الجاحظ بالعامِّية!

ترجمة مقدمة كتاب (البخلاء) للجاحظ إلى العامية المصرية

هذه مقدمة كتاب (البخلاء) للجاحظ مترجمةً إلى العامية المصرية، وهي موجَّهة إلى أحد أصدقاء الجاحظ. وقد اختُلِفَ في تحديد شخصيته، وليس في المقدمة إشارةٌ تُعين على أن نستنتج هُويَّتَه بوضوح.


بسم الله الرحمن الرحيم

الله يحفظك، ويعينك على شكره، ويوفقك في طاعته، ويجعلك من الفايزين برحمته.

عرفت – الله يحفظك – انك قريت كتابي اللي فصَّصت فيه الحِيَل بتاعة الحرامية اللي بيسرقوا الصبح، وشرحت فيه حِيَل اللي بيسرقوا بالليل؛ وعرفت انك لصَّمت بيه كل خلل أو عيب كان موجود في الكتب اللي اتكلمت عن الموضوع ده قبل كده. وعرفت ان الكتاب نبّهك للحِيَل الظريفة والغريبة بتاعة الحرامية، وخلَّاك توصل في معرفة الحِيَل دي لمرحلة ما يوصللهاش أي إنسان بالمكيدة بس، ولا يعلِّي عليها بالحَدَاقة.

وقلت لي ان الكتاب فايدته كبيرة، وانه لازم يتدرِّس. وقلت لي أكمّل جميلي، واحكي لك نوادر الناس البُخَلا، ومبررات الناس الحريصة زيادة عن اللزوم، سواء كانت حكايات جَدّ أو هزار، علشان تبقى الحكايات الكوميدية أشبه باستراحة تطرِّي فيها على قلبك من الحاجات الجدّ اللي مالية الكتاب؛ علشان الحكايات الجدّ متعبة، ومع ذلك بتحتاج تقراها أكتر من مرة علشان تستوعبها، فلازم يبقى الكتاب شوية كدا وشوية كدا.

إعلان

فعشان كدا حطّيت في الكتاب ده نوادر (الحرامي)، ومبررات البخل من وجهة نظر (الكِندي)، ورسالة (سهل بن هارون)، وكلام (ابن غزوان)، وخطبة (الحارثي)، وكل حاجة حضرتني – وانا باكتب – من حكاويهم الغريبة هُمّ وغيرهم. وهتعرف – لما تقرا – ليه سمُّوا البخل (إصلاح)، والحرص الشديد (اقتصاد)! وليه دافعوا عن اللي بيمسك إيده عن الفقرا، وقالوا عليه راجل (حازم)! وليه قالوا ان اللي يواسي حَدّ ويساعده يبقى راجل (مِتلاف)! وليه سمُّوا الكرم (إسراف)، والإيثار (جهل)! وليه زهدوا في السيرة الطيبة، وما كانوش بيهتموا لو حد انتقدهم! وليه كانوا بيستضعفوا اللي بيبتسم لو قابله واحد فقير، وبيحسّ براحة نفسية لمّا يساعده! وليه قالوا ان اللي مش بيحب الناس تشكر فيه، ولا بيفرق معاه انه يتشتم، راجل ناشف. وليه فضّلوا العيشة الصعبة على الرفاهية، والمرارة على الحلاوة! وليه كانوا بيرفضوا ياكلوا الأكل النضيف اللي موجود معاهم وهم مسافرين، ومش بينكسفوا ياكلوا أطايب الأكل اللي موجودة مع غيرهم! وليه بيتهافتوا على البخل، وبيعملوا كل حاجة تتوصف بـ (البخل)، برغم انهم بيقرفوا قوي من الكلمة دي! وليه بيحبوا يكسبوا فلوس كتير وما يصرفوهاش! وليه بيتعاملوا مع ثروتهم كأنهم خايفين من زوالها، ومش بيستثمروها بطريقة تخلّيها تفضل لهم، فكأنهم بيحوِّشوا (فلوس الخوف)، وبيرفضوا (فلوس الأمل والرجا)، مع إنهم صحتهم زي الفل؛ واللي ربنا معافيهم عمومًا، أكتر من اللي ربنا مبتليهم، والحاجات الحلوة في الحياة أكتر من المصايب. فغريب والله أمر الناس البُخَلا دول! تخيل انهم بيدعوا الناس للسعادة – بناءً على مذهبهم في البخل – رغم ان بخلهم ده مش جايب لهم غير الغُلْب؛ فازاي ينصح الناس، واحد بيضحك على نفسه؟!

