تأخذك إلى أعماق الفكر

الزبون الصامت

برتابةٍ تعدو أيامه، بالكاد يلحظه الآخرون؛ فهو الصامت في كلّ مكان أشبه بناسكٍ في محرابه، وما الكون المحيط به إلا محراب كبير ولكنه صخب مشوش.

يحاول تجنّب كلّ أنواع الكائنات، فيذهب للبقالة يختار ما يريده ثم يذهب لدفع المال دون التحدث ولا النظر للبائع، حتى لقّبه البائع ذات مرة بالزبون الصامت، فرمقه الشاب بنظرة فيها رضى ورحل. في المواصلات العامة يبقى ساكنًا كقطعة خشبية صمّاء حتى أنه أحيانًا لا ينزل في محطّته إن لم تتوقف العربة فينتظر المحطة القادمة هذا إن توقفت، وإن لم تتوقف إلا في المحطة الأخيرة فيتركها ويركب عربة أخرى لتعود به إلى أقرب محطة تتوقف بها فيتركها ويكمل طريقه سيرًا حتى منزله، يكره ركوب سيارات الأجرة الخاصة لأنه سيضطر إلى إخبار السائق بوجهته، لذلك دائمًا ما يحافظ على قدميه لأنها وسيلة تنقّله في كل مكان.

في المقهى، طلبه المعتاد “قدحًا من القهوة”.. قالها لمن يعدها مرة واحدة، وكلّ مرة يذهب فيها إلى المقهى يرفع يده لصاحب القهوة أو النادل فيُعدّ له قهوته فيتناولها على مهل كأنها آخر شيء يضعه في فمه قبل مغادرته هذا العالم، يقوم باستنشاق البخار المتراقص منها ثم تحسُّس سطحها بأحد أصابعه، ويرتشف منها رشفة يتذوقها بلسانه ثم يتركها تروي الجسد بقوتها الناعمة لتداعب عقله وتحثه على استيعاب ما يجري حوله.

في أحد المرّات ذهب لمقهاه وجلس فجاءت قهوته.. وقبل طقوسه المعتادة لتناول القهوة، جلس بجواره شابّ بدا عليه الإرهاق والشحوب؛ فوجهه يتصبّب عرَقًا، أنفاسه تخرج منه كالهاربة من معركة داخل رئتيه، شعره مشعثٌ وغير متساوٍ كمجموعة أوراق مُزّقت بعنفوان، ملابسه غير مهندمة ولكنها نظيفة، يضع في أذنه سماعتين إحداهما ليست في أذنه، فقد سقطت منها.

بعد جلوسه، نظر للشابّ الآخر ومدّ يده ليسلم عليه فصافحه في تجهّم، ثم أشعل سيجارة، ووضع النادل قدحًا من الشاي أمامه دون التحدث وهرول لتلبية طلب آخر.

إعلان

ساد الصمت على تلك البقعة رغم صخب المقهى، فمال الشابّ لبدء طقوسه مع القهوة ولكنّ الشابّ الآخر أوقفه بحديثه السريع المتلعثم فلا تلحظ كلامه ولا تلعثمه لكثرة كلماته.

_ أنا ضامِر هلال هاشم.. لا يمكنك تخيل ما حدث وأنا في طريقي إلى هنا، رأيت أشياء لا يمكن الصمت عنها؛ فكان هنالك سيدة مسنّة تحاول المرور بين السيارات المسرعة على مهل لا تنظر للطريق، فقط تعدو بينها، ولم يتوقف السّير ولكنها مرت سالمة، وحدث أيضًا أن سائق العربة التي نقلتني إلى هنا لم يتوقف عن نعت الزمن والناس بأبشع الصفات، والراكبون كانوا يلعنون المعيشة وقلة الأموال والحيلة حتى أنني وجدت العربة كلها تسبّ الحاكم بلفظ يدعو للسخرية ولكني لم أضحك معهم؛ ضحكت منهم لكنهم بالطبع بعض من الرعاع لم يفهموا ضحكتي تلك، وعندما توقفت لشراء علبة السجائر أعطيت البائع خمسون جنيهًا ولكنه ردّها لي مائة وخمسة وسبعين فدسستها في جيبي ورحلت..

أعلم أعلم أنها، نوعًا ما، سرقة لكنه هو من غفل ليس أنا، فاعتبرتها حقي، ولكن لم أنعم بالمال كاملًا لأنني وجدتُ طفلًا يبيع المناديل فقررتُ إعطاءه بعض المال وعند رؤيته للمائة جنيه لمعت عيناه فأعطيتها له، ففرح ودعا لي وعدا بسرعة حتى أنه ارتطم بسيارة ولكنه بخير.. على كلّ حال أكمل طريقه بعد تلك الصدمة لكن الأمور جهنّمية اليوم، أعتقد بسبب تلك المباراة التي ستقام بين منتخبنا ومنتخب آخر أفريقي، بالطبع لا تعلم وقتها فأنت ممن لا يشجعون تلك اللعبة الآكلة للعقول في بلادنا، لكن على كل حال فإن فوزنا سينقلنا لكأس العالم، يا له من إنجاز عظيم لبلدة خربة..

بمناسبة الأمور الجهنمية رأيت بعض الكلاب تعدو وراء كلبة وحيدة في شارع مظلم يحاولون الفتك بها.. آه، تلك الغريزة الحيوانية غير المُسيطر عليها تشعرني أننا في الأدغال لأنه لم يحاول أحد إنقاذ المسكينة.. بالطبع لم أحاول أنا الآخر فأنا ضعيف كما ترى، سوف تلتهمني (الكلاب) ثم تنقضّ عليها، المهم سأكمل لك..

