تأخذك إلى أعماق الفكر

الإباحية والاتحاد المقدس (Theogamy) في الديانات السرية

(الإباحية: Libertinism)

اتُهمت الطوائف السرية المسيحية والباطنية الشيعية، من قِبل آباء الكنيسـة وَالمُتكلمين المُسلميـن بـ “الإباحية” خصوصًا أن معتقدات هذه الفرق غامضة لغيـر المُنضم إليها؛ فيخبرنـا رجل يمني يُدعى (محمد بن مالك الحمادي اليماني) حكاية انضمامه لطائفة القرامطة وتدرجه في درجات المعارف الباطنيـة فيقول: “عنـدما يصـل إلى الدرجة الخامسة، يصل إلى منتهى أمره وغاية سعادته، ويتلو عليـه الداعي القرمطي الآية: “فَلا تَعلَمُ نَفسٌ مَا أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ”، ثم يقول: أتحب أن تدخـل الجنة في الحيـاة الدنيا؟ فهي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة، ثم يتلو الآية: “قُل مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخرَجَ لِعِبَادِهِ”، و”الزينة”: ما خفي على الناس من أسرار النـساء التي لا يطلع عليها إلا المُخصصون. ثم يتلو: “وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمثَالِ اللُّؤلُؤِ المَكنُونِ”، و”الجنة” هي كشـف المستور من “الحور العين” و”سر النساء”. فيقـول الداعي إلى المُستجد في الدعوة: “علمنا صعب مستصعـب، لا يتحمله إلا نبي مُرسَل”. ثم آخر درجات المعارف يُطلق عليـها: “المشهد الأعظم” وَيُوصف: إذا جن الليل، ودارت الكؤوس، وحميت الرؤوس، أحضر جميع أهل الدعوة حريمهم/نساءهم، وأطفؤوا السراج والشمـوع، وأخذ كل واحد منهم ما وقع في يده، ويقول قائل: “أطلقكم من وثاقكم، ووضع عنكم أوزاركم، وحـط عنكم آصاركم، وأحل لكم ماحرمه جهالكم”. (1)

ويقول آخرون: إن الباطنيين الإسماعيليين لهم ليلة تُدعى “ليلة الإفاضة”، وهي ليلة الغدير، يجتمعُون فيها للعشاء ثم بعدها يطفؤون السراج، ويبيحون لكل رجل من وقعـت عليها يده من النساء(2). وَيُذكر أن الفرقة المزدكية (البابكيـة) المُسماة بـ (المُحمرة)، يقال لها ذلك لأنها قالت بالإباحة، وَأيضًا يُوصف بابك بأن في شعر رأسه وَصدره حمرة (حمرة دم)، كوصفهم أن عين حمدان (قرمط) الحادة كانت بها حُمرة لأجلها لُقب (قرمطية)! وَأيضًا تُسمى البابكية بـ (الخُرَّمية)، وَالتي جائت من الفارسية (خرم) بمعنى اللذة؛ وأنه كانت للبابكية في جبلهم من جبال أذربيجان ليلة يجتمعون فيها على الخمر والزمر، تختلط فيـها رجالهُم وَنساؤهُم وَيُطفأ السراج وَيفض الرجال النساء. (3)(4)

وَفي المسيحية، عن طوائفها السرية يقـول الأسقف آرينئيوس: إنهم، في طقوسهم، يحاكون صورة آدم قبل السقـوط، حيث العري الكامل. وَفي احتفالية تُقدم فيها مأدبة، بعد الأكل منها وَالشرب، يُطفأ السراج وَيستمتع الرجال وَالنساء بعضهُم ببعض. وهذا الطقس موجود عند أتباع الغنوصي كاربوكراتس Carpocrates. ويُذكر أن وراء الأحتفالية الإباحية السعي وراء “نعمة الرب”؛ وكذلك يُذكر أن لأتباع الغنوصي ڤالنتينـوس Valentinus احتفالية بليلة ١٥ فبراير، يستمتـع فيها الرجال وَالنساء.(5)

