تأخذك إلى أعماق الفكر

الإباحية والاتحاد المقدس (Theogamy) في الديانات السرية

(الإباحية: Libertinism)

اتُهمت الطوائف السرية المسيحية والباطنية الشيعية، من قِبل آباء الكنيسـة وَالمُتكلمين المُسلميـن بـ “الإباحية” خصوصًا أن معتقدات هذه الفرق غامضة لغيـر المُنضم إليها؛ فيخبرنـا رجل يمني يُدعى (محمد بن مالك الحمادي اليماني) حكاية انضمامه لطائفة القرامطة وتدرجه في درجات المعارف الباطنيـة فيقول: “عنـدما يصـل إلى الدرجة الخامسة، يصل إلى منتهى أمره وغاية سعادته، ويتلو عليـه الداعي القرمطي الآية: “فَلا تَعلَمُ نَفسٌ مَا أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ”، ثم يقول: أتحب أن تدخـل الجنة في الحيـاة الدنيا؟ فهي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة، ثم يتلو الآية: “قُل مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخرَجَ لِعِبَادِهِ”، و”الزينة”: ما خفي على الناس من أسرار النـساء التي لا يطلع عليها إلا المُخصصون. ثم يتلو: “وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمثَالِ اللُّؤلُؤِ المَكنُونِ”، و”الجنة” هي كشـف المستور من “الحور العين” و”سر النساء”. فيقـول الداعي إلى المُستجد في الدعوة: “علمنا صعب مستصعـب، لا يتحمله إلا نبي مُرسَل”. ثم آخر درجات المعارف يُطلق عليـها: “المشهد الأعظم” وَيُوصف: إذا جن الليل، ودارت الكؤوس، وحميت الرؤوس، أحضر جميع أهل الدعوة حريمهم/نساءهم، وأطفؤوا السراج والشمـوع، وأخذ كل واحد منهم ما وقع في يده، ويقول قائل: “أطلقكم من وثاقكم، ووضع عنكم أوزاركم، وحـط عنكم آصاركم، وأحل لكم ماحرمه جهالكم”. (1)

ويقول آخرون: إن الباطنيين الإسماعيليين لهم ليلة تُدعى “ليلة الإفاضة”، وهي ليلة الغدير، يجتمعُون فيها للعشاء ثم بعدها يطفؤون السراج، ويبيحون لكل رجل من وقعـت عليها يده من النساء(2). وَيُذكر أن الفرقة المزدكية (البابكيـة) المُسماة بـ (المُحمرة)، يقال لها ذلك لأنها قالت بالإباحة، وَأيضًا يُوصف بابك بأن في شعر رأسه وَصدره حمرة (حمرة دم)، كوصفهم أن عين حمدان (قرمط) الحادة كانت بها حُمرة لأجلها لُقب (قرمطية)! وَأيضًا تُسمى البابكية بـ (الخُرَّمية)، وَالتي جائت من الفارسية (خرم) بمعنى اللذة؛ وأنه كانت للبابكية في جبلهم من جبال أذربيجان ليلة يجتمعون فيها على الخمر والزمر، تختلط فيـها رجالهُم وَنساؤهُم وَيُطفأ السراج وَيفض الرجال النساء. (3)(4)

وَفي المسيحية، عن طوائفها السرية يقـول الأسقف آرينئيوس: إنهم، في طقوسهم، يحاكون صورة آدم قبل السقـوط، حيث العري الكامل. وَفي احتفالية تُقدم فيها مأدبة، بعد الأكل منها وَالشرب، يُطفأ السراج وَيستمتع الرجال وَالنساء بعضهُم ببعض. وهذا الطقس موجود عند أتباع الغنوصي كاربوكراتس Carpocrates. ويُذكر أن وراء الأحتفالية الإباحية السعي وراء “نعمة الرب”؛ وكذلك يُذكر أن لأتباع الغنوصي ڤالنتينـوس Valentinus احتفالية بليلة ١٥ فبراير، يستمتـع فيها الرجال وَالنساء.(5)

إعلان

والغنوصيون Gnostics، الذين تضاءلت لديهم أهمية الشريعة (المحمدية عند الشيعة، والموسوية عند المسيح)، تركزت علومهم ومعتقداتهم على معرفة الإمام أو معرفة المسيح والاتحاد به، وهذا لديهم هو الجنة والنعمة والكمال؛ فتقول طائفة المُقنَّعة (أتباع المُقنَّع الخرساني، وهم من الخرمية): إن معرفة الإمام توصل إلى الكمـال فيرتفـع التكليف؛ وتقول المنصورية (أتباع أبي منصور العجلي): إن الجنة معرفة إمام الوقت، وبه بلوغ الكمال، وبذلك استحلت المحرمات؛ وكذلك الخطابية (أتباع أبي الخطاب الأسدي) قالوا: الجنة هي النعمة، ومن بلغها أسقط عنه المحظورات؛ والقرامطة قالت: جنة آدم هي رمز لمحمد بن إسماعيل، ابن الإمام جعفر الصادق، وهو مهدي طائفة الإسماعيلية المباركية التي منها جاء القرامطة وقالوا: فيها الإباحة، لقوله: “وكلا مِنها رغدًا حيث شِئتما”. (6)

ومعرفة الإمام هي نفسها الأكل من شجرة الجنة؛ يقول تفسير الإمام العسكري عن الآية “ولا تقربا هٰذِهِ الشجرة”: إنها شجرة العلم، علم محمد و آل محمد، وقد خُصَّت لهم. وهي الشجرة، من تناول منها أُلهِم علمَ الأولين و الأخرين من غير تعلم، ومن تناول منها بغير إذن الله خاب مراده. وإن الحية الذي اختبأ فيها إبليس أوهمت حواء أن الشجرة قد أبيحت! (7)

