو” أن يعتزل العمل الجنائي. لكنّه قبل أن يرحل إلى قريته ليقضي حياة العزلة في مزرعته، اختار 12 حالة جريمة يعمل على حلّها،  بأعمال البطل الأسطوري الإغريقي هرقل. وأهم هذه القصص هي ثور كريت Cretan Bull، وهي القصة السابعة في أعمال هرقل.

بدأت هذه القصة بقرار الشاب “هيو شاندلر” بإنهاء خطوبته بالجميلة ديان، لاعتقاده  أنّ مصيره إلى الجنون، لا محالة. وكان على بوارو، استجابةً لتوسّلات الخطيبة، أن يكتشف الأسباب وراء تصرّف هذا الشاب كالثّور الهائج الذي فقد صوابه. هل يرجع الأمر إلى عرق وراثيّ تجري فيه بذور الجنون ..أم أنّ هناك شيئًا آخر؟ و لتعرف السبب عليك قراءة القصة.

(3) السيانيد.. أخطر السموم

إذا كانت السموم كخيول السباق، فسأراهن بكلّ نقودي على السيانيد — ألان برادلي

يُعتبر السيانيد من أخطر المواد غير العضوية السامة للإنسان، إذ يمكن أن يؤدي إلى الموت خلال ثوان معدودة بسبب نقص الأكسدة الخلوية التي تصيب الخلايا. يوجد السيانيد على شكل غاز هيدروجيني أو على شكل صلب. ويحتاج الإنسان إلى كمية لا تتجاوز 0.2 من الغرام حتى يلقى حتفه المباشر خلال ثوان. ويؤدي استنشاق السيانيد إلى تسمّم الجسم عن طريق إيقاف عمليات الأكسدة الخلوية وموتها. قبل ذلك، يعاني الإنسان من أعرض سريرية متعددة، نذكر منها: الشعور بالدوخة والغثيان والتقيؤ وفقدان الوعي، وبالنهاية توقّف القلب والموت المفاجئ. وأشارت الدراسات الحديثة إلى أنّ استنشاق 200 إلى 500 جزء من هيدروجين السيانيد موجودة في مليون جزيء من الهواء لمدة 30 دقيقة، تؤدي إلى موت الإنسان.
ولقد ظهر السيانيد فيما لا يقل عن 10 روايات لأجاثا كريستي، وأربع قصص قصيرة، وكان القاتل يستخدم دائمًا السيانيد بطرق مبتكرة تضمنت الحقن، والمشروبات، وحتى السجائر. ومن أجمل الروايات التي استخدمته “السينانيد الساطع” sparkling cyanide.

السيانيد الساطع ( 1954)

يقوم في هذه القصة بدور المحقق: الكولونيل رايس Race، بدل من هيركيول بوارور بطل أجاثا كريستي المفضل. تبدأ القصة بعد مقتل روزماري بيرتون، السيدة الحسناء الغنية زوجة جورج بيرتون. ماتت أثناء حفلة عيد ميلادها في أحد المطاعم بعد تناولها كأسًا من الشمبانيا مخلوطًا بالسيانيد. اعتُبر هذا الموت، في البداية، حادث انتحار نتيجة حالة الاكتئاب العرضي الذي ألمّ بها. بدأت الشكوك تثار حول فكرة انتحار روزماري، خاصة بعدما تلقّى الزوج خطابًا من مجهول يشير إلى أنّ موتها جريمة قتل وليس انتحارًا. وبدأ البحث عن جميع المشتبه فيهم حتى تمكّن رايس من الوصول إلى القاتل. وحتى تعرف كيفية حل هذا اللغز عليك قراءة الرواية.

وفي النهاية، وبعد الانتهاء من قراءة هذا الكتاب، يخرج القارئ بفهم أعمق لموضوع السموم. وتقدير أعلى لعلم أجاثا كريستي الواسع بموضوع السموم، ومزيد من المتعة الذهنية لقراءتك لهذه الأعمال الأدبية التي تجمع بين رقيّ العلم وجمال الأدب. وقد تراودكَ أيضًا، بعد الانتهاء من الكتاب، فكرة أو إغراء بوضع قليل من الزرنيخ لهؤلاء الذين يكتبون سيناريوهات المسلسلات والأفلام في المحروسة لأخطاءهم العلمية والتاريخية التي سمّمت عقول هذا الشعب الغلبان.


قد يعجبك أيضًا: مراجعة رواية مئة عام من العزلة وقرية ماكوندو العجيبة

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سمير الشناوي

اترك تعليقا