تأخذك إلى أعماق الفكر

مفهوم الرجولة كمرآة عاكسة لوضع المرأة العربية

في رحاب واقعنا العربي، تُقذف الأنثى في مستنقع مسميات محلّقة فوق رأسها من أهمها (الرجولة)!
الرجولة مصطلح ليس فقط يصطدم فوق رأس الأنثى ولكن الذكر أيضًا، حيث تأخذ أبعاده في كلا الجنسين، بأشكال متفاوتة بدرجة ما، ولكن في منبعها؛ يكون الامتثال والخضوع على قمة جبلها، في أفق المجتمع البطريركي.

الجندرية والرجولة

من أهم سمات المجتمع الأبوي، هو البنية الهرمية له، الذي يعد تقسيم طبيعة العمل الوظيفي للأدوار الاجتماعية المقسمة بين الذكور و الإناث، ركيزة أساسية لبنية هذا المجتمع، مما ألحق تأثيرات على التقسيم في خلق المثال الذي يجب التمثل به، من كلا الطرفين؛ لاكتساب شرعية الانضمام للجماعة، مما يخلق تحديد إطار الحقوق والواجبات بين الفرد والجماعة.
ومنها خلقت الأدوار الجندرية لتحدد مساحة تحرك كلا الطرفين، ولكن مصطلح الرجولة يتسم بطابع أكثر مرونة من مصطلحي الذكورة والأنوثة، فمن أهم سماته؛ بأنه إذا ولد الذكر؛ وُلد معه فطريًّا، إلا إذا كسر ما هو معروف اشتراطيًا، لتنال اكتساب خاصية هذا المسمى. أما الأنثى تتسم علاقتها به اكتسابًا وليس فطريًّا، كما في الجانب الآخر، فيجب أن تمتثل لدورها المحدد جندريًا من قبل المجتمع الأبوي لكي تنال لقب (أنت راجل)!

بما لا شك فيه، عندما نتأمل هذا المسمى دائمًا مصاحبًا بالطابع التهديدي، بمعنى أي خرق للامتثال بقواعده، ستحرم ويلقى بك منبوذًا سواء ذكرًا أم أنثى، وبما لا شك فيه، يأخذ أبعادًا أكثر تهديدية عند الذكور أكثر من الإناث، لارتباطه دائمًا بمفهوم البطولة المعتمدة، بشكل أخصّ بالقوة البدنية، كانعكاس لحصره كخاصية تميز للذكور، ولكن تأخذ بعدًا خاصًّا لدى دخول المرأة دائرتها، حيث سمة البطولة الرجولية مصاحبة لها مع مدى تمسكها بالمبادئ البطريركية، خاصة في علاقتها مع جسدها، حيث كلما حافظت على تطبيق خريطة هذه المبادئ على جسدها، باسم مفاهيم كالشرف والطهارة والعفة، دائمًا البعد الجنسي ركيزة محورية في تأسيس هذه القيم البطريركية والتي تأخذ شكلها الفج في صياغة جسد المرأه جندريًا.

في أغلب هذه المجتمعات الأبوية تتسم بالثنائية في عملية صياغة مفاهيمها، ينعكس بشكل واضح في مفاهيم المرتبطة بالذكورة والأنوثة، فإذا كانت الذكورة السماء، القوة، الحركة، النور، فإن الأنوثة الأرض، الضعف، الثبات، الظلام. وما شابه ذلك؛ هذه العمليات الثنائية تنعكس على تشكيل المفاهيم، وما يندرج تحته هو صحيح اجتماعيًا، وما هو خطأ باسم الدين، الأخلاق، القيم، العادات، التي تحدد نسق العلاقات بين الذكور والإناث في المجتمع الأبوي.