والغنوصيون Gnostics، الذين تضاءلت لديهم أهمية الشريعة (المحمدية عند الشيعة، والموسوية عند المسيح)، تركزت علومهم ومعتقداتهم على معرفة الإمام أو معرفة المسيح والاتحاد به، وهذا لديهم هو الجنة والنعمة والكمال؛ فتقول طائفة المُقنَّعة (أتباع المُقنَّع الخرساني، وهم من الخرمية): إن معرفة الإمام توصل إلى الكمـال فيرتفـع التكليف؛ وتقول المنصورية (أتباع أبي منصور العجلي): إن الجنة معرفة إمام الوقت، وبه بلوغ الكمال، وبذلك استحلت المحرمات؛ وكذلك الخطابية (أتباع أبي الخطاب الأسدي) قالوا: الجنة هي النعمة، ومن بلغها أسقط عنه المحظورات؛ والقرامطة قالت: جنة آدم هي رمز لمحمد بن إسماعيل، ابن الإمام جعفر الصادق، وهو مهدي طائفة الإسماعيلية المباركية التي منها جاء القرامطة وقالوا: فيها الإباحة، لقوله: “وكلا مِنها رغدًا حيث شِئتما”. (6)

إعلان

ومعرفة الإمام هي نفسها الأكل من شجرة الجنة؛ يقول تفسير الإمام العسكري عن الآية “ولا تقربا هٰذِهِ الشجرة”: إنها شجرة العلم، علم محمد و آل محمد، وقد خُصَّت لهم. وهي الشجرة، من تناول منها أُلهِم علمَ الأولين و الأخرين من غير تعلم، ومن تناول منها بغير إذن الله خاب مراده. وإن الحية الذي اختبأ فيها إبليس أوهمت حواء أن الشجرة قد أبيحت! (7)

لذلك كان أغلب الغلاة يقولون بتناسخ نور الإمام فيهم، لرفع لعنة الحظر عن الشجرة وكسر أغلال المحظورات؛ فتقول الكتب السرية الشيعية: إن المعنى القديم الأزلي، في النهار يظهر بأسماء؛ أما في الليل، فتتلاشى حدود النعوت ويظهر بصورته الحقيقية، وهذا ما هو غائب عن أهل الجحود، ففي الليل لا يخلو به إلا أهل الصفوة Elite فيتمتعون به وبالخلوة معه، حيث يظهر القمر مقام ظهور الغاية للبدء والكون والحدوث ويحدق به أهل الرتب والدرجات؛ وقالوا: القمر مثل أمير المؤمنين علي عند العارفين، وهو يزيد وينقص للجاهلين، أما العارفون فهم -فقط- من يتكشف لهم بدرًا كاملًا (8)(9). وبذلك تكون لمعرفة الإمام علاقة قوية بالطقوس السرية، والتي ترتبط برباط قوي بالطقـوس الإباحية ..!

أتباع الطوائف المسيحية السرية -أيضًا- كان لديهم العرفان Gnosis يسقط المحظورات؛ يقـول الأسقف آرينئيوس: إن الغنوصي Gnostic الكامل بينهم هو من يمارس -وبحرية وبلا حياء وبلا مخاوف- ما هو محظور في الديانة؛ و قد رأى ڤالنتينوس رؤيا عرفانية لجنين مولود صرح فيها بأنه اللوغـوس Logos، وقال: إن من يحصـل على العرفان لا يخطئ بعده. بذلك قال تلامذة ڤالنتينوس بالإباحة.(10)

ونتسائل: لماذا تمارس طوائف روحانية، تنفر من العالم المادي وتتطلع إلى الروحانيات، المحظورات على نحو مفرط؟! في الحقيقة، أن ما وراء طقوس الإباحة والجنس ليس العبث، ولكنها تحـوي بداخلها مفتاح الخلود الذي فقـده آدم في الجنة ..!