وهتعرف في الكتاب برضه ليه كانوا – بذكاءهم الشديد – بيجيبوا حِجَج يبرروا بيها البخل، اللي الأمَّة اتفقت على إنه شيء سيّئ، وبرضه يفتخروا – رغم انهم مش جَهَلة – ببخلهم اللي الناس كلها بتستهجنه!

إزاي الإنسان البخيل ياخد باله وهو قاعد يجيب للبخل أسباب (منطقية)، وبيدافع عنه – إزاي ياخد باله من الأهداف البعيدة لسلوك البخل، ومعانيه الخفية، وما ياخدش باله من بشاعته اللي ظاهرة لأي حد، وشناعة إسمه، وقرف الناس من سيرته، وتأثيره السيئ على أي حد يلتزم بيه فْ حياته؟ إزاي ده يحصل رغم إن البخل بيخلي صاحبه يعاني من التعب والمصايب، ومن السَّهَر والفَرْشة الخِشِنة، ومن الغربة الطويلة رغم امتلاكه ثروة (زي قلّتها)، ويخليه برضه يعاني لما يحس ان الوَرَثة بتوعه أسوأ عنده من أعداؤه، ويبقى حاسس انه أولى بفلوسه من إبنه. مش الإنسان البخيل بكده يأكد لك جهله وغباوته، وهطله وتغفيله؟ وبعد كل دا، يرجع برضه يدافع عن البخل، بالمعاني القوية، والألفاظ الجميلة، والأساليب المُوجَزة، وبطرق يقرّب بيها المعنى، ويِطلَع بيها من الموضوع زي الشعرة من العجين، ويوصل للغرض بتاعه بسهولة! فتحس ان الكلام اللي بيزوّق بيه البخل، بينفي عنه الجهل وقلة الحكمة! بس برضه كلام في كلام! أصل بالعقل كدا، إزاي واحد يوصل بتفكيره للمعاني الجميلة (البعيدة) اللي بتجمِّل البخل، وما يقدرش ياخد باله من بشاعة السلوك ده (اللي هي حاجة المفروض قريّبة وواضحة لأي حدّ بيفكّر)؟

* * *

وقلت لي برضه أوضح لك إيه اللي بوَّظ عقولهم، وغمَّى عيونهم، وخلَّاهم يميّلوا بعد ما كان ربنا خالقهم عِدِلين، وإيه الحاجة اللي خلّتهم يقاوحوا في الحق، ويخالفوا الحقيقة اللي باينة زي الشمس، وإيه مزاجهم الغريب ده، وإيه الغباوة الفظيعة اللي فيهم دي، واللي ما تِخلاش برضه من دردحة ولؤم؟ وإيه اللي خبَّى عنهم الحاجات الواضحة زي عين الشمس، وخلّاهم يدركوا حاجات تانية غامضة، هُمّ شايفينها مهمة وتستاهل، رغم ان ما حدش غيرهم واخد باله منها؟

