لمحات من مصر العثمانية (3)

أعيان الريف

حاولت في سلسلة المقالات تقديم لمحات من تاريخ مصر العثمانية، ذلك التاريخ الذي كان مُهملًا بشكل كبير، والذي أعادت الدراسات اكتشافه منذ وقت قريب. في المقال الأول حاولت تقديم الهيكل المادي الذي قامت عليه مختلف النشاطات في العصر العثماني، حيث عرضنا النهضة التجارية المصرية، والتي كانت السبب الرئيسي في تدفق النقد إلى الاقتصاد، وإعادة تدوير ذلك النقد عن طريق الاستثمار. وفي المقال الثاني حاولت تقديم نقاط بسيطة، توضح بعضًا من ملامح الطبقة الوسطى الحضرية، والتي ارتفع شأنها مع حدوت تلك الطفرة التجارية. أما الآن وفي الخاتمة، فسأحاول تلخيص بعضًا من نقاط كتاب (أعيان الريف المصري في العصر العثماني) وهو لرضا أسعد شريف.

وتمثل أهمية تلك الدراسة، أنها توضح كيف ساعد نهوض الطبقة الوسطى الحضارية، على نهوض طبقة ريفية من الأعيان الأثرياء، فقد استثمر تجار القاهرة أموالهم في الريف بوساطة الأعيان، كما استفاد الأعيان من أموال التجار في تمويل مشاريعهم الخاصة، التي عملت على النهوض بقوى الإنتاج في الريف، فعلى عكس بعض الدراسات التي ترجع الركود التام للريف في العصر العثماني، مقابل حدوث طفرة في الزراعة في عهد محمد علي، نجد أن الأمر ليس بتلك البساطة وهذا ما سنحاول الحديث عنه.

المقصود بأعيان الريف

في البداية يحدثنا الكاتب أن المقصود بأعيان الريف هم مشايخ القرى، والذين كانوا يمثلون قوة اقتصادية واجتماعية، في غاية التأثير في المجتمع الريفي سلبًا وإيجابًا. والمعروف أن سلطة مشايخ القرى تعود إلى عصور قديمة بالنسبة إلى الدولة المصرية. ففي العصر العثماني، عمل هؤلاء كهمزة وصل بين الإدارة المدنية، وباقي الفلاحين المهمشين. والمنطقة الجغرافية التي يدرسها الكاتب هي منطقة الدلتا تحديدًا.

سيطر الأعيان بشكل كبير على الأراضي في الريف، حيث نظروا للأرض كمصدر رئيسي لتكوين الثروات، وهي القاعدة الرئيسية التي يمكن تأسيس النشاط الانتاجي منها. نظر الأعيان إلى الأرض كسلعة، فكانوا يؤجرونها للأهالي لتحقيق العوائد وكان ذلك لا يتم بتلك البساطة، فكانوا على قدر كبير من الذكاء، فالأراضي التي يتم تأجيرها تكون دائمًا قليلة الجودة، بينما الأكثر يحتفظون بها لأنفسهم. كما تسللوا إلى مجال الالتزام المربح، فحلوا محل العسكر، استغلوا ضعف خبرة التجار في ذلك المجال.

والسيطرة على الأرض، منحت هؤلاء الأعيان ثروات هائلة بشكل تلقائي ومستمر، حيث سيطر الأعيان أيضًا على أراضي الأوقاف، والتي كانت تشكل كنزًا عظيمًا. فبسبب المزارات والمناسبات الدينية، ساهم ذلك في تكوين ثروات كبيرة.

إعلان

استثمر الأعيان أيضًا ولخبرتهم في ذلك المجال، في وسائل الري المختلفة، كالسواقي والشادوف، فضلًا عن التجارة في بعض الأدوات الأخرى المعاونة. ويتضح مما سبق كيفية استغلال الأعيان للأراضي الإنتاجية، سواء بالشراء، أو بالتأجير والمضاربة، أو الالتزام، كما حاولوا حوز القوى الإنتاجية المختلفة لمساعدتهم في الربح.

تمويل التجار للأعيان

بسبب حاجة الأعيان الماسة للأموال، لجؤوا للتجار، حيث منح التجار للأعيان الأموال اللازمة، مقابل الحصول على المحاصيل من الأعيان، وتلك القروض فرضت علاقة تبعية من الأعيان للتجار. وكان الأعيان يحاولون الحصول على تلك القروض حتى مع عدم حاجتهم، لأن تلك القروض تجبر التجار على الشراء من محاصيلهم، وذلك يحميهم من تقلبات الأسعار، كما يوفر لهم مشتري دائم، بسبب قلة خبراتهم التسويقية، والتي كانت شيئًا يسبب لهم المتاعب.

كانت تلك القروض، هي الطريقة التي تغلغل بها التجار في الريف عن طريق الأعيان، حيث كان التجار يحصلون على ما يريدون من المحاصيل التي يزداد الطلب عليها، واستثمر الأعيان تلك الأموال في رفع قواهم الإنتاجية وتحسينها. ولم يكن التجار فقط من يمولون الأعيان، بل شاركهم في ذلك العسكر ورجال الدين.