والسر كله يكمن في الأفخارستيا Eucharista، رمز الفصـح والعشاء الأخير للمسيـح، المذكور في الأناجيل القانونية الأربعة وفي العشاء قبل الصلب؛ قال المسيـح (متى : ٢٦): “وفِيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز، وبارك وكسّر وأعطى التّلامِيذ وقال: «خذوا كلوا. هذا هو جسدِي»، وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائِلاً: «اشربوا مِنها كلّكم، لأنّ هذا هو دمِي الّذِي لِلعهدِ الجدِيدِ الّذِي يسفك مِن أجلِ كثِيرِين»” والرمز للعشاء الأخير (الخبز/الجسد، والروح/الدم)، وسميت الأفخارستيا بمأدبة محبة Agape اليونانية المشتقة من Agapan بمعنى كان راضيًا، شبع. (11)

وقد طابقت الأفخارستيا الكنيسة وارتبطت بها، باعتبارها الرمز الأرضي لملكوت الرب، في “الديداخي”، أهم وثيقة من العصر الرسولي وأقدم مصدر كنسي يذكر: “كما كان هذا الخبز المكسور منثـورًا فوق التلال وحين جُمع صار واحدًا، هكذا فلتجتمـع كنيستـك من أقاصي الأرض إلى ملكوتك”. وفي رسالة بولس إلى أهل أفسس، (٥:٣٢) يقول: “هذا السِّرّ عظِيمٌ، ولكِنّنِي أنا أقول مِن نحوِ المسِيحِ والكنِيسةِ”. السر بين علاقة الكنيسة الأنثى بالمسيح الذكر كعلاقة الرجل بالمرأة؛ ففي الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس، المنسـوبة لبابا روما الثالث كليمنـدس الروماني، يقول فيها: الكنيسة الحية هي جسد المسيـح، لأن السفر يقول: “ذكر وأنثى خلقهما”؛ ويقـول الأسقف ثيوفيلـوس الأنطاكي Theophilus of Antioch عن الأفخارستيا: الخبز كحبة حنطة في الأرض تنمو بزيادة مضاعفة روح الله التي هي قوة المسيـح Christ Force والتي هي دمه، وعلاقة الدم والخبز كاتحاد عنصرين: أرضي وسماوي، والذي يحيا به المؤمنون؛ ولذلك يقـول القديس أغناطيوس الانطاكي Ignatius of Antioch عن الأفخارستيا: دواء الخلـود وترياق عدم الموت، والحياة الأبدية في المسيـح. (12)(13)

