تأخذك إلى أعماق الفكر

السؤال الحرام!

كلنا قابلنا هذا الرجل الذي يقول: سألت نفسي كثيرًا: ما الدليل على وجود الله؟ من خلق الله؟ هل هذا الدين صحيح؟ ثم استغفرت الله وأخمدتُ هذه الوساوس!

هذه العقلية تجبن أن تستخدم العقل، ولا تثق في العقل، وتساوي بين العقل والهوى، بل تعتبر اتباع النص وتقديمه على العقل هو طاعة لله وعبادة للدين، وتظن أنّ كل تفكير حر سيؤدي بالضرورة إلى الانسلاخ عن الدين، وتظن أنّ دور العبد محصورٌ في الطاعة والتسليم!

ومن هنا ظهرت أصوات تنادي بعدم الخوض في العلوم الفلسفية، وتحريم علم الكلام، والاكتفاء بظواهر النصوص!

وفي المقابل يرى كثيرون من غير المؤمنين أن الإيمان لا يمكنه أن يعيش في عقل ناقد متسائل، بل قوام الإيمان وعموده الفقري هو التسليم للغيب، والاتباع، والطاعة. والله يريد عبدًا مسلِّمًا وليس عالِمًا مشككًا ومتعمقًا، ويظهر ذلك في عدة أدلة من الدين نفسه:

الملائكة تسأل والله لا يجيب!

حين سألت الملائكة الله: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)؟ فما كان الجواب الإلهي سوى: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)! كأن مفاد الإجابة: لا تسألوا وأطيعوا فقط!

إعلان

تهمة إبليس الفكر!

إن معصية إبليس أنه سأل، تهمته أنه فكَّر وجادل ربَّ العزة، فارتطم بعقابٍ أزلي، لأن الله لا يريد جدالًا، بل يريد طاعة فقط؛ فبمجرد أن قال إبليس: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)، جاءته الإجابة: (فَاهْبِطْ مِنْهَا)!

يقول (بودمان): “لم يفنِّد الله ولم يدحض حجة إبليس. الله يرفض الكون الذي تخضع فيه الأحكام الإلهية للمناقشة العقلانية”(1).

الخضر يعلِّم موسى: اتبعني ولا تسأل!

قصة موسى والخضر محورها التسليم؛ فالقصة هي صراع بين تساؤلات موسى وغموض وصمت الخضر. والدرس المستفاد: لا تسأل، ولا تعترض، وأطع الخضر/ القَدَر في صمت!

ومِحور القصة في: (قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ)!

لا يُسأل عما يفعل:

حرَّم الله سؤاله عن أي فعل أو تشريع، وبالتالي فهو يسد كل التساؤلات الدينية من بابها؛ ويحرِّم علم العقيد/ علم الكلام، فلا سؤال، ولا بحث، ولا تفكير، وما دورنا إلا الامتثال والطاعة!

يقول (ريتشارد دوكنز): “الإيمان الديني هو مبيد فعّال لكل أنواع المنطق العقلاني”، “الإيمان بطبيعته لا يتقبل أي شك أو تساؤل”، “المسيحية، كالإسلام، تُعلِّم الطفل بأن الإيمان دون سؤال هو فضيلة”(2).

***

الملائكة تسأل والله لا يجيب!

يعتقد البعض أن الملائكة حين سألت: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، جاءتهم الإجابة: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وانتهى الأمر، وبذلك نستخلص: السؤال ممنوع، والإجابة مجهولة!

لكن نتوقف عند عدة نقاط:

– قال تعالى للملائكة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، وهو بذلك يُعلِمهم ويخبرهم ويخطرهم بحقيقة لم يسألوا عنها ولم يحتاجوا إليها، وكانت هذه المقدمة كلّها هي تقديم للأمر الإلهي: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ)، فكان من الممكن الاكتفاء بأمر السجود وتنتهي القضية، لكن نتلمس من طريقة السرد أنّ الله أراد إعلام الملائكة أولًا بحقيقة آدم ومهمته وعلّة الأمر وحكمته. فهو أمر مسبوق بتوضيح وشرح.

– الله تعالى لا يُحاسب أو يُراجع عما يفعل، ولا يُقدَّم بين يديه اقتراحٌ أو تعقيب؛ إذ لا يخفى على علمه شيء، ورغم ذلك سمح الملك القهار للملائكة أن تسأل، بل أكثر من ذلك؛ إذ يحمل السؤال لهجة تعجّب واستهجان، ويلمّح إلى أن الملائكة رأت نفسها أجدر بالاستخلاف من البشر، لذلك قارنت نفسها بالبشر، وقد سمح الله بكل هذا!