لذلك كان أغلب الغلاة يقولون بتناسخ نور الإمام فيهم، لرفع لعنة الحظر عن الشجرة وكسر أغلال المحظورات؛ فتقول الكتب السرية الشيعية: إن المعنى القديم الأزلي، في النهار يظهر بأسماء؛ أما في الليل، فتتلاشى حدود النعوت ويظهر بصورته الحقيقية، وهذا ما هو غائب عن أهل الجحود، ففي الليل لا يخلو به إلا أهل الصفوة Elite فيتمتعون به وبالخلوة معه، حيث يظهر القمر مقام ظهور الغاية للبدء والكون والحدوث ويحدق به أهل الرتب والدرجات؛ وقالوا: القمر مثل أمير المؤمنين علي عند العارفين، وهو يزيد وينقص للجاهلين، أما العارفون فهم -فقط- من يتكشف لهم بدرًا كاملًا (8)(9). وبذلك تكون لمعرفة الإمام علاقة قوية بالطقوس السرية، والتي ترتبط برباط قوي بالطقـوس الإباحية ..!

أتباع الطوائف المسيحية السرية -أيضًا- كان لديهم العرفان Gnosis يسقط المحظورات؛ يقـول الأسقف آرينئيوس: إن الغنوصي Gnostic الكامل بينهم هو من يمارس -وبحرية وبلا حياء وبلا مخاوف- ما هو محظور في الديانة؛ و قد رأى ڤالنتينوس رؤيا عرفانية لجنين مولود صرح فيها بأنه اللوغـوس Logos، وقال: إن من يحصـل على العرفان لا يخطئ بعده. بذلك قال تلامذة ڤالنتينوس بالإباحة.(10)

ونتسائل: لماذا تمارس طوائف روحانية، تنفر من العالم المادي وتتطلع إلى الروحانيات، المحظورات على نحو مفرط؟! في الحقيقة، أن ما وراء طقوس الإباحة والجنس ليس العبث، ولكنها تحـوي بداخلها مفتاح الخلود الذي فقـده آدم في الجنة ..!

والسر كله يكمن في الأفخارستيا Eucharista، رمز الفصـح والعشاء الأخير للمسيـح، المذكور في الأناجيل القانونية الأربعة وفي العشاء قبل الصلب؛ قال المسيـح (متى : ٢٦): “وفِيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز، وبارك وكسّر وأعطى التّلامِيذ وقال: «خذوا كلوا. هذا هو جسدِي»، وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائِلاً: «اشربوا مِنها كلّكم، لأنّ هذا هو دمِي الّذِي لِلعهدِ الجدِيدِ الّذِي يسفك مِن أجلِ كثِيرِين»” والرمز للعشاء الأخير (الخبز/الجسد، والروح/الدم)، وسميت الأفخارستيا بمأدبة محبة Agape اليونانية المشتقة من Agapan بمعنى كان راضيًا، شبع. (11)

وقد طابقت الأفخارستيا الكنيسة وارتبطت بها، باعتبارها الرمز الأرضي لملكوت الرب، في “الديداخي”، أهم وثيقة من العصر الرسولي وأقدم مصدر كنسي يذكر: “كما كان هذا الخبز المكسور منثـورًا فوق التلال وحين جُمع صار واحدًا، هكذا فلتجتمـع كنيستـك من أقاصي الأرض إلى ملكوتك”. وفي رسالة بولس إلى أهل أفسس، (٥:٣٢) يقول: “هذا السِّرّ عظِيمٌ، ولكِنّنِي أنا أقول مِن نحوِ المسِيحِ والكنِيسةِ”. السر بين علاقة الكنيسة الأنثى بالمسيح الذكر كعلاقة الرجل بالمرأة؛ ففي الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس، المنسـوبة لبابا روما الثالث كليمنـدس الروماني، يقول فيها: الكنيسة الحية هي جسد المسيـح، لأن السفر يقول: “ذكر وأنثى خلقهما”؛ ويقـول الأسقف ثيوفيلـوس الأنطاكي Theophilus of Antioch عن الأفخارستيا: الخبز كحبة حنطة في الأرض تنمو بزيادة مضاعفة روح الله التي هي قوة المسيـح Christ Force والتي هي دمه، وعلاقة الدم والخبز كاتحاد عنصرين: أرضي وسماوي، والذي يحيا به المؤمنون؛ ولذلك يقـول القديس أغناطيوس الانطاكي Ignatius of Antioch عن الأفخارستيا: دواء الخلـود وترياق عدم الموت، والحياة الأبدية في المسيـح. (12)(13)