والطوائف السرية المسيحية اتخذت معنى الأفخارستيا كاتحاد بين ذكر وأنثى فعليًا، وذلك عبر السوائل التي يفرزها الجسـد، وهي صورة مختلفة عن أفخارستيا الكنيسة المكونه من خبز وكأس من خمر ممزوج بالماء، رمز خبز جسد ودم المسيـح؛ اعتقدت هذه الطوائف أن شرارة النور Light Spark، والتي هي شرارة إلهية Divine Spark، هي الجزء الإلهي المحتجب داخلنا، وتتخفى بسائل المني عند الرجال، وداخلها بذرة النور Seed of Light. واعتقدت أن مني الرجل هو كالغيث الساقط من الجنة، لذلك وجب إعادته للأعلى؛ فطائفة البوربوريون Borborians، وهي عدة فرق مسيحية تزدريها الكنيسة الرسمية لكونهم من الفرق المنحلة، قد فسرت المقطع من إنجيل يوحنا بحسب ما ذكر إبيفانيـوس من يوحنا (٦:٥٤): “من يأكل جسدِي ويشرب دمِي فله حياةٌ أبدِيّةٌ، وأنا أقِيمه فِي اليومِ الأخِيرِ”، استوعب في الطائفة كرمز مجازي لفعـل إباحي، ويكمل الأصحاح بأصابة التلاميذ بالدهشة والحيره فقالوا: “إِنّ هذا الكلام صعبٌ! من يقدِر أن يسمعه؟” يوحنا (٦:٦٠). استوعب يسوع ارتباك التلامذة فرد: “فإِن رأيتم ابن الإِنسانِ صاعِدًا إِلى حيث كان أوّلًا” يوحنا (٦:٦٢)، في تأويلهم بمعنى: عندما ترون سائل المني المقذوف يُسترجع لأصله، ففزع التلامذة ويذكر: “مِن هذا الوقتِ رجع كثِيرون مِن تلامِيذِهِ إِلى الوراءِ، ولم يعودوا يمشون معه”؛ والصعود رمز له بالخلاص عبر تقنيات باطنية لرفع سائل المني للأعلى، لأنه، وبرؤيا الغنوصيين، إذا هبط للأسفل سبب إنجاب طفل في العالم المادي، وبذلك الجوهر النوراني Light Substance الموجود في المني، إذا هبط الى جحيم رحم المرأة يتلبس لحم جسد مادي فان، ولذا تساهم عملية التوالد والإنجاب في زيادة الظلمة؛ وأما النور أو الشرارة الإلهية فتظل في الأسر، وكلما زادت الأجيال اختنق النور أكثر، مما يصعب عمليـة الخلاص Salvation، ويصبح النور داخل الإنسان أسير عالم الظلمة؛ لذلك في الأنجيل الأبوكريفي Gospel of the Egyptians في حوار يسوع مع امرأة تلميذته تدعى سالومي Salome تسأله: “إلى متى سيكون موت؟ أجابها يسوع: طالما كنتن تحبلـن أيها النساء”. ويقول فيه يسوع: “لقد أتيت لأدمر أعمال الأنثى” بمعنى الشهـوة الجنسية المرتبطة بالإنجاب؛ وتقول طائفة الانكراتيين Encratites المتقشفة: إن نهر الأردن رمز الشهوة ويُنطق: “يردن” من أصل كلمة “يارد יָרֶד” العبرية التي تعني هبوط. وفي الكتابات الأبوكريفية أن خطيئة إغواء النساء لبني آلوهيم، أبناء سلالة شيث، كان في عهد يارد ابن مهللئيـل؛ أو كما تقول الكليمنديات المنحولة Pseudo Clementines، بأن بني آلوهيم هم أنفسهم الملائكة الساقطون، وخطيئة الجنس مع بنات الأرض، النساء الجميلات، حولت كيانهم من ناري إلى جسد من لحم ودم؛ لذلك قالت طائفة الانكراتيين عن رمز التعميد في الأردن، والذي كان يعمد فيه يوحنا المعمدان، بأن هبوط المعمد يرمز لخطيئة تدفق طاقة المني الذكري ناري الأصل للأسفل، ولكن الصعود من الأردن يرمز لحفظ سائل المني و توليد الألوهية من جديد، أي إرجاعه لأصله الإلهي الملائكي، فيصبح الإنسان ابن الله. لذلك عمد يسوع (متى، ٣: ١٦-١٧) “فلمّا اعتمد يسوع صعِد لِلوقتِ مِن الماءِ، وإِذا السّماوات قدِ انفتحت له، فرأى روح اللهِ نازِلًا مِثل حمامةٍ وآتِيًا عليه، وصوتٌ مِن السّماواتِ قائِلًا: هذا هو ابني الحبِيب الذِي بِهِ سرِرت”. لذلك هناك فِرَق، كأتباع كاربوكراتس الغنوصي والأنطاكي بولس السميساطي، تقول بأنه إذا حلت عليهم قوة المسيـح Christ Force، صارت طبيعتهم كالمسيـح نفسه. (14)

لذلك نرى أن الغنوصيين ينظرون إلى عملية الزواج والإنجاب على أنها تكرار لخطيئة سقوط الملائكة من عالمهم الشبحي النوراني إلى الأرضي اللحمي، بإغواء نساء الأرض. فاستبدلوا بالزواج الأرضي المقيد الاتحادَ/الزواجَ الإلهي Theogamy، والذي هو اتحاد مقدس Hierogamy، وهو الاتحاد الذي له صدى إلهي من عمق التاريخ الإنساني، وذلك ما سنتطرق إليه ..!

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: زهراء زكي

تدقيق لغوي: محمد ثروت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.