– سجَّل الله تعالى سؤال الملائكة، وخلَّده في قرآن يُتلى ويُحفظ ويُتعبد بقراءته، كأن الدرس المستفاد: حتى الملائكة تسأل، فما بالنا بالإنسان؟! وهو بذلك يفتح سدًا من الأسئلة، ويزيح الحجب عن هواجسنا لنطرحها بلا خجل ولا خوف، ومن عاب عليك السؤال، يكفيك إجابة أن تقول: حتى الملائكة سألت.

نرشح لك:الإعجاز العلمي يفتن الذين آمنوا في إيمانهم

يقول القاسمي: “دلّت الآية على أن الله تعالى -في عظمته وجلاله- يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه، وما يخفى عليهم من أسراره في خلقه، لا سيّما عند الحيرة”(3).

وليست هذه المرة هي الأخيرة التي يسمح الله فيها بالسؤال والتعجب من فعله، فقد سمح للكافر بسؤاله: (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا)؟

وأشد من ذلك؛ إذ يسمح القهّار المهيمن لعبيده العُصاة المُذنبين أن يجادلوه، (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)!

هل يسمح ربُّ العزّة بكل هذه البحبوحة من السؤال والتعجّب والاستهجان والجدال، ثم نقول في النهاية: لقد منع السؤال؟!

– أجاب الله على سؤال الملائكة إجمالًا فقال: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، وهي إجابة لا تمنع السؤال ولا تحظره، بل تشرح أنه صحيح يملك الإنسان صفات شهوانية وحيوانية تجعله يُفسِد في الأرض ويُسفِك الدماء، كما قالت الملائكة، لكن في البشر أيضًا صفات روحانية وأخلاقية وعلمية، تجعله يتخلّق بأخلاق الله، ويعمِّر الكون، ويترك لذَّاته ليعبد ربه طواعيةً، وغير هذا كثير من طبائع البشر التي تؤهله للخلافة يعلمها الله ولا تعلمها الملائكة.

– رغم أنّ الإجابة السابقة كافية، لكن مثَّل الله إجابته، وفصَّل حكمته، وجسَّد تميّز الجنس البشري، وهو الغني عن كل هذا البيان، فقال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ).

وهذا التمثيل الطويل هو برهان عملي يثبت أن قدرات آدم تؤهله أن يكون خليفة الله في الأرض، وتثبت تفوّقه على جنس الملائكة.

يقول القاسمي: “لما بيَّن سبحانه وتعالى لهم أولًا على وجه الإجمال والإبهام أن في الخليفة فضائل غائبة عنهم، ليستشرفوا إليها، أبرز لهم طرفًا منها، ليعاينوه جهرة، ويظهر لهم بديع صنعه وحكمته، وتنزاح شبهتهم بالكلية”(4).

إذن فالدرس المستفاد من سؤال الملائكة وإجابة الرحمن: السؤال مشروع، وحكمة الله ظاهرة، ودورنا البحث والتحرّي.

***

تُهمة الشيطان الفكر!

يعتقد البعض إن معصية إبليس أنه سأل، مشكلته أنه فكَّر وجادل رب العزة، فارتطم بعقاب أزلي، لأن الله لا يريد جدالًا، بل يريد طاعةً فقط؛ فبمجرد أن قال إبليس: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)، جاءته الإجابة: (فَاهْبِطْ مِنْهَا)!

يقول (بودمان): “لم يفنِّد الله ولم يدحض حجة إبليس. الله يرفض الكون الذي تخضع فيه الأحكام الإلهية للمناقشة العقلانية”(5).

أولًا: ما معنى الأمر الإلهي بالسجود لآدم؟

يقول الرازي: “أجمع المسلمون على أنّ ذلك السجود ليس سجود عبادة؛ لأن سجود العبادة لغير الله كفر، والأمر لا يُرَد بالكُفر.

والسجدة كانت لآدم تعظيمًا له وتحيةً له، كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأُمم السالفة تفعل ذلك كما يحيِّي المسلمون بعضهم بعضًا بالسلام، وقال قتادة في السجود ليوسف في قوله: (وخرّوا له سجدًا) كانت تحية الناس يومئذٍ سجود بعضهم لبعض”(6).