وقلت لي برضه انك مش مستغرب من اللي جاب آخره في البخل، ولا من اللي مش هامّه انتقاد الناس لسلوكه، ولا من اللي ما بيرضاش يردّ على اللي بيعترض عليه إلا بالكلام الناشف، ولا بيرضى يجيب حِجّة لبخله غير من الكتب اللي بتمدح في السلوك ده! وقلت انك مش مستغرب برضه من اللي مخّه تعبان، ومسخّر تفكيره علشان يعمل سلوكيات هتخلِّي شكله وحش قدام الناس، قد ما انت مندهش من اللي خد باله انه بخيل، وانه حريص على الفلوس بشكل مبالغ فيه، فحاول انه يداري على نفسه؛ وممكن يفتكر ان الناس خدوا بالهم من سلوكه، وعرفوا انه مكنّز على قلبه، فيحاول يخدعهم بإنه يكذب عليهم ويدّعي انّه محتاج، أو إنه يرقع حتة في هدومه، فتيجي الرقعة ف مكان غلط! فلو كان الشخص اللي زي ده، زي ما خد باله من عيوبه ومن اللي خدوا بالهم منها، لو كان أخد باله من ضعف عزيمته على إنه يعالج نفسه، ويعدّل أحواله، ويِرجَع لأخلاقه القديمة اللي كان عليها قبل ما يبقى بخيل – لو كان أخد باله من ده، ما كانش هيضطر يمثّل على الناس بطريقة مكشوفة، وكان هيساعد الفُقَرا اللي بينتقدوه على الفلوس اللي بيصرفها على البودي جاردات، والولايم اللي بيعملها (للشعراء بس)، والقعاد مع المشاهير، ورواة الحكاوي وقصص الناس بتوع زمان، وكان هيستريّح من حياة الادِّعاء اللي هو فيها دي، ويبقى إنسان طبيعي.

وبعد كل ده، لازم نسأل نفسنا: ليه الشخص البخيل ده بيقول على اللي بيعزمه انه مِتلاف ومُسرِف، وما بيقولش كدا على نفسه لو عمل وليمة من الولايم اللي بيدَّعي بيها الكرم؟! حتى ولو كانت عيوب اللي بيعزموه مستورة، وعيوبه هو زي عين الشمس! وليه بيمد إيده بالدهب لناس معينة، ويمسكها عن الجعانين اللي أقل أكل هيكفيهم، مع إنه عارف ان اللي هيصرفه على الغلابة مش هيخسّر حاجة، جنب الدهب اللي بيدّيه لبعض الناس، وإنه هيِكسَب من محبة الناس بالفلوس القليّلة اللي هيصرفها على المحتاجين، أضعاف اللي بيكسبه من الدنانير اللي بيدّيها لغيرهم من الطمّاعين.

وقلت لي برضه إني لازم أعرَّفك الغلطات اللي بتفضح المدَّعين والمتلوِّنين، واللي بتفرَّق ما بين الصدق والنفاق، واللي بتميز بين اللي على طبيعته واللي بيدّعي حاجة مش موجودة فيه، علشان – زي ما قلت – تقارن بينك وبين الناس دول، فلو أخدت بالك من عيب كان عندك، تبقى عرفت هو إيه، فتتجنبه. فلو كان العيب اللي عندك ده ظاهر لكل الناس وكنت تقدر ماديًّا إنك تتغلب عليه، فممكن تجيب أكل للمحتاجين، وتكسب محبّتهم بإنك تاكل معاهم. ولو ما كنتش تقدر تعمل كدا، تحاول بقى تداري على عيوبك، وتكفّي نفسك، وتبقى زيك زي الناس، وتعيش عيشة المستورين. ولو كنت دايمًا كأنك في حرب مع طبعك، وماحدش فيكم بيكسب التاني، وانت عندك حجج قوية، وطبعك الاخر عنده مبرراته القوية، فأحسن لك بقى انك تتجنّب تمامًا انك تعرض نفسك لأي موقف تضطر فيه لادّعاء حاجة مش من طبعك، وتبقى حويط بحيث ما تعرّفش الناس انك بخيل. واللي يسلم من شتيمة الناس وانتقادهم ليه كسبان. والثقة في النفس، والتصالح مع الذات أحسن من محاولة التقرب من الناس بالنفاق والخداع. وقلت لي برضه انك محتاج جدًّا انك تفهم كويّس الجزئية دي، وان أي حد عنده مروءة محتاج برضه يعرف الكلام ده. وقلت لي اني لو حصَّنت عِرضك ضد الشتيمة بعد ما حصَّنت ممتلكاتك من الحرامية، هابقى خدمتك ولا أجدع أب وأم.

