تأخذك إلى أعماق الفكر

طعم السكّر – كيف غيّرت العبودية طعم حياتنا

كما كانت ثورات العبيد الكبرى في هايتي وبربادوس وجامايكا توضّح أن كلفة الاحتفاظ بالرق أصبحت عاليةً جدًا؛ فحتى أصحاب المزارع بالمستعمرات البريطانية أصبحوا على استعدادٍ لإلغاء العبودية بدلًا من المخاطرة بالدخول في حروبٍ واسعةٍ للإبقاء عليه.

وفى عام ١٧٧٢م أرسى القاضي البريطاني اللورد مانسفيلد مبدأً قانونيًّا تاريخيًّا بحكمه في قضية “سومرست” حيث لم يتعرّض العبيد الأفارقة للبيع والشراء في لندن نفسها، ولكن أسيادهم جلبوهم من أماكن أخرى. اعتُبِرَ العبيد الأفارقة أجانب، وبالتالي غير مؤهلين ليكونوا مواطنين إنجليز، ولكن عندما فرّ العبد جيمس سومرست من سيده وقبل أن يقبض عليه ويضعه على سفينة متجهة إلى جاميكا ليباع كعبد كان قد “عُمّد” في أثناء وجوده في لندن وأصبح مسيحيًا؛ فحضر ثلاثة آباءٍ للكنيسة أمام محكمة مجلس الملك الخاصة وطلبوا من اللورد مانسفيلد كبير القضاة أن يقضي فيما إذا كان سومرست يخضع للقانون العام الإنجليزي فيكون مخطوفًا ويجب تحريره أم لا.

وكان حكم مانسفيلد الصادر في ٢٢ يونيو ١٧٧٢ ما يلي: “ إنّ وضع العبودية لذو طبيعة لا يمكن تبريرها على أيّ  أسس، أخلاقيةٍ كانت أم سياسية، إنما وفقًا للقانون الوضعي فحسب، والذي يحافظ على صلاحيته لفترة طويلة بعد انتفاء أسباب، ومناسبات، والزمن الذي بموجبه تأسست العبودية. إنها تبلغ درجةً من الكراهة، إذ لا شيء يقبل تأييدها، ما عدا القانون الوضعي. بناءً عليه، وبغضّ  النظر عن الإزعاج الذي سينجم عن القرار، لا يمكنني القول إن هذه الحالة مسموح بها أو معتمّدة وفقًا للقانون في إنجلترا؛ وبالتالي، يجب إطلاق سراح الرجل الأسود

مثّلت قضية سومرست جزءًا جوهريًا من القانون العام المتعلّق بالعبودية في العالم الناطق باللغة الإنجليزية وأسهمت في انطلاق حركة إلغاء العبودية.

إعلان

وتلا تلك القضية قضيةٌ أخرى رفعها العبد السابق جوزيف ناست الذي هرب من سيده ورفع قضيةً مطالبًا بحريّته أمام القضاء الأسكتلندي الذي أجابه وأعلن عدم اعتراف القانون الأسكتلندي بالعبودية وأنه يمكن للعبيد أن يطلبوا حماية القضاء لمغادرة أسيادهم أو لمنع تسفيرهم من اسكتلندا أو إعادتهم إلى العبودية في المستعمرات.

وفي المقابل كان تجمّع المصالح الهادف للإبقاء على العبودية ينشط ولكن رغم تضامن تجار السكّر والوكلاء الاستعماريين ومزارعي وتجار الهند الغربية في تحالفٍ سياسيٍّ إلّا  أنّ خسارة حلفائهم في الانتخابات البرلمانية البريطانية أدّت الى ضياع فرصتهم.

وتدريجيًا بدأت بريطانيا في إلغاء تجارة العبيد ومشاركة سفنها فيها، وقام ساسة إنجلترا بحملةٍ من أجل إلغاء الرقّ  في المستعمرات البريطانية ثم دوليًا حتى أقرّت هذا المنع في مؤتمر فيينا ١٨١٥م وفي مؤتمر لندن ١٨٣١م حيث اعتبرت تجارة الرقيق من أعمال القرصنة وشنّت حربًا على ممارسيها حتى ألغيت العبودية رسميا في ١٨٣٤م  وإن كان استمرّ العبيد المحرّرون في خدمة أسيادهم تحت مسمّى متدربين لفترة.

أمّا في أمريكا التي كان بها أكبر عددٍ من العبيد في العالم (قرابة ١٢ مليونًا مقابل قرابة ٣٠٠ ألفٍ  في المستعمرات البريطانية) فكان إلغاء الرقّ  أكثر صعوبة.