في طريقي أيضًا، قابلت فتاة كأنها قطعة من الجنّات مجتمعة فيها، فلون عينيها واحدة خضراء كأرض مثمرة  تفترش نصف الكوكب والأخرى زرقاء كمحيط يغمر النصف الآخر جعلتني مأخوذًا إلى سماء أعمق من خيالي، وشعرها البنّيّ ذو الخصلات الذهبية يتدلّى متراقصًا على رقبتها اللامعة.. أحيانًا تلك الأشياء الجميلة غير المتناسقة في الكون تجعلني أحاول العيش، ولكنّ رؤيتي لها جعلتني أتذكر المسكينة في الشارع المظلم. في حال كنت تتساءل عن مظهري! لم أستطع ترك المسكينة، في الحقيقة عدت أدراجي وألقيت على الكلاب بعض الحصوات وسببتهم فتركوها وجاؤوا ورائي فهربت منهم حتى جلست في المقهى. هل يضايقك حديثي؟

قالها في ودّ كأنهما صديقين، فنظر له الشابّ الأول ونظر لقهوته التي هرب منها البخار المتراقص، وهو أهمّ طقس في طقوسه، وقال لنفسه: “أعلم أنّني لن أستطيع فهم العالم المحيط الآن بدون هذا الشراب السحري.” ثمّ نظر للشاب وهزّ رأسه في ملل دون تكلّف فأخذها الآخر على أنها موافقة.

_ لقد عرّفتك بنفسي.. أنا ضامِر.. على كلّ حال تشرّفتُ بمعرفتك، فقليل من الناس يستمع هذه الأيام.. الجميع يريد التحدّث وخاصة إلى الغرباء لأنهم لن يتقابلوا مرة ثانية فيصبح بمقدورك قول ما تريد ولن تهتم، وأعتقد أنك فرصة وعليّ استغلالها، دعني أخبرك أنني تخرجت من الجامعة في الميكانيكا الكمية ولكن لم أجد عملًا في مجالي، كما تعلم في بلادنا، فعملت كموزّع لبعض المنتجات، لذلك أهتمّ بقدمي وأحافظ عليها دائمًا لأنني أتجوّل كثيرا..

أنا وحيد، أقطن وحدي، لا أتحدّث عن نفسي لكثير من الناس فحديثي مع العملاء من أجل العمل، ولكن اليوم بسبب المباراة تلك فا يوجد عمل، فالجميع متأهّب لها.. أما أنا فسأجلس في منزلي بعيدًا عن تلك الضوضاء وأعتقد أنّك ستفعل هذا أيضًا. على كلّ حال، المباراة في تمام السابعة مساءً وسيكون التشكيل كما هو، لن يضيف المدير الفنّيّ أيّ جديد لأنه يريد الحفاظ على روح الفريق، يذكّرني هذا بالتشكيل الحكومي عندنا، يظلّ كما هو للحفاظ على روح الفريق، حتى إن تسببوا في جلطة لهذا الشعب دون إحراز أي تقدّم فالفريق عندهم رتبة عالية يرأسهم..

أتعلم، اختلاف المعاني هذا بديع حتى أننا نضع لكلّ اسم لقبًا من نوعٍ ما، ففريق الكرة نطلق عليه الفراعنة، وهذا مضحك! فأين لهم من الفراعنة في فنّهم وعلومهم وحضراتهم الخالدة.. أشياء جهنّمية كما أخبرتك تحدث، فاللقب الملقّب به الفريق ذو الرتبة مضحك أيضًا عندما أطلقه الراكبون في العربة.. اه ها..ها.. كلّما أتذكّرهم، يا لهم من رعاع يضحكون على رعاعة آخر؛ منهم الذي أطلق أحد رجاله عليهم في مقالة مطولة رعاع.. ها..ها.. أشياء جهنّمية على كلّ حال..

الشابّ لا ينظر إليه، فقط أعطاه أذنه ونَظَرًا لأنه يفضّل الصمت، فلم يقاطعه، وكيف له أن يقاطعه بطريقته تلك! فهو كشريط سينمائي لا يتوقف عن جلب المزيد من الأحداث والمشاهد. نظر لقهوته يرتجيها بحسرة لتأتي إليه وحدها، وأخذ يفكّر في الشابّ الثاني ومظهره، فلولا أنّه في مكان عامّ كاد يقول أنّه نسخة منه عدا هيئته المضطربة وحديثه الكثير.. ولكنه لا يستطيع الحكم الآن لأنّه لم يتناول قهوته التي تعيد له توازنه مع هذا العالم. ثمّ نظر بجواره فوجد الشابّ رحل من المقهى وتوجه لآخِر الشارع، ثم دلف يمينًا فاختفى عن نظره، ووجد قدح الشاي على المنضدة كما هو! فرفع يده للنادل ليسأله عمّا إذا كان أحد جلس بجواره؟ فجاء النادل، وقبل أن يقرّر الخروج من صمته ويسأله، أخذ النادل قدح الشاي وأخبره بأنه وضعه هنا بالخطأ، فوقف الشابّ وقرّر الرحيل ووضع يده في جيبه ليعطيه ثمن القهوة المتحسّر عليها فوجد خمسة وسبعين جنيهًا وعلبة سجائر.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.