وطلبت مني برضه أكتب لك مبررات (خبَّاب) اللي رفض بيها الغيرة، وشاف ان التعريص على الزوجة شيء من قبيل الإيثار ومواساة المحرومين عاطفيًّا وجنسيًّا! وإن كُسّ الجارية ممكن تسلِّفه لأي حد، زي ما بتسلِّفها هِيّ شخصيًّا لأي حدّ عشان تخدمه، وإن الزوجة ما تفرقش أبدًا عن الجارية في حاجات كتير من اللي بتعملها في البيت، وإن الجارية تُعتبر فلوس متشالة زي الدهب والفضة! كان شايف كمان إن الأب أولى بإنه ينام مع بنته من الغريب، وأولى بأخته من البعيد، وإن الأغراب بالذات همّ اللي يستحقوا ان الواحد يِغِير على بناته واخواته منهم. وبرضه كان شايف إن الخِلفة الكتير (بأي طريقة!) عاملة بالظبط زي إنك تِحرِت وتستصلح أراضي كتير، لكن اعتياد الناس على إنهم ما يخلّفوش غير من مراتاتهم بسّ قضى على السلوك الشاذ اللي كان بيدافع عنه ده، والدين كمان جه وحرَّمه؛ دا غير ان الناس بالغوا في التهويل منه، وألّفوا حكايات بشعة بتنفر الناس منه.

وقلت لي أكتب لك برضه تبريرات (الجهجاه) اللي قال فيها ان الكدب بيبقى أحسن في بعض المواقف، والصدق أسوأ في مواقف تانية، وإن الكدب أحيانًا بيرتقي لمكانة الصدق، والصدق أحيانًا يبقى مستهجَن زي الكدب. وان الناس بيظلموا الكدب بإنهم يتجاهلوا مزاياه ويفتكروا دايمًا عيوبه، وبيعظموا الصدق بإنهم يفتكروا دايمًا فوايده ويتجاهلوا أضراره. ولو هم وازنوا بين طبيعة كل سلوك منهم، وقرروا يتعاملوا بإنصاف مع الصدق والكدب، هيلاقوا ان الفرق بينهم مش كبير، ومش هيتعاملوا مع الصدق والكدب تاني بالطريقة دي.

وقلت لي أكتب لك كمان رأي (صحصح) في تفضيل النسيان على حفظ حاجات كتيرة، وإن الغباوة عمومًا أحسن من الذكاء، وإن عيشة البهايم أحسن من عيشة البشر العاقلين، وإنك لو جربت تسمّن بهيمة وراجل محترم، أو  ست عاقلة ذكية وواحدة تانية غبية مغفلة، هتلاقي إن البهيمة بتِسمَن أسرع من البني آدم، وإن الست الذكية وزنها بيزيد ببطء، ودا لإن العقل بيخلّي الإنسان دايمًا قلقان ومهموم، والغباوة بيكون معاها راحة البال والأمان. وعشان كدا البهيمة بتِسمَن في أيام قليلة جدًّا، ودا ما تلاقيهوش في واحد عنده عقل وطموحات بيحاول يحقّقها. واللي يخاف من المصيبة، يُعتبَر في مصيبة، حتى ولو ما هوّبتش ناحيته، والمغفل بيعيش دايمًا عنده أمل في إن حياته تستمر، لغاية ما المصيبة تيجي لحد عنده وهو في الطراوة!

ولولا انك هتلاقي القصص والموضوعات دي وأكتر منها كمان في كتابي اللي عنوانه (كتاب المسائل)، كنت حطيت حاجات كتير منها في الكتاب ده.

أما بقى اللي كنت سألتني عنه من مبررات الناس الحريصة ع الفلوس، وحكاوي البخلا، فكل ده هتلاقيه إن شاء الله بالتفصيل في قصصهم، وهالخّص لك كمان أفكارهم ومبرراتهم في الصفحات اللي جاية، ودا أحسن، علشان ما يبقاش حد موجود في الكتاب على حساب حد، وبرضه ما يبقاش الكتاب كبير قوي، وما تبقاش أخطاؤه كتير.

والكتاب ده هيبدأ برسالة (سهل بن هارون)، وبعد كدا نُكَت عن أهل (خُراسان)، علشان الناس قالوا كلام كتير عن أهل (خراسان).

وانت هتطلع من الكتاب ده بـ 3 حاجات:

– تعرف حجّة ظريفة من حِجَج البُخَلا.

– تعرف خدعة مستخبِّيَّة.

– تقرا قصة غريبة.