الأيدولوجية البطريركية العربية والمرأة

كما هو موضح سابقًا، أن خلال هذه الصياغة لتحديد الأدوار الجندرية الاجتماعية بين الجنسين، يتم إضفاء الطابع الشرعي لترسيخ هذه التقسيمات الجندرية من خلال المواثيق الاجتماعية، كالقانون، والدين، والعادات، والتقاليد، ما يندرج ما هو إلا عرف مجتمعي.
نجد البعد الديني يأخذ طابع أكثر استتارة وغموض، حيث يأخذ البعد النفسي الامتثالي له بالطابع الأكثر تهديدًا، وبسبب سمته المتعالية يفرض وسيطًا غير مباشر ليمثل سلطته على أرض الواقع؛ هذا الوسيط يشكل من خلال القوى السيادية الممثلة في المجتمع والمهيمنة ذكوريًا، حيث أنّ مساحة هذه الهيمنة إذا تم التنازل عن بعض الامتيازات لصالح النساء، يتم تحديد مساحة هذه التنازلات مسبقًا من قبل القوى الممثلة للسلطة الأبوية.
بما لا شك فيه، فإن مجتمعاتنا العربية خير مثال على المنظومة البطريركية بكل عنفوانها، ولكن بنية المجتمعات دائما تتسم بالمفارقة بين بعدها الأيديولوجي وبعدها الواقعي، والمسافة بينهم تعكس مدى الارتباط بين النسقين، عندما نتأمل واقع المجتمعات العربية تعكس مدى التناقض بين بعدها الأيديولوجي والواقعي خاصة التطورات التحديثية لتلك المجتمعات، بعد الصدمة الحضارية التي رافقت مرحلة الاستعمار، هذه المحاولة التحديثية لبنية تلك المجتمعات لم تفرض من قبل القوى الاستعمارية فقط، ولكن كان هناك تفاعلات من تلك المجتمعات لمحاولة مواكبة تلك التطورات التحديثية التي عكست على بنية المجتمع ككل، فالتطورات التي ألحقت بالثورة الصناعية الرأسمالية كسرت بنية الأنظمة الاجتماعية السابقة التي كانت تقوم بالمزاوجة الأرستقراطية الأبوية وإطارها الشرعي الديني والقانوني، التي خلقت معها تحطيم القيود التي فرضت على المرأة خلال هذه الفترة التاريخية.

إعلان

انعكاس الثورة الصناعية الرأسمالية أدى إلى تغيير بنية تلك المجتمعات من مختلف جوانبها وانعكاساتها، على تغير شكل الدولة والمؤسسات الديمقراطية التمثيلية، قائمة على تحديد المجال العام والخاص وحصر الدين بمجاله الخاص، ويكون القانون هو البوصلة المحددة لبنية المجتمع. هذا ساهم بلا شك بتغير شكل العلاقات بين الأفراد ورؤيتهم لذواتهم خاصة المرأة. التي كانت محصورة في مرآة انعكاس الأساطير التي صنعتها المجتمعات الأبوية التقليدية .

مع التطورات الصناعية لتلك المجتمعات والحاجة لزيادة القوى العاملة، مما زاد الإلحاح لدخول النساء كأيدي عاملة رخيصة ساهمت تلك في التحرر الاقتصادي لوضع أغلب الإناث العاملة؛ مما عمل على إخلال الدور التقليدي للمرأة في بنية الأسرة القائمة على حصر دورها الأمومي والإنجابي.

مع تطور بنية الدولة الليبرالية ومؤسساتها الديمقراطية التمثيلية شجعت التنظيمات النسوية بالمطالبة بحق المواطنة والانتخاب، نتيجة انعكاس الإطار الأيديولوجي الليبرالي الديمقراطي، القائم على المساواة بين الأفراد وحق تقرير المصير، انعكس على تغير نظرة النساء لأنفسهنّ، من مجرد تابعة للرجل.. إلى فرد له حق تقرير المصير، مما أدى إلى تصعيد حق المساواة أمام القانون بعيدًا عن التحيزات الجندرية التقليدية، وهذه من أهم الحقوق التي رفعتها المنظمات النسوية في تلك البلاد.

اقرأ أيضًا: النسوية بين المغالطات والرجعية

 

المرأة العربية ومحاولات تحديث المجتمع

كل هذه المراحل المقتضبة لأهم تطورات عملية تحرير النساء في تلك المجتمعات كانت متأثرة بنيويًا بتطورات المجتمع الرأسمالي الصناعي، وشكل الدولة المصاحب لها؛ ولكن في واقع المرأة العربية لم تحدث هذه التطورات بهذا الشكل المكتمل، وهذا نتيجة فشل تحديث بنية تلك المجتمعات، حيث ألحقنا بركاب الحداثة من بابها الخلفي! وفشل ما يسمى بالحداثة العربية، نتيجة عدم التحرر من البنية التقليدية ما قبل الحداثة لتلك المجتمعات، التي ساهمت في فشلها بشكل أخص الدكتاتورية العسكرية والفاشية الدينية، حيث أنهما وجهان لعملة واحدة.

هذه التفاعلات الاجتماعية التي صاحبت المجتمعات العربية، خلقت تناقضات عديدة في جميع جوانبها بسبب معضلة التمسك بهويتنا القومية الدينية، ولكن في ذات الوقت؛ فإن السماح باستخدام التقنيات الحداثة دون فهم أو معرفة خلفية تطور هذه الإبداعات، فأصبحنا أمام صنمية التقنيات في هذه المجتمعات.. حيث نستخدمها دون أي أثر أو انعكاس لتغيير طريقة تفكيرنا.