والطوائف السرية المسيحية اتخذت معنى الأفخارستيا كاتحاد بين ذكر وأنثى فعليًا، وذلك عبر السوائل التي يفرزها الجسـد، وهي صورة مختلفة عن أفخارستيا الكنيسة المكونه من خبز وكأس من خمر ممزوج بالماء، رمز خبز جسد ودم المسيـح؛ اعتقدت هذه الطوائف أن شرارة النور Light Spark، والتي هي شرارة إلهية Divine Spark، هي الجزء الإلهي المحتجب داخلنا، وتتخفى بسائل المني عند الرجال، وداخلها بذرة النور Seed of Light. واعتقدت أن مني الرجل هو كالغيث الساقط من الجنة، لذلك وجب إعادته للأعلى؛ فطائفة البوربوريون Borborians، وهي عدة فرق مسيحية تزدريها الكنيسة الرسمية لكونهم من الفرق المنحلة، قد فسرت المقطع من إنجيل يوحنا بحسب ما ذكر إبيفانيـوس من يوحنا (٦:٥٤): “من يأكل جسدِي ويشرب دمِي فله حياةٌ أبدِيّةٌ، وأنا أقِيمه فِي اليومِ الأخِيرِ”، استوعب في الطائفة كرمز مجازي لفعـل إباحي، ويكمل الأصحاح بأصابة التلاميذ بالدهشة والحيره فقالوا: “إِنّ هذا الكلام صعبٌ! من يقدِر أن يسمعه؟” يوحنا (٦:٦٠). استوعب يسوع ارتباك التلامذة فرد: “فإِن رأيتم ابن الإِنسانِ صاعِدًا إِلى حيث كان أوّلًا” يوحنا (٦:٦٢)، في تأويلهم بمعنى: عندما ترون سائل المني المقذوف يُسترجع لأصله، ففزع التلامذة ويذكر: “مِن هذا الوقتِ رجع كثِيرون مِن تلامِيذِهِ إِلى الوراءِ، ولم يعودوا يمشون معه”؛ والصعود رمز له بالخلاص عبر تقنيات باطنية لرفع سائل المني للأعلى، لأنه، وبرؤيا الغنوصيين، إذا هبط للأسفل سبب إنجاب طفل في العالم المادي، وبذلك الجوهر النوراني Light Substance الموجود في المني، إذا هبط الى جحيم رحم المرأة يتلبس لحم جسد مادي فان، ولذا تساهم عملية التوالد والإنجاب في زيادة الظلمة؛ وأما النور أو الشرارة الإلهية فتظل في الأسر، وكلما زادت الأجيال اختنق النور أكثر، مما يصعب عمليـة الخلاص Salvation، ويصبح النور داخل الإنسان أسير عالم الظلمة؛ لذلك في الأنجيل الأبوكريفي Gospel of the Egyptians في حوار يسوع مع امرأة تلميذته تدعى سالومي Salome تسأله: “إلى متى سيكون موت؟ أجابها يسوع: طالما كنتن تحبلـن أيها النساء”. ويقول فيه يسوع: “لقد أتيت لأدمر أعمال الأنثى” بمعنى الشهـوة الجنسية المرتبطة بالإنجاب؛ وتقول طائفة الانكراتيين Encratites المتقشفة: إن نهر الأردن رمز الشهوة ويُنطق: “يردن” من أصل كلمة “يارد יָרֶד” العبرية التي تعني هبوط. وفي الكتابات الأبوكريفية أن خطيئة إغواء النساء لبني آلوهيم، أبناء سلالة شيث، كان في عهد يارد ابن مهللئيـل؛ أو كما تقول الكليمنديات المنحولة Pseudo Clementines، بأن بني آلوهيم هم أنفسهم الملائكة الساقطون، وخطيئة الجنس مع بنات الأرض، النساء الجميلات، حولت كيانهم من ناري إلى جسد من لحم ودم؛ لذلك قالت طائفة الانكراتيين عن رمز التعميد في الأردن، والذي كان يعمد فيه يوحنا المعمدان، بأن هبوط المعمد يرمز لخطيئة تدفق طاقة المني الذكري ناري الأصل للأسفل، ولكن الصعود من الأردن يرمز لحفظ سائل المني و توليد الألوهية من جديد، أي إرجاعه لأصله الإلهي الملائكي، فيصبح الإنسان ابن الله. لذلك عمد يسوع (متى، ٣: ١٦-١٧) “فلمّا اعتمد يسوع صعِد لِلوقتِ مِن الماءِ، وإِذا السّماوات قدِ انفتحت له، فرأى روح اللهِ نازِلًا مِثل حمامةٍ وآتِيًا عليه، وصوتٌ مِن السّماواتِ قائِلًا: هذا هو ابني الحبِيب الذِي بِهِ سرِرت”. لذلك هناك فِرَق، كأتباع كاربوكراتس الغنوصي والأنطاكي بولس السميساطي، تقول بأنه إذا حلت عليهم قوة المسيـح Christ Force، صارت طبيعتهم كالمسيـح نفسه. (14)

لذلك نرى أن الغنوصيين ينظرون إلى عملية الزواج والإنجاب على أنها تكرار لخطيئة سقوط الملائكة من عالمهم الشبحي النوراني إلى الأرضي اللحمي، بإغواء نساء الأرض. فاستبدلوا بالزواج الأرضي المقيد الاتحادَ/الزواجَ الإلهي Theogamy، والذي هو اتحاد مقدس Hierogamy، وهو الاتحاد الذي له صدى إلهي من عمق التاريخ الإنساني، وذلك ما سنتطرق إليه ..!

ملكـوت الرب المفقـود:

في مرقس (٤: ٣١-٣٢) “مِثل حبّةِ خردل، متى زرِعت فِي الأرضِ فهِي أصغر جمِيعِ البزورِ الّتِي على الأرضِ، ولكِن متى زرِعت تطلع وتصِير أكبر جمِيعِ البقولِ، وتصنع أغصانًا كبِيرةً، حتّى تستطِيع طيور السّماءِ أن تتآوى تحت ظِلِّها.”
تقـول طائفـة النحشية Naassene اليهو-مسيحية: إن حبة الخردل Sinapi نقطة غامضة في الدماغ، أو لا تُعرف إلا باليقظة الروحية وهي جنة عدن. وفي حديث منسوب للإمام الثامن للشيعة، علي الرضا، سُئل فيه عن الروح، قال: مسكنها الدماغ، وشعاعها منبعث في الجسـد، بمنزلة الشمـس: دارتها في السماء وشعاعها منبسط على الأرض، فإذا غابت الدارة فلا شمس وإذا قطع الرأس فلا روح. (15)
واعتبار مسكن الروح في الدماغ شائع -أيضًا- في الديانات الآسيوية، وحتى في الفلسفة  الديكارتية (نسبةً إلى الفيلسـوف العقلاني الفرنسي رينييه ديكارت René Descarte)، والذي فصل بين مادية العالم الخارجي الذي شبهه بآلة، وروحية العالم الداخلي الذي هو فكر خالص شبحي؛ ولكن الذي يربط العالمين ويجعل الفكر الخالص متحدًا بالجسم المادي، هو جزء في الدماغ في الغدة الصنوبرية  الواقعة وراء المخ. (16)
و لدينا النص الشيعي “أم الكتاب”، المنسوب إلى الإمام محمد الباقر، في حوار مع شخصيتين من كبار رجال الشيعة، هما جابر الأنصاري وجابر الجعفي. والنص فيه تشابه مع فلسفة التانترا Tantra الآسيوية، كما سنرى.
فالنص مبدؤه أن أحداث العالم الأكبر (بزرگ) لها مماثلاتها في العالم الأصغر (كوچک)، فعرش المولى في العالم الأكبر يقابله في العالم الأصغر -أي الإنسان- الدماغ، حيث يكمن فيه العرش الذي تسكنه الأشباح الخمسة، ويكون على صورة الزهراء فاطمة جالسة على العرش: تاجها محمد، وقرطاها الحسن والحسين، وفي حضنها سيف هو أمير المؤمنين علي، وهي الصورة التي كانت مرسومة في جنة عدن قبل سقوط آدم وحواء؛ ويخبرنا النص أن إبليس وأتباعه، عندما عصوا، تحـول قالبهم من ناري نقي إلى صورة نساء جميلات مهمتهم إغواء الصور الشبحية في الجنة. والنص ربما يرى النساء الجميلات صورةً ناقصةً عن صورة فاطمة الزهراء الكاملة؛ ففاطمة تظهر كمذكر -أيضًا- باسم فاطم أو فاطر، بمعنى أنها خنثوية Androgyny ثنائية الجنس، وهي  أم وأب Metropators في نفس الوقت. و يقول النص: “لا تقربا هذه الشجرة” بمعنى اشتهاء الأبالسة الذين هم في صورة نساء جميلات، وهي الخطيئة؛ فالصور الشبحية التي في جنة عدن، عندما أُغويت ولامست النساء، تحولت لأجساد مادية من شحم ولحم، وهبطت من العلا إلى الأرض. وكان الهبوط عبر الديوانات أو القصور أو السماوات السبع. واختلطت خلقتها بخلق الملك العاصي “عزرائيل” الذي أراد التشبه بالإله، فخلق صورةً مزيفةً عن الخلق الإلهي النوراني. ويقابل عزرائيل، في الغنوصية المسيحة، الإله الزائف Demiurge الذي خلق الكون المادي؛ لذلك تكوَّن قلب الإنسان من روح حسية، هي بيت الماء، تنتمي لعزرائيل، فهي ظلامية وشكاكة؛ وروح معترضة، هي بيت الهواء النقي ورمزها الشمس، وهي القادرة على الصعود إلى أصلها عبر سلسلة حبل النور، المكون من السماوات أو القصور السبع، والذي -في الجسـد- يقابل العمود الفقري؛ والعضو الذكري، إذا اشتهى النساء، يهبط ببذرته للعالم الظلامي السفلي، أي يستهلك البذور في الولادة؛ أما إذا أصعدها للأعلى فيكون الخلاص. والنص يشبه عضو الذكر بغيمة العالم الأكبر، والتي مطرها هو العلم المقصود لدى المعارف الباطنية/الغنوصية؛ فإذا ارتفع سائل المني عبر نار الشهوة للأعلى، اتصل بشعاع الدماغ المسمى النفس الناطقة أو العرش الذي تجلس عليه الأشباح الخمسة، ومن ثم يهبط شعاع المني المرموز له بالبرق والمطر على القلب الذي يقابل الأرض، فتتحطم الظلمة وينعكس الشعاع الشمسي للروح في الدماغ على القلب، و تتحطم روح عزرائيل المظلمة الشكاكة، ويخلص الإنسان من القالب المادي الى الشبحي النوراني ويستنير الدماغ. وهذا نفسه قول الإمام الرضا، إذا تفحصنا القول، وهو نفسه قول هشام بن الحكم عن أن الله يعلم ما تحت الثرى بأنه شعاع متصل منه الى أعماق الأرض؛ ويظل العلم بهذا الطقس سريًّا، ولا تحصل معرفة هذه الأمور إلا بالإيمان بإمام الزمان، لأن تابع الإمام الذي يأخذ منه المعارف يستلم الروح منه، وهي روح لونها لون البرق يستلمها من الدماغ الى القلب فتُحفظ الكلمة؛ وكان هذا العلم  شفاهيًّا Agrapha تحرم الكتابة عنه.(17)
نص “أم الكتاب” على قصة الروح وسقوطها وإعادتها الى أصلها، إلى العرش الذي يماثله في العالم الأصغر الدماغ، وذلك عبر حبل نوراني من سبعة ديوانات؛ بما يشابه فلسفة مدارس التانترا Tantra (بالسنسكريتية: तन्त्र)، والتي تعني “الخيط”،  بمعنى الخيط الممدود من الدماغ الذي تكمن فيه الألوهة الغائبة (الإله الخامد Deus Otisus)، والذي لا يتجلى ويصبح في حالة اليقظة إلا عندما تصل إليه الحية المسماة “كونداليني Kundaline”، ورمزها انتصاب العضو الذكري للأعلى ولا ينتصب نحو الأعلى إلا بحالة احتراق وحرارة داخلية؛ إما بمساعدة أنثى وإما بتاباس Tabas، وهو جهاد تزهدي يعتمد على الحرق الداخلي وإشعال النار من الداخل. ففي أحد النصوص البوذية Dhammapada ، أن بوذا كان في حالة احتراق حتى يصل إلى “نيرڤانا Nirvana”، التي تعني إطفاء النار، فينتهي البوذي إلى حالة السكينة؛ وفي التانترا لا يتم ذلك إلا بانفعال الدم في وريد رئيسي يسمى “سوشومنا Soshumna”، وبذلك يعبرالكونداليني عبر الدوائر الست في العمود الفقري المسماة Muladhara Chakra حتى تصل إلى القمة السابعة في الدماغ، وعندما تصل الطاقة إلى هناك يتم الخلاص؛ ويرمز لهذه القمة بزهرة لوتس تدعى “ساها ذرارا Sahasrara”، وتصور -أيضًا- كاتصال المبدأ الذكوري والأنثوي، “شيڤا Shive” و”شاكتـي Shakti”، بحالة التصاق حميمي أبدي كرمز للخنثوية. (18) (19) (20) (21)
ارتبطت هذه الطقوس، في المسيحية والتشيع، بالسحر الإيروتيكي Erotic Magic، فهي ترتبط بالليل والكتمان، وكانت طقوس تلقين Initiation لا يدخلها إلا من هو مؤهل لها من الخواص؛ يخبرنا كليمندس السكندري عن تعليم يسوع لتلامذته: أولًا بالأمثال والقصص ذات المعنى الخفي، ثم بالألغاز، وفي المرحلة الثالثة بالكشف عن ما هو مخفي وتكون للخاصة فقط؛ يذكر إنجيل يوحنا  الأبوكريفي أن يسوع أخذ توما Thomas أحد تلامذته جانبًا بعيد عن باقي التلاميذ، وحدثه عن ثلاث كلمات سرية؛ وعندما عاد الى رفقائه سألوه عما قال يسوع، فرد توما: لو أخبرتكم بواحدة من الكلمات التي حدثني بها ستأخذون حجرًا و ترموني به؛ و مما زاد ريبة هذه الطقوس أنها ليلية؛ يقول كليمندس السكندري: طقوس الأسرار تُنفذ في الليل، وذلك لأن انحباس الروح في الجسد تم في الليل. وفي مخطوطة وجدها عالم الآثار الإنگليزي مورتون سميث Morton Smith عام ١٩٥٨ في الصحراء اليهودية Judean، فيها التعاليم السرية للمسيح وكانت مع إلعازر Lazarus؛ فيها أن يسوع دخل الحديقة وعندما وصل إلى القبر الذي فيه إلعازر سمع صوت بكائه، فحرك يسوع الصخرة من مدخل القبر، ومد يده عاليًا ليقوم الشاب، فنظر إلعازر الشاب إلى يسوع وأحبه و بدأ يتضرع إليه ليكون معه، ثم ذهبا إلي بيت إلعازر وأعطى يسوع هناك معارفه إلى إلعازر لمدة ثلاث ليالٍ؛ ويصور النص رجلًا عاريًا مع رجل عارٍ؛ وأعلن البروفسور سميث أن المخطوطة تقول: إن يسوع يعلم تلامذته عن أسرار الملكوت فرديًّا وفي خصوصية وفي الليل. ويُعمَّد التلميذ أولًا بجسده العاري في الماء، فإذا صعد من الماء تملكه روح المسيح وبذلك يتحد معه، ومن الاتحاد يصعد إلى الجنة، ملكوت الرب(22). ويقول يسوع في Gospel of Thoma: من يشرب من فمي سوف يصبح شبهي، أنا نفسي سأكون ذلك الشخص، والأشياء الخفية سوف تتكشف لهذا الفرد. وهذه المعارف الليلية نجدها في الكتب الشيعية أيضًا؛ فعلي هو جامع القرآن وكاتب الأسرار، وكانت لعلي مع محمد، في كل ليلة، دخلة لم تكن لأحد من الناس، إذ كان علي يبعث لمحمد في جوف الليل فيختلي به حتى يصبح (23). لذلك قيل إن العزاقرة، أتباع ابن أبي العزاقر الشلمغاني، أباحوا اللواط، إذ كان صاحبهم يولج نوره في أتباعه؛ وإن أبا الخطاب الأسدي وضع غسل الجنابة وقال بطهارة سائل المني؛ وكذلك قال القرامطة بطهارة المني. وقالت الشيعة: إن نفس النبي كانت سائلة، فقد سالت في كف علي فردها إلى فيه؛ وفي حديث لأبي الصلت، صاحب الإمام علي بن موسى الرضا، قال: إن الرضا في لحظاته الأخيرة سأل: مَن لسانه زبد أشد بياضًا من الثلج؟ وألقاه في لسان أبي جعفر الجواد، ابنِه. (24)
وهذه الطقوس -عمومًا- لها صدى قديم من الماضي العميق للإنسان، وترتبط بباطن الأرض والإلهة الأم التي تحيي و تبعث من جديد بمني الإله الذكري.

المعارف السريـة Esoteric Knowledge:

عُرّفت المعارف الروحانية الباطنية بأنها الطريق المتجه إلى الباطن Inward Way، وهي طريق رحلة الإنسان داخل ذاته وتُعدّ طريقًا سالبة Via Negativa، لأن الذات الإنسانية في رحلتها الباطنية تتجه نحو ذات أعلى منها تشتاق إلى التلاشي فيها، وهي الأنا الأخرى Alter Ego؛ ولذلك قالت الهرمسية: من عرف نفسـه فقد تأله، ومن عرف نفسـه عرف ربه، ومن عرف إمامه عرف ربه، ومن لم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية. وعند الباطنيين الشيعة: الإمام هو الإله، وهو الذات الأخرى التي تتجلى للخواص من شيعته بنورانيته؛ والفرق الهرطوقية المسيحية -أيضًا- كان هدفها الاتحاد Union مع المسيح، لذلك تضاءلت أهمية الصلب الجسداني لديهم؛ في الأنجيل الأبوكريفي Gospel of Philip يقول  العارف Gnostic: إنه لم يعد مسيحيًّا بل المسيـح؛ وتظهر رحلة الذات إلى الذات الأخرى Alter Ego في الملحمة الفارسية “منطق الطيـر”، لفريد الدين العطار النيسـابوري، عن رحلة 25 طيرًا هاجرت أعشاشها ومساكنها في رحلة متعبة، للبحث عن الطائر الفارسي الأسطوري سيمورغ Simurgh، الذي يسكـن الجبل الأسطوري “قاف”؛ يمثل السيمورغ هنا الذات العليا  Transcendent Self التي تتلاشى فيها باقي الطيـور(26)؛ ودائمًا ما تنتهي هجرة الذات إلى باطنها بالاندماج بالذات العليا، ويرى الإنسان الجنة التي سميت في الفلسفة الأفلاطونية “عالم المُثُل Mundus Archtypus”، عالم الصور العقلية الخالصة؛ وقال أفلاطون بالتذكر Anamnesis، أي أن الإنسان لا يستفيق من غفوته إلا بصوت عميق يعرفه من حيواته السابقة، وبأصل روحه التي ترجع لعالم المثل، الذي لا يرقى له إلا بالعقل الخالص Pure Intellect، وهو عقل فطري. وهذه الرحلة إلى عالم المثل لا تكون إلا بعذابات تطهيرية Catharsis، ولا تكون إلا بالحب Eros، والذي صوره أفلاطون كشبح Demon وسيط بين العالمين الإلهي والإنساني؛ وبالحب يتولد داخل الإنسان جناح، ترافقه نار اللذة والألم والنشوة، وتحلق بعدها الروح إلى أصلها الخنثوي Androgynizm.، حيث اتحاد الذكورة والأنوثة، وتبلغ الخلود (27). وهذا ما أقره الإنجيل الأبوكريفي Gospel of Philip، حيث يقول: عندما كانت حواء في آدم لم يكن هناك موت، وعندما قُطعت منه جاء الموت إلى الوجود، فإذا رجعا إلى ما كانا عليه وضمها آدم إليه فسوف سيختفي الموت بالكلية.
ولذلك رُمز للنفس Psyche عند اليونان بالفراشة ذات الألوان الربيعية، وبالصبية في ريعان جمالها و شبابها، التي يلمحها الحب Eros فيأسرها ويحرقها في شعلة نار تتلاشى فيها وسط ألم وعذاب. (28)
وعن هذه العلاقة يقول العلامة اللاهوتي المسيحي “أوريجينـوس Origen”: إن النفس Anima جاءت من البرود والفتور، وقد صارت باردة لأنها ابتعدت عن النار الإلهية التي هي “اللوغوس Logos”؛ بذلك يكون صعودها إليه بعذابات تستشعرها من ناره، وكلما ارتقت درجة تنزلت منه معارف باطنية Interior Knowledge، وكشفت من أسرار حكمته حتى تصل إلى حجرة الزفاف Bridal Chamber، ويتم الزواج والاتحاد الإلهي Theogamy، وهناك يتم الشبع والرضا التام Agape، وتتحد بنور استنارته لأنها -هناك- استقبلت قبلات حبيبها “كلمة الله” مباشرةً، فمن قبلات فمه تتكشف العلوم الخفية المستورة عن نفوس باقي البشر؛ في مزمور(١١٩: ٧٢) تقول النفس: “شريعة فمك خير لي من ألوف ذهب وفضة”؛ وفي (١١٩: ١٠٣): “ما أحلى قولك لحنكي! أحلى من العسل لفمي”؛ وهي صورة اتحاد بين النفس واللوغوس ونزول الشريعة أو الحكمة إلى فمها بصورة قبلات، وهذه الرموز حاكاها -أيضًا- سفر نشيد الإنشاد. (29)
والمعارف السرية Esoteric Knowledge عند الشيعة تُتناقل بين الأئمة بالشفاه -كما ذكرت-؛ وكان أبن أبي العزاقر الشلمغاني الذي قال بألوهيته يتحد مع أتباعه حميميًّا ليولج نوره فيهم؛ و يصوّر نزول الوحي القرآني على النبي أنه كان يتلقاه بلسانه وشفتيه،  وكان يصاب من ذلك بشدة، فنزلت الآية: “لا تحرِّك بِهِ لِسانك لِتعجل بِهِ” لأنه كان يحرك شفتيه عند الوحي ليحفظه و يجمعه: “إِن علينا جمعه وقرآنه”، وجُمع القرآن في صدر علي (30). وهذا شاعر شيعي يدعى العودي (توفي: ٥٥٨ هـ)، يقول على لسان علي:
سلـوني ففي جنبي علم ورثته .. عن المصطفى ما فات مني به الفم
وإن تلقِّي الناموس والحكمة بالاتحاد المقدس Hierogamy موجود حتى عند السومريين، فيحدثنا لوح طيني أن إلهة/ بغي السماء “إنانا” تزور إله الحكمة والمياه الباطنية “إنكي”، الذي يسكر ويصبح مخمورًا فتأخذ إنانا سر الحكمة/ مه أو مي Me منه، وهذه الحكمه الباطنية لم تكن إلا في حوزة إنكي، وينتهي النص بمباركة إنكي لإنانا التي امتلكت سر الحكمة(31). كان الملك الذي يتحد مع إنانا يصبح حاملًا لأسرار Me، وهذا ما ذُكر في نص للملك  شولگي Shulgi، الملك الثاني لمملكة آور الثالثة، أثناء توجهه لهيكل إنانا ليتحد معها، حيث يقول: شولگي الراعي الأميـن ركب سفينته .. يرافقه تألق أسرار مه الملكية.
وبحسب النصوص المسمارية، يقع الاتحاد الإلهي بين الملك وإنانا في رأس السنة ليلة الهلال الجديد، و رأس السنة بالسومرية Zag Mug؛ ولاحقًا سيختلط طقس الاتحاد المقدس عند البابلين بـ”إكيتو”، عيد بدء الخليقة، وذلك لأن الاتحاد المقدس حـرم بعد الألف الثالثة ق.م؛ فالنصوص توصف طقس تجهيز حجرة إنانا لاستقبال الملك، في معبده الأبدي المعلق في السماء مثل غمام، حيث الحرم الكبيرالذي يطهر فيه “جيبيل Gibil” إله النار الفراش المخصب، حيث أقام الإله الهيكل المخصب من أجلها.(31) (32)
وإذا أخذنا في الحسبان أن الحكمة السرية Meh أخذتها إنانا من إله أعماق المياه العذبة الباطنية، وأن الملك الذي يمتلكها يقابل إنانا ويتحد معها في ليلة رأس السنة، نجد أن هذه الطقوس ظلت مطوية في الديانات السرية اليونانية، والمسيحية، وعند الشيعة.
تخبرنا المصادر الشيعية عن ليلة القدر التي هي بداية خلق الدنيا، أنها رمز لـسيدة، وفيها طقوس سرية؛ عن أبي جعفر الباقر: إن  ليلة القدر لسيدة دينكم وإنها لغاية علمنا. يا معشر الشيعة خاصموا بـ”حم، والكِتابِ المبِينِ، إِنا أنزلناه فِي ليلةٍ مباركةٍ”، فإنها لولاة الأمر خاصة بعد الرسول. وحديث آخر عن أبي جعفر: لقد خلق الله -جل ذكره- ليلة القدر أول ما خلق الدنيا، ولقد خلق فيها أول نبي وأول وصي، ولقد قضى أن يكون في كل سنة ليلة يهبط فيها بتفسير الأمور إلى مثلها من السنة المقبلة، من أول يوم خلقت فيـه الأرض إلى آخر فناء الدنيا، أن تكون على أهل الأرض حجة، يُنزل ذلك في تلك الليلة إلى من أحب من عباده، بمعنى نزول المعارف فيها مخصوصة لأفراد؛ وقال رجل لأبي جعفر: فما يحدث لهم في ليالي القدر علم سوى ما علموا؟ قال: هذا مما أُمروا بكتمانه ولا يعلم تفسير ما سألت عنه إلا الله (33).  وعن الأمام موسى الكاظم أنه تحاور مع رجل نصراني حول “حم، والكِتابِ المبِينِ، إِنا أنزلناه فِي ليلةٍ مباركةٍ”، قال: الكتاب المبين أمير المؤمنين علي، وليلة القدر فاطمة، والتي يخرج منها خير كثير فرجل حكيم ورجل حكيم ورجل حكيم (34). ويقول المختص باللغه السريانية “كريستوف لوكسينبـرغ Christoph Luxenberg” بأن سورة القدر ليتورجيا Leιtourgia طقس عبادة مسيحي، هو نزول  كلمة الله المسيـح، وكلمة شهر السريانية تشير للسهر بالصلوات (35). أيًا يكن الأمر، فمفهوم الإمام يطابق مفهوم كلمة الله/ المسيـح Logos، والأحاديث الشيعية تريد أن تقول إن في ليلة القدر نزول العلم السري Gnosis، وما يحدث فيها مكتوم، وأن عليّ الذي يمثل دائمًا بصورة غيث من السماء ينزل على ليلة القدر التي رمزها أنثوي، و بالاتحاد الإلهي Theogamy بين الغيث وليلة القدر، التي هي أول ماخلق من الدنيا، يخرج منها رجل حكيم Theosophist.
و في الطائفة المسيحية السرية الڤالنتانية Valentinianism، التي يجتمع أعضاؤها ليلة ١٥ فبراير -كما ذكرت- لأجل الزواج الإلهي، يعتقدون أن النور الإلهي لا يتلقاه الفرد إلا في حجرة الزفاف Bridal Chamber، التي يتم فيها الاتحاد السري بين الحكمة Sophia والمخلص Soter؛ حيث المؤمن يتوحد مع مقابله الملائكي Angelic Opposite الذي تجسده أنثى من داخل الطائفه، ونساء تلك الطوائف السرية توصف بأن لها روحًا عذراء Virginal Spirit، فيعتبرونها أقرب للذكورة والخنثوية؛ وعند أتباع “مارقون” -ويُدعَون المارقونيين Marcosians- يُقال للمرأة التي تجسد المقابل الإلهي أو الملائكي في حجرة الزفاف السرية: في حجرتكِ زيني نفسكِ كعروس تستقبـل عريسها، تقبلي استحسانه وتلقي منه بذرة النور Seed of Light، وانظري إلى النعمة التي ستحل عليكِ؛ وفي طائفة Phibionites يذكر إبيفانوس السلاميسي عن حفظ  جوهر النور الذي في المني، أن في لحظة قذف الرجل لسائل المني، في اتحاده السري مع امرأة تسحب نفسها لكي لا تتلقاه في الرحم -الذي يتلقى المني فيجسده لطفل من لحم ودم- لكنها تمسح المني على جسدها العاري وتصلي وتقدم المني قربانًا للإله وبعدها تقول: هذا جسد المسيـح؛ وهذه الطائفة، كما يتحدث إبيفانوس، تنجز الجماع الجنسي السري بسحر إيروتيكي Erotic Magic، إذ أنها كانت تنجز الأفعال الجنسية باسم ٣٦٥ أركونًا سماويًا، هبوطًا وصعودًا حتى تمام ٧٣٠ فعل جنسي تتحد في شريكين، وكل فعل هو بمثابة قربان وإذا تمت ٧٣٠ يعلن حينها الفرد أنه أصبح  المسيـح نفسه. (36)
و يخبرنا  بلوتارخ Plutarch عن تجربته في أحد الطقوس السرية التي تمارس في اليونان وروما، أنه بعد أن يٌعصب عين وفم العضو ويوضع في حجرة ، يستلقي في مركز الحجرة متخذًا هيئة ميت، ويدخل في مرحلة موت وجداني Ecstatic Death، عندها يأتي هرمس Hermes الذي هو موصل الأرواح Psychopompos ليرشدها للعالم السفلي، فينزل إلى سرداب تحت أرضي ليجتاز متاهات مظلمة، وهذه مرحلة التطهير Catharsis. وبعد مرحلة المعاناة الرهيبة في المتاهة، يصعد العضو إلى غرفة علوية وتزاح عنه العصابة ويسمع عندها أصوات بكاء تنادي: أعط المطر، أعط الحياة؛ بعدها مرحلة الكشف، ويقول بلوتارخ ما رأى: نور جميل ينبثق بالأعلى، ومناظر خلابة حميمة تصلنا بالغناء والرقص، ومجد وعظمة الأمور السرية تتكشف لنا، ويصبح المتلقي الآن شاهدًا Epoptes على ما كان مخفيًا من الأمور؛ وفي نص يتحدث متلقِّ في طقوس الديانة السرية في روما، المكرسه للإلهة المصرية إيزيس Isis، يقول: إنه في باطن الأرض لم يمش في طريق نهر أخيرون Acheron المظلم، بل جرى لجنات النعيم؛ وفي طقوس الأسرار الإليوسيزية Eleusinian Mysteries، في مرحلة  الكشف Epopteia تُكشف أسرار الطقوس التي قامت على الطريقة السرية للخلود عن طريق النار، حيث سرية المعرفة تكون بزواج تحت أرضي Chthonios Hymenaios، ويكون في عمق الأرض، وترتبط بولادة طفل سري يدعى Brimo وبنار لا توصف وحصاد كورنوس، إذ في هذا السرداب السري Anaktoron ينتظر الأتباع خلاصهم؛ وفي الأسرار المكرسة للإله ديونيسـوس Dionysus، والتي كانت تقام في الكهف Grotto، أن العضو يتلقى الغطاس ويصبح كلي الحضور Omni Presence وتُكشف له الأشياء السرية؛ وفي الميثرائية المكرسة لإله النور الإيراني “ميثرا Mithra”، التي تكون في الكهـف وعمق الأرض تنتهي إلى الدرجة السابعة حيث تنكشف جنة النعيم. (37)
وكم هي عميقة رمزية الكهـف، لذلك انجذب لها علماء نفس الأعماق لتكون صورة رمزية لللاوعي Unconsciousness، أو العالم المبطن داخل الإنسان والذي يحوي على صور Images تروي عن مشاعرها وتحكيها بأسلوب الميثولوجيا، وتظهر في الأحلام لتعبر عن نفسها ميثولوجيًا بصورة وحش مفترس أو نهر خلود أو إنسان نوراني؛ لذلك تحدثوا عن الخيال الفعّال Active ،Imagination أو التصور الخلاق Creative Visualiztion، والتي دخلت اليوم في نطاق علم النفس، كالمؤلفات الشاعرية، والسينما الشاعرية، والرسم، وكل مجال له علاقة بالباطن النفسي Intra Psychic.

المراجـع:
1) المقالات والفرق، سعد بن عبدالله القمي.
2) كشف أسرار الباطنية وأخبار القراءة، محمد بن مالك الحمادي اليماني.
3) الجوهرة الخالصة عن الشوائب في العقائد، شمس الدين عبد الصمد بن عبدالله العلوي الدامغاني.
4) الفرق بين الفرق و بيان الفرقه الناجية، أبو منصور البغدادي.
5) الحركات الدينية في إيران في القرون الإسلامية الأولى، غلام حسين صديقى، ترجمة: د. نصير الكعبي.
6) مصدر رقم (1)
7) الملل و النحل، أبو الفتح الشهرستاني.
8 ) التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمد الحسن العسكري.
9) الصراط ، المفضل الجعفي برواية جعفر الصادق.
10) الهفت والأظلة/ الهفت الشريف، منسوب الى الإمام جعفر الصادق.
11) Gnosticism Its History and Influence. Benjamin Walker.
12) الإيروس والثقافة، فياتشسيلاف شستاكوف.
13) علم الأبائيات، باترولوجي المجلد الأول، جوهانس كواستن.
14) علم الأبائيات، المجلد الثاني.
15) مصدر رقم (11)
16) مصدر رقم المناقب، ج ٤، ص٣٨٢.
17) الفلسفه ببساطة، براندان ولسون.
18) رؤية جابر في أم الكتاب، هانز هالم.
19) Rites and Symbols of Initiation. Mircea Eliade.
20) الأساطير والأحلام والأسرار، ميرسيا إيلياذه.
21) الجنس في أديان العالم، جيفري بارندر.
22) The Encyclopedia of Sacred Sexuality. Rufus C Camphausea.
23) مصدر رقم (11)
24) مناقب، ج٢، ص٢٥٤ ص٢٥٧.
25) مناقب، ج٢، ص٢٥٤ ص؛ ج ٤، ص ٤٠٤.
26) مصدر رقم (1)
27) مصدر رقم (11)
28) شعلة قنديل، غاستون باشلار.
29) مصدر رقم (٥)
30) مناقب، ج١، ص٧١؛ ج٢ ص٥٩.
31) كنوز الأعماق: قراءة في ملحمة جلجامش، فراس السواح.
32) ديوان الأساطير، الكتاب الأول: أعط ماء القلب، نقله الى العربيه: قاسم الشواف.
33) عشتار ومأساة دموزي، فاضل عبدالواحد علي.
34) أصول الكافي، ج١، [٦٤٣] [٦٤٤] [٦٤٥]
35) أصول الكافي، ج١، [١٢٨٥]
36) القرآن في محيطه التاريخي، إعداد: جبريل سعيد رينولدز.
37) مصدر رقم (11)

 

 

فريق الإعداد

إعداد: زهراء زكي

تدقيق لغوي: محمد ثروت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...