وبرضه الغرض من الكتاب انه يضحكك وقت ما تبقى عايز تنبسط، ويسلّيك لما تتخنق من روتين الحياة الممل.

وأنا شايف إن العياط برضه مناسب لطبيعة البشر، ونتايجه كويسة، ما دام جه في وقته، وما تجاوزش الحد المعقول، ولا الغرض الأساسي اللي علشانه نزلت الدموع. وهو كمان دليل على الرقة، والبعد عن القساوة، وممكن يعتبر برضه من أشكال الوفاء وشدة حبك للناس القريبين منك. وهو برضه من أعظم الحاجات اللي المتدينين بيتقربوا بيها لربنا، وبيطلبوا بيها منه الرحمة وهم خايفين من عذابه.

ومرة واحد من الحكماء قال لراجل كان متضايق جدًّا من عياط عيِّل من عياله الصغيّرين: ما تتضايقش. العياط ده هيوسَّع له زوره، ويقوّي له نظره.

ومرة (عامر بن عبد قيس) ضرب عينه بإيده، وقال: مليانة قساوة. دي عمرها ما بتدمّع.

ولما الناس شافوا (صفوان بن محرز) دايمًا يعيَّط ويفتكر أحزانه، قالوا له: كُتْر العياط هيخليك تِتعمِي. فقال لهم: تبقى كدا عينيَّا ماتت شهيدة. وفعلًا عيَّط لحدّ ما اتعمَى!

وفيه أشخاص كانت الناس بتحيّيهم على كتر العياط زي (يحيى البكَّاء) و(هيثم البكَّاء). و(صفوان بن محرز) الاخر كان اسمه (البكَّاء).

وإذا كان العياط – اللي بيخلي الشخص طول ما دموعه نازلة، عايش في بلوة، وممكن يِتعمِي ويتجنّن، والناس تفتكره راجل خيخة، وبيموت مِ الخوف، والناس يشبّهوه بالجارية العبيطة، أو العيِّل الجبان – إذا كان العياط كدا، فإيه رأيك بقى في الضحك اللي بيخلي الشخص في قمة الانبساط لحد ما سبب الضحك ينتهي؟ ولو كان الضحك حاجة وحشة من اللي بيِضْحَك ومن اللي بيضَحَّك، ما كانش الناس وصفوا الوردة والملاية اللفّ والمجوهرات والقصر الفخم، بإنهم كأنهم بيضحكوا ضِحك! وربنا قال: {وهوَّ اللي بيخلِّي الناس تِضحَك ويخلِّيهم يعيَّطوا. وهوّ السبب في موتهم، وفْ حياتهم} فتلاقي ان ربنا في الآيتين دول حطّ الضحك قصاد الحياة، والعياط قصاد الموت؛ وربنا طبعًا ما بينسبش لنفسه حاجة وحشة، ولا بيمنّ على الناس علشان همَّ ناقصين وهوَّ كامل؛ فعلشان كدا ما كانش فيه مشكلة انه ينسب لنفسه إنه يكون السبب في إن الناس تضحك.

وازاي ما يكونش الضحك مقامه كبير في الترويح عن النفوس، وفي تحسين الطباع، وهو في الأساس شيء موجود في تركيبك كإنسان، لأن الضحك هو أول سلوك إنساني ملموس ومفهوم بيظهر على الطفل لما يبدأ يكبر، وعلى أساسه بتحسّ انه ما بيشتكيش من حاجة، وتشوفه قدامك بيكبر ويتخن ودمه يكتر؛ والدم طبعًا هو سبب السرور والعافية.

وعشان الضحك من السلوكيات المفضلة عند العرب، تلاقيهم بيسموا ولادهم: الضحَّاك وبسَّام وطَلْق وطليق. والرسول عليه الصلاة والسلام ضِحِك وهزَّر، والناس الطيبين برضه ضِحْكوا وهَزَّروا. والعرب كانوا لما يحبوا يعظموا من حَدّ كانوا يقولوا عليه: سنانه بتضحك، أو إنه مَرِح مع الناس لما يِتساهِر معاهم بالليل، أو إنه بشوش مع الضيوف، أو إن صدره واسع وباله طويل. ولما كانوا يشتموا كانوا يقولوا: ده كِشَري، أو كالِح، أو وشه مقلوب، أو خِلْقته كأنها بتشتمك، أو هو دايمًا مكلضم، أو شخص مقرف، أو وشه مكشكش أو حامض، أو كأن حدّ راشش على وشّه خل!

