تأخذك إلى أعماق الفكر

الذكاء الاصطناعي .. آلية عمل الرؤية الذكية

“الذكاء الاصطناعي” من منا لم يسمع هذا المصطلح سواء كان في فيلم أو مقال أو حتى في الأخبار، أكاد أجزم أنك _عزيزي القارئ_ شاهدت فيلمًا أو اثنين يتحدثان عن الآلة المفكرة بل إن بعض الأفلام صورت الآلات المفكرة على أنها وحوش معادية للبشرية.

لكن دعنا نتوقف قليلًا لنسأل أنفسنا سؤالًا:

ماهو الذكاء الاصطناعي؟

ولكي نحصل على تعريف واضح لمصطلح الذكاء الاصطناعي علينا أولًا أن نفهم ما هو الذكاء بوجه عام. تعريف الذكاء نفسه أمر فلسفي قد لا نتطرق إليه لكننا هنا نتحدث عن مفهومك أنت، كيف تصف زميلًا لك بأنه أذكى من زميل آخر؟

غالبًا  تُستخدم كلمة “ذكي” حينما يتصرف شخص ما  في أحد المواقف ليس بشكل صحيح وحسب وإنما صحيح بطريقة رائعة، بطريقة غابت عن ذهن الجميع لكنها حضرت لذهنه هو.

الآن لدينا تعريف مبدأي عامّ اتفقنا أن نطلق عليه ذكاءً وهو استخدام المعطيات التى لديك للوصول لأفضل طريقة ممكنة لتنفيذ مهمة ما.

إعلان

لنرَ كيف يمكننا أن نسقط شيئًا كهذا على جهاز الكمبيوتر…

دعنا نتخيل سويًا أنك تمتلك سيارة من تلك التى تمتلك القدرة على قيادة نفسها بنفسها لكن لديك مشكلة بسيطة: في كل مرة ترى السيارة قطعة من الورق تتفاداها كما لو كانت تتفادى قطعة من الحجر!

تُرى، كيف يمكنك أن تخبر السيارة الفرق بين قطعة الورق وقطعة الحجر من مجرد النظر إليها؟ السؤال الأهم هو كيف تعلم أنت نفسك الفرق بين قطعة الورق والصخرة؟

فى الحقيقة إننا كبشر نمتلك طبيعيًا ما نسميه الرؤية الذكية، وهو شيء تكتسبه بالتدريب منذ الصغر، فعندما كنت طفلًا كنت تتعلم التعرف على الأشياء من صورها، كأن يريك والداك صورة قطة ثم أخرى وثانية وثالثة حتى تفهم ما هي القطة، وفي المرة القادمة التى ترى فيها قطة حتى وإن كانت ليست من أي نوع رأيته من قبل فستكون قادرًا على تصنيفها على أنها قطة.

الآن نعلم أن ما ينقص السيارة للتمييز بين الورقة والصخرة حتى برغم تساوي حجميهما، ببساطة: الرؤية الذكية

ولكي تدرك أهمية شيء كهذا تخيل معي جهاز مراقبة طفلك:

إن الكاميرا الموجودة فى غرفة الطفل تنقل لك ما يحدث فقط، ما يعنى أنك تحتاج أن تبقى طوال اليوم محدقًا بالشاشة لتتأكد من سلامة طفلك.

فى حين أنه لو امتلكتْ تلك الكاميرا خاصية الرؤية الذكية فسيكون بإمكانها تحديد ما إن كان طفلك في خطر أو إرسال إنذار لك وربما إبلاغ الشرطة كذلك.

لكى تستوعب أكثر ما أعنيه عليك أن تفهم شيئًا مهمًا

إننا نرى بأعيننا لكننا نفهم ما نراه بعقولنا، وهذا يعني ببساطة أننا سنترك الكاميرا وشأنها ونتجه لعمل برنامج يوضح للكاميرا ما تراه.

ترى هل يكون الأمر صعبًا؟

تخيل أنك قمت بعمل خوارزمية للتعرف على أشكال القطط، وقد أريتها عددًا كبيرًا جدًا من أشكال القطط حتى صارت تتعرف عليها بكافة أنواعها.

لكن ماذا لو وضعت تلك القطة خلف كرسي ما؟

أعنى ستظل أنت قادرًا على تمييز أنها قطة من ذيلها أو من أي جزء ظاهر منها لكن هل تظل الخوارزمية قادرة على ذلك؟

فى الحقيقة هذا الأمر صعب قليلًا لكن هناك توقعات بأنه ربما لو تدربت الخوارزمية بما فيه الكفاية فستكون قادرة على تحديد القطة حتى وإن كانت مختبئة خلف شيء ما.

ربما بإمكاننا الاتفاق الآن على أن الخوارزمية هى نوع من الأطفال -بشكل ما- الذين يحتاجون للتعليم. لكنك عندما تقوم بتعليم طفلك فإنك لا تخبره كيف يفهم شيئًا ما.