ويقول العقاد: “السجود كلمة عُرفت في اللغة العربية قبل أن يعرف العرب صلاة الإسلام، ولم يفهموا منها أنّها كلمة تنصرف إلى العبادة دون غيرها، لأنهم يقولون: “سجدت عينه” أي أغضت، و”سجدت النخلة” أي مالت، و”سجد” أي غضّ رأسه بالتحية، و”سجد لعظيم” أي وقَّرَهُ وخشع بين يديه. ولا تناقض على معنى من هذه المعاني بين السجود لآدم وتوحيد الله، وإنما السجود هنا التعظيم المستفاد من القصة كلها”(7).

ثانيًا: هل كان للشيطان شبهة عقلية يُعذر بسببها؟

قد يُقال: لعلّ إبليس اعتبر الأمر للندب لا للوجوب، أو لعلّه اعتبر الأمر للملائكة وليس له.

إن كل هذه الاحتمالات باطلة؛ إذ أعقب الله الأمر بتوضيحٍ لا لبس فيه، فقال: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)، وقال: (يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ)، فلو كان له عذرٌ لقاله هنا، لكن هو نفسه لم يذكر أنّه أخطأ الفهم!

وقد يقال: لعلّ إبليس اعتبر أنه أفضل من آدم، فمن العبث أن يعظِّم الأعلى الأدنى.

ويمكن صياغة حجة إبليس في الصورة التالية:

مقدمة أولى: خلقتني من نارٍ وخلقته من طين.

مقدمة ثانية: النار خيرٌ من الطين.

مقدمة ثالثة: ما كان أصله خير فهو خير.

النتيجة: أنا خيرٌ منه.

نرشح لك: أسئلة الإسلام والعلم المزعجة: الله والقرآن والعلم

المقدّمة الأولى صحيحة.

أما الثانية (النار خيرّ من الطين) فباطلة؛ لأنه لا دليل أن النار خيرٌ من الطين، وقيمة المواد الخام نسبية واعتبارية، نابع من ندرتها أو كثرتها فقط.

أمّا الثالثة (ما كان أصله خير فهو خير) فباطلة؛ لأن من كان أصله خير لا يلزم أن يكون هو خير، فقد يكون المرء نَسَبَه خير لكن خُلُقُه وضيع، والرماد أصله نار، والحدائق أصلها طين، والحدائق أفضل من الرماد.

وكون إبليس من نار وآدم من طين لا يعني أنهما عبارة عن نار وطين فقط، بل يعني فقط أن بداية التكوين كانت من نار وطين، ولا مانع من التحاق موادًا إضافية للنار والطين ليتكوّن آدم وإبليس، وبالتالي حتى لو كان الطين أسوأ من النار، فالجسم بعد التكوين، وبعد التحاق مواد إضافية به، قد يكون أفضل.

كما أنّ التفضيل قد يكون لوجوهٍَ أخرى غير مادة الصنع، كالعلم والخُلُق والعمل.

إذن فحجة إبليس العقلية غير صحيحة.

وقد يقال: لعل آدم خيرٌ من إبليس فعلًا، لكن إبليس لم يكن يعلم ذلك.

قبلَ الأمر بالسجود سجَّلت الآيات الحوار الدائر بين الله والملائكة الذي أثبت الله وبرهن ومثَّل من خلاله أفضلية آدم، ثم أمر بالسجود، فسياق الآيات يشير إلى اطلاع إبليس والملائكة على أفضلية آدم.

كما أن إبليس لم يعترض ويقل: أنا لم أعلم أن آدم أفضل.

كما أن إبليس لو جهل أفضلية آدم، فهذا لا يمنعه من السجود؛ إذ الجهل بالشيء لا ينفي وجوده.

ثالثًا: مشكلة إبليس أخلاقية لا عقلية

إن إبليس جاءه أمرًا إلٰهي من الله نفسه بذاته وجلاله مباشرةً، بدون وسيط ولا رسول، يأمره بأمرٍ واضحٍ وصريح، لا ريب فيه ولا غموض، ثم أعقب الأمر استفهام غرضه التقريع، فما كان جواب إبليس إلّا عصيان الخالق، بل الإصرار على الذنب والقَسَم بالتماهي فيه، وإغواء البشر!

فحين توعَّده الله بالعذاب، كان جواب إبليس: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، وقال: (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا)، فهل هذا رد مفكّر غاب عنه استنتاجًا عقليًّا، أم كافر متكبر، عاصٍ لرب العزة؟!

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: خالد باظة

تدقيق لغوي: نَدى ناصِر

الصورة: pixabay

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.