عندما استقلّت الولايات المتحدة الأمريكيّة واجه اتحاد الولايات إشكالية الرقّ بحلٍّ  بدا وقتها عمليًا للحفاظ على وحدة الاتحاد؛ حيث أقرّ بالرق من حيث المبدأ ومنح كلّ ولايةٍ الحق في الإبقاء عليه أو إلغائه بداخلها؛ الأمر الذي أدّى لوجود ولاياتٍ  حرّةٍ في الشمال ذي الاقتصاد الصناعي وولاياتٍ استرقاقيةٍ في الجنوب القائم على الزراعة، ولكن عندما انضمت ولاياتٌ جديدةٌ إلى الاتحاد أصرّ الشماليون على أن تكون ولاياتٍ  حرةً لأنهم أرادوا القضاء على الرقّ  تدريجيًا بينما اتهمهم ساسة الجنوب أنهم يرغبون في إضعاف اقتصادهم الزراعيّ بإضعاف الرقّ  ليتمكنوا من الانفراد بحكم الاتحاد.

عندما انتُخِبَ ابراهام لينكولن المؤيّد لإلغاء الرق على مرشح الولايات الجنوبية ١٨٦٠م بدأت الولايات الجنوبية في التمرّد والانسحاب من الاتحاد وألّفت اتحادًا جديدًا باسم الولايات المتعاهدة الامريكية بعاصمةٍ جديدةٍ في ريتشموند، وانتُخِبَ رئيسًا لها جيفرسون ديفيس، وسرعان ما اشتعلت الحرب الأهلية الامريكية.

العبودية

وفي بدايتها تقدم لينكولن بطلب للكونجرس بمنح الارقّاء الذين يتطوّعون للقتال مع الشمال ضدّ الجنوب حريّتهم وتوقّع لينكولن القضاء على التمرّد بسهولةٍ لقدرات الشمال الصناعية وثرائه، ولكن إنجلترا وفرنسا بادرتا بالاعتراف باستقلال الجنوب وأمدّوه بالسلاح والعتاد مقابل القطن، وبنهاية الحرب بعد اربع سنواتٍ داميةٍ وسقوط ملايين القتلى أعلن لينكولن في الأول من يناير ١٨٦٣م تحرير العبيد في الولايات الجنوبية الاسترقاقية التي أعلنت الاستقلال بينما منح مُلّاك الولايات التي لم تنفصل عن الاتحاد تعويضاتٍ عن عبيدهم.

وأدّى إلغاء العبودية في الولايات المتحدة الامريكية إلى تحريك القضيّة بقوة على المستوى الدولي، وفي عام ١٨٩٠م صدرت الإتفاقيّة العامّة لمؤتمر بروكسل ونصّت على أن الأطراف اتفقت على وضع نهايةٍ لتجارة العبيد في البرّ والبحر، وأصدر السلطان العثماني فرمانًا بتحرير العبيد في ١٨٨٩م، وفي عام ١٩٢٤م أنشأت عصبة الأمم مفوضيّةً مؤقتةً للرقّ، وكلّفتها بمتابعة قضية إلغاء الرقّ، ووُضِعَ قانونٌ دوليٌّ لحظر الرقّ وتجارة الرقيق، وفي ٢٥سبتمبر١٩٢٦م  وقّعت الدول الأعضاء في عصبة الأمم على اتفاقية حظر الرقّ، وجاءت هذه الاتفاقية تتويجًا لنضال البشرية من أجل إلغاء العبودية وتجارة الرقيق، وأُلزِمَت الدول الموقِّعة بإلغاء جميع أشكال العبودية والرق والسخرة، ووضع قوانين تمنع هذه الممارسات.

واليوم يمكننا القول أن الرق قد انتهي “رسميًا” من العالم رغم استمرار التجارة الملعونة في الخفاء، وبقيت لنا دروس التاريخ..

مثّلت تجارة الرقيق عبر الأطلسي نموذجًا للرأسمالية المتوحّشة حيث ما يهمّ هو الربح، والربح فقط، ولم تجد الأفكار الإنسانية السامية والمطالبات بالرحمة آذانًا صاغيةً إلّا. عندما تغيّرت طبيعة الاقتصاد واختلف النموذج الاقتصادي المربح، وغيرّت تلك التجارة من طبيعة مجتمعاتٍ عديدة، وأفرزت اوضاعًا اجتماعيةً لم تكن لتقوم بدونها واستمرّت بعد نهاية عصره بعقودٍ طويلة، وربما الدرس الذي يمكن أن نتعلّمه هو أن ندقّق النظر عمّا إن كان ما يحقّق مصالحنا ويشبع رغباتنا أمرًا مقبولًا  أخلاقيًّا أم لا، وما هو الثمن الذي يُدفَعُ في سبيله.

نرشح لك: العبودية الحديثة

مصادر
Money Vintage Minis by Yuval Noah Harari
https://www.bbc.co.uk/bitesize/guides/z3rj7ty/revision/2https://www.ukessays.com/essays/history/economic-not-humanitarian-factors-history-essay.phphttps://www.nationalgeographic.com/news/2003/1/how-slavery-helped-build-a-world-economy/الرق ماضيه وحاضره - عبد السلام الترمانيني

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد فتحي سليمان

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.