أعني، لو أردت أن يستوعب طفلك شكل القطة فأنت لا تخبره أنها تمتلك وجهًا دائريًا وذيلًا -على سبيل المثال- وإلا سيبدو له أى شيء يمتلك وجهًا دائريًا وذيلًا وكأنه قطة.

لو توصلت إلى أن الفكرة السابقة سخيفة وغير منطقية هنيئًا لك هذا ما توصل إليه العلماء أيضًا ففكرة الوصف ليست فقط سخيفة بل غير قابلة للتطبيق أيضًا لأنه سيكون عليك أن تصف آلاف الآلاف من الأشياء وستفقد كلمة رؤية ذكية هنا معناها، لكن دعنا نركز قليلًا في كيفية تعلّم الأطفال.

لو كان لديك ابن صغير أو أي طفل فى محيطك فستلاحظ أنهم يتعلمون باكتساب الخبرات.

الدليل: لنفترض أن هناك طفلًا ما -لسبب أو لآخر- لا يعرف حيوان الفيل؛ لم يسمع عنه من قبل لم ير له أي صور ولم يشاهده فى التلفاز. لو جربت أن تصف الفيل لطفل كهذا فربما يكون فكرة صحيحة عنه وربما لا، لكنك لن تتأكد أبدًا إلا إذا رأى الفيل بنفسه وبعد مشاهدات متكررة له  سيكون بإمكانه أن يتعرف عليه وحده.

هنا ذهبت الغفلة وجاءت الفكرة

فلما لا نقوم بعمل خوارزمية تتعامل مع الأمور تمامًا كما يتعامل معها الأطفال؟ تأخذ المعلومات وتقوم بفهمها وتتوصل إلى نتائج بدلًا من أن تتحمل أنت عبء جعلها تفهم كل شيء…

لنقترب أكثر من مرحلة الطفولة ونرى ماذا يفعل الأطفال:

إن عينيك تلتقط صورة كل 200 ملل ثانية أي أن الطفل ذو الثلاث أعوام فقط سيكون قد التقط كمًا هائلًا جدًا من الصور، لكن أين يمكننا أن نجد كمًا هائلًا كهذا؟

تمامًا! الشبكة العنكبوتية! اتضح أنه من الأسهل بالتأكيد أن تطلق الخوارزمية على الإنترنت بدلا من أن تصور لها مليارات الصور وتضعها أمامها لتتعرف عليها. الآن لدينا مكان جيد للتدريب لكن ماذا سندرب بالضبط؟

وجد العلماء أن معالجة هذا الكم الكبير من المعلومات كان مناسبًا تمامًا لنموذج أطلقه كلٌّ من Geof Hento و yann lecun و kunihiko fukushima. وهو أحد النماذج التابعة لفرع من علوم الذكاء الاصطناعي يسمى تعليم الآلة وقد اعتمد هذا النموذج على وحدات أساسية تسمى نيورون (neuron) وتعنى الخلية العصبية؛ فاستخدموا الملايين من  النيورونز التى بدورها تعمل على نقل ومعالجة البيانات فيما بينها للحصول على معلومات بطريقة مشابهة جدًا لطريقة عمل المخ البشري.

كل مجموعة من النيورونز يطلقون عليها نود وتعنى عقدة

فكان النموذج يتكون من:

  • 24 مليون عقدة ” 24 million node”
  • 140مليون متغير أولي “140 million parametres”
  • 15 مليون رابط اتصال  “15 million connections”

لكن ماذا يحدث لو تعرض هذا النموذج لصورة معقدة جدا؟

بدأوا بتعليم الخوارزمية كيف تحصل على ما سمي فيما بعد الإجابة الآمنة وهى قريبة جدًا من مفهوم التخمين لدينا ومبنية على نظرية الاحتمالات.

فقاموا بإطلاع النموذج على كاميرات مدن أمريكا…

وهنا بدأ النموذج بالاستنتاج

فمثلًا توصل إلى أنه هناك علاقة بين ثمن السيارة التي أمام البيت ودخل البيت نفسه من المال. كما قام بعمل علاقة بين أسعار السيارات الموجودة فى مدينة ما ومعدل انتشار الجريمة فى المدينة.

إن مجال الذكاء الاصطناعي واعد جدًا. وبرغم التقدم الكبير الذى أحرزه إلا أننا في مرحلة ما سنحتاج للمزيد… فقد تطير من السعادة لو تمكن طفلك ذو الخمسة أعوام من جمع الأرقام بشكل صحيح لكنه سيكون شيئًا مؤسفًا لو وصل طفلك للعشرين من عمره وما زال جمع الأرقام هو الشيء الوحيد الذى يتمكن من فعله.

المصادر:

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.