في محاولات تحديث تلك المجتمعات لنفسها، أدى ذلك إلى محاولة تغيير النظرة للمرأة وشكل العلاقات التقليدية بين الذكور والإناث، من المطالبة بحق تعليم النساء، إلى حق الخروج للعمل، وبالتالي خروجها من حصرها في مجالها الخاص محدود المساحة، بوظيفتها الأمومة والإنجاب، إلى المشاركة في المجال العام. هذه العملية صاحبت التناقضات والصراع بين النظرة التقليدية ما قبل التحديث، والنظرة التي رافقت محاولة التغيير التحديثية، مما أدى إلى مصاحبة رؤيتين متناقضين لنظرة المرأة في تلك المجتمعات، من حصر المرأة بدورها التقليدي إلى المشاركة والخروج للمجال العام للمشاركة بكافة المجالات الحياتية لهذه المجتمعات.

هذه التطورات صاحبت أيضًا تغييرًا في الأدوار الجندرية التقليدية للذكور، خاصة مع تغيير البنية الاقتصادية التي كانت قائمة بشكل أساسي على الإنتاج الزراعي إلى الإنتاج الصناعي والتجاري، الذي تطلب خلق قوى عاملة ذو مهارات عالية من التعليم التخصصي خاصة في كيفية التعامل مع التقنيات الحداثية. أصبحت محور الإنتاج الصناعي الرأسمالي، هذا تحول ساهم في خلق فجوة في البنية الاقتصادية لتلك المجتمعات الزراعية الأبوية التقليدية، مما انعكس على زيادة البطالة والهجرة من الأرياف إلى المدن الصناعية، لمحاولة الانضمام في منظومة القوى العاملة الصناعية، مما أدى إلى انعكاسات في تغير شكل العلاقات بين الأفراد من بنية علاقات القربى، والعرف والعادات والتقاليد، التي تتسم بها الأرياف، إلى شكل العلاقات التي يتسم بها القانون هنا، المحور في صياغة العلاقات بين الأفراد في المدن.

كل هذه التطورات عكست على الدور التقليدي للذكر في تلك المجتمعات البطريركية ومفاهيمها كمفهوم الرجولة، خاصة انعكاس هذا المفهوم على الدور التقليدي للذكر، المرتبطة بفكرة القوامة، التي تأخذ صبغة دينية.. ومدى ارتباطها بالإنفاق المالي كأحد أساسيات مفهوم القوامة الرجولية. حيث أن الرجل هو الذي ينفق لقيادة الأسرة، وبالتالي المرأة تحتل دور التابع وحصرها الاعتمادي على ما ينفقه الرجل لها، ولأولادها؛ ولكن تطورات الحقبة الصناعية الرأسمالية والإلحاح بدخول المرأة في سوق العمل، كما وضحنا سابقًا، هدم من هذه الأنماط الشكلية للعلاقة الأسرية البطريركية، مما جعلنا نقف أمام التناقض بين ما هو على أرض الواقع، وبين أشباح مفاهيم أيديولوجية المجتمعات العربية البطريركية التقليدية؛ الذي يحاول أن  يقدم شبحه الأيديولوجي، ومن أهمها مفهوم الرجولة، بأنه ثابت وأزلي، ولكن الواقع التاريخي أمامنا.. أكبر دليل على تحطيم هذه الأسطورة الذكورية.

بين جمود تلك الأساطير الأيديولوجية القائم عليها بنية المجتمعات البطريركية العربية، فأكبر سمة ميزات الإنسان ككائن حي على هذا الكوكب هو مدى تفاعله مع بيئته المحيطة وخلق أساليب معيشية متطورة، استطاع من خلالها التحكم على هذه الطبيعة العمياء؛ والتاريخ يثبت دائمًا، أن المجتمعات تعلن وفاتها مسبقا عندما تتوقف عن تقديم ما هو جديد، ومدى إيجابية تفاعلها بالتطورات المحيطة بها، ولكن للأسف؛ فإنّ المجتمعات العربية فعليًا دخلت نفق الاحتضار، بجمود بنيتها المجتمعية، وهذا ما نتلمسه في جميع مختلف جوانب بنية تلك المجتمعات العربية، فلا نستغرب تناقضه من موقع المرأة الذي يعكس أكبر تناقض، وجمود بنية تلك المجتمعات، حيث أنّ واقعها يكشف لنا عن آثار أنيابه على واقع المرأة الوجودي!

نرشح لك: مكانة المرأة قبل النظام الأبوي

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.