والضحك طبعًا ليه وقت وحدود، والهزار ليه وقت وحدود، بحيث إنه لو زاد عن حدّه يبقى هَبَل، ولو قل عن حدّه يبقى رخامة. فالناس ما هاجموش الضحك ولا الهزار كدا والسلام، لأ كان فيه ضوابط للهجوم ده، بحيث ان الهزار يبقى ليه هدف، والضحك يكون على حاجة تستاهل؛ وبالطريقة دي الهزار يُعتبَر جد، والضحك يبقى وقار.

وانا في الكتاب ده مش باضحك عليك، ولا باخبِّي عنك عيوبه، لأنه مش هينفع يبقى على كيفك بالظبط، ولا أنا هاقدر أوفّيه حقه فْ كل كلمة. ليه بقى؟ علشان أنا عدّت عليّا حواديت كتيرة، لو قلت منها حرف في الكتاب ده هيتعرف هيَّ عن مين، حتى ولو ما جبتش عنهم سيرة. وسواء ان انا قلت أساميهم، أو كتبت الحكايات اللي معروف كويس قوي هيَّ عن مين من غير ما اصرّح (وفيه منهم أصدقاء وحبايب ليّا، وناس ربنا ساترها، وناس بيحاولوا يجمّلوا صورتهم قدام الناس) – سواء كدا أو كدا، فأنا ما يخلّصنيش أنفعكم، وفي نفس الوقت اتجنّى عليهم، لأن ده كفيل انه يوقّع الكتاب بتاعي ويطعن فيه، مع إن الحكاوي ديّة ما فيش أكتر ولا أمتع منها.

وكان فيه برضه حواديت تانية مش مشهورة، ولو كتبتها ما كانش حد هيعرف هي عن مين، بس هي ما تحلاش غير لما تعرف هي عن مين! ولو قلتها لك من غير ما اقول لك هي عن مين، نُصّ النكتة هيروح ع الأرض! فتخيّل مثلًا لو حد ألّف نكتة عن (أبو الحارث جمَّين) أو (الهيثم بن مطهر) أو (مزبّد) أو (ابن أحمر)، وكانت نكتة باردة، هتحسّ برضه انها مسخرة. ولو ألّف نكتة عن (صالح بن حنين)، أو (ابن النوّاء)، أو ناس من اللي ما حدّش بيطيقهم، وكانت نكتة جامدة، هتحس انها باردة وغِلِسَة. والشيء الغِلِس أسوأ من البارد. ونفس النظام؛ لو ألّفت كلام في الزهد والمواعظ وقلت ان اللي قايله هو (بكر بن عبد الله المُزَني) أو (عامر بن عبد قيس العنبري) أو (مؤرق العجلي) أو (يزيد الرقاشي)، هتبقى الموعظة أجمل، وهتلاقي انك لما نسبتها لحدّ من دول، ادّيت لها قيمة أكبر. أما بقى لو قلت ان اللي قايلها هو (أبو كعب الصوفي) أو (عبد المؤمن) أو الشاعر (أبو نُواس) أو (حسين الخليع)، مش هتبقى الموعظة فيها أكتر من معاني كلماتها، ويمكن كمان مقامها يقل عند الناس، وتتظلم.

وانا حطيت لك في الكتاب ده حواديت كتيرة بأسامي أصحابها، وحواديت تانية من غير أسامي، يا إما علشان أنا خايف منهم، أو مش عايز أهزّأهم.

ولولا انك طلبت مني أألّف كتاب عن الموضوع ده، أنا كنت نفّضت، وما كنتش ممكن أخلّي كلامي عُرضة للانتقاد والظلم. فلو لقيت في الكتاب تقصير، فمِن حقك تلومني، وانا المعذور يا صاحبي مش انت.

– عمرو بحر الكناني –


نرشح لك: الجاحظ والتأسيس لعلم الإيكولوجي في كتاب الحيوان

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد أحمد فؤاد

اترك تعليقا