تأخذك إلى أعماق الفكر
VIGILANTES, 1893. Woman vigilantes whipping a man for slandering their friend. Wood engraving, 1893.

السادومازوخية: سيكولوجيا مُتعة القسوة والرغبة في الخضوع

من المخادع إلى قصور الحكم

“إنَّ النزعات السادومازوخيَّة موجودة عند البشر بدرجاتٍ مختلفة في الأشخاص الأسوياء والمنحرفين على حدٍّ سواء”، إيريك فروم.

هل أنت سادي؟
هل أنت مازوخي؟
هل مارست أو مورست بحقك أي منهما من قبل؟

وقبل كل ذلك.

ما هي السادومازوخيَّة؟

لتعريف السادومازوخية يجب أن نفكك المصطلح إلى جزأين أولًا، ثم نعيد ربطهما ودمجهما مرةً أخرى؛ السادومازوخيَّة هي خليط بين الساديَّة والمازوخيَّة. ربما تكون سمعت أو قرأت من قبل عن السادية، فهي معروفة نسبيًا لدى قطاعٍ ليس بالقليل من الناس، وتقل عنها في الشهرة رفيقتها في البحث وهي المازوخية.

لذلك دعونا أولًا نتعرف على السادية كمصطلحٍ وكيف نشأ، وفيما تدرج استخدامه وتوسع من مخادع وخدور غرف النوم، وحتى كراسي الحكم وسياسة الشعوب وقيادة الجماهير.

إعلان

السادية
الماركيز دي ساد

تنسب السادية إلى الماركيز دي ساد (1740- 1814) الذي اشتهر بمؤلفاته العديدة التي تناول فيها العنف أثناء الممارسات الجنسية. وتبحر خياله فيها لأبعد مما تتخيل وظهر ذلك جليًّا وبوضوحٍ صارم في روايته الشهيرة “لعنة الفضيلة ونعمة الرذيلة”؛ على أنه واقعيًا لم يمارس كل ما حلق فيه بخياله الجامح.

ومع ذلك كان الرجل ضيفًا معروفًا لدى سجون فرنسا؛ حتى أنه سجن لفتراتٍ تصل إلى خمسة عشر عامًا، وتوفي في آخر مرة كان معتقلًا فيها وكان مريضًا بالزهري.

خلق لنا دي ساد مصطلحًا ارتبط باسمه، حتى صار علمًا متداولًا بين الكتَّاب والمؤلفين، وحتى عامة الناس في وصف كل من يجد لذة في إيقاع الألم والأذى بالآخرين. يرى بعض الباحثين أنَّ سبب ذلك الإنحراف في شخصية دي ساد وسبب سلوكه الغريب هذا هو أمه وبغضه لها. حتى أنَّه أراد الانتقام منها في صورة كل امرأة يصادفها، فكان ينزل بها الألم والعذاب أثناء ممارسة الجنس ويستمتع بسماع صرخاتها وأناتها.

عمومًا؛ نخلص من هذه المقدمة إلى أن السادية هي الإستمتاع والانتشاء والتلذذ في إيقاع الألم والأذى بالآخرين.

أمّا المازوخية ذات الحظ الأقل في الشهرة والنصيب الأدنى من الإنتشار؛ فهي قبول ورضا الفرد لما يقع عليه من ألم أو إيذاء؛ بل والاستمتاع بذلك الألم وهذا الإيذاء.

 

ليبولد زاخر مازوخ

تنسب المازوخية للكاتب الروائي النمساوي ليبولد زاخر مازوخ (1836-1895)، مؤلف رواية “فينوس في الفراء” الشهيرة. التي تحكي في بعض أجزائها عن تجاربٍ شخصيةٍ للمؤلف نفسه في حياته. ويرجع معظم الباحثين منشأ تلكم النزعة الغامضة لدى مازوخ إلى حادثة حدثت له في طفولته.

إذ كان يعيش مع عمة له كانت تعاشر عشيقًا لها بين الحين والآخر. وفي مرة أراد -بدافع حب الاستطلاع- أن يشاهد ما يجري؛ إلا أنه وهو في ذروة استمتاعه وحماسه بالمشاهدة، بدرت منه حركة كشفت سره ومخبئه. فعوقب على إثر ذلك عقابًا عنيفًا من عمته، فحصل في تلك اللحظة ذلك الارتباط الشرطي بين لذة الجنس والإحساس بالألم الجسدي والنفسي.

من هنا يجتمع الضدّان ويأتلف المختلفان، من يوقع الأذى ومن يتقبله، من يفعل ومن يستقبل الفعل، قاهر ومقهور برضاه وطلبه؛ فالسادي لن يكون ساديًّا إلا إذا مارس ساديته على مازوخي يتقبل منه ذلك الألم والإهانة، والمازوخي -بطبيعة الحال- لن يكون مازوخيًّا إلا إذا تحصَّل على سادي، يشبع فيه الرغبة إلى التعذيب والشوق إلى الإهانة.

ولكن، هل تظل العلاقة بين هذين الطرفين كما هي على حالها؟

بمعنى آخر، هل يمكن أن يصبح السادي مازوخيًّا وأن يصير المازوخي ساديًّا؟

هل يمكن أن يحدث الانقلاب وتتبدل المواقع؟

في الحقيقة إنَّ هذه العلاقة علاقة متشابكة لا يظهر منها شيء إلا واختفى منها أشياء. فمن سيّد سادي قوي مسيطر إلى عبد مازوخي مستسلم، تتقلب المواقع ويصبح السيد عبدًا والسادي يصير مازوخيًّا والعكس، ولعل أبرز الأمثلة على هذا التبدل والتحوُّل هو العلاقة بين الزوجين.

السادومازوخيَّة في العلاقة الزوجية

فبدرجةٍ أو بأخرى، يمارس الأزواج نوعًا من السادية تجاه زوجاتهم في حياتهم المعيشية اليومية من جبرٍ وقهرٍ وتسلُّط وربما إيذاء بدني أو نفسي، يقابله خضوع وصمت وربما قبول من الزوجة لاعتبارات عدة؛ كالخوف من الطلاق أو “خراب البيت” أو عدم وجود معيل آخر ومصدر دخل ثانٍ له؛ ولكن غالبًا حينما تقف الزوجة موقفًا حاسمًا وتصمد في وجه تهديدات الزوج، بل وتهدِّده هي بترك منزل الزوجية، تجد هنا لحظة الإنقلاب وساعة تبادل الأدوار. فتجد الزوج سريعًا -في الغالب- ينهار وينكسر ويتضرَّع ويتوسل لها بأنه مخطئ ومذنب، وأنه يحبها ولا يقدر على العيش من دونها، بل وقد يقبل منها كثير من التوبيخ والتقريظ والتعنيف، السيِّد صار عبدًا والعبد صار سيِّدًا، الفاعل بات مفعولًا ومهزومًا ومأزومًا ومتوسلًا.

بينما صارت الزوجة التي كانت تجلس على مقعد المازوخي وترتدي قناعه منذ لحظات، سيدًا منتصرًا ساديًّا يتلذذ بتوسل الطرف الآخر وتضرعه، ولكن في الغالب تقبل الزوجة تضرُّعات الزوج وتوسلاته وتبقى في البيت وتحدث هنا نقطة الإنقلاب الثانية، إذ سرعان ما يعود الزوج سيرته الأولى وتجد المرأة صعوبة أكبر في مواجهته والتصدي له، ويتكرر الموقف بعد ذلك مراتٍ ومرات، وتستمر الحياة بينهما على ذات المنهج ونفس المنوال.

ويرى إيريك فروم أنَّ هذه العلاقة تتكرر آلاف المرات؛ ليس فقط بين الأزواج ولكن بشكل أعم وأشمل بين قطاعات عريضة من البشر، فذلك الزوج لم يكذب حين صرَّح لزوجته أنه يحبها ولا يستطيع الحياة من دونها، وبغض النظر عن موضوع الحب إلّا أنَّه بالفعل لا يستطيع الحياة من دونها، أو بتعبيرٍ أكثر دقة من دون شخصٍ آخر يشعر أنَّه أداة عاجزة في يده يقهره ويسيطر عليه، بل ويؤلمه ويؤذيه دون اعتراضٍ ومن غير تمرُّد.

وفي كثيرٍ من الأحيان نجد الشخص السادي يحب بوضوح أولئك الذين يشعر معهم بقوته وسطوته، سواء كانت زوجته أم أبنائه أم مساعديه أو حتى الشحاذ الذي على الرصيف

فهو يشعر بالحب نحوهم لأنهم يوفرون له متعة التسلُّط ونشوة القوة ولذَّة السيطرة؛ بل قد يشعر نحوهم بالعرفان والامتنان ويهبهم الهدايا والمنح المادية والمعنوية، ويثني عليهم ويمدحهم ويتحدث بحبهم أمام الناس وهو على استعدادٍ لمنحهم أي وكل شيء يملكه، إلا أمرًا واحدًا؛ وهو الحق في أن يكونوا أحرارًا مستقلين عنه.

يتبع في مقالٍ تالي

فريق الإعداد

إعداد: محمد محمود

تدقيق لغوي: مرح عقل

تدقيق علمي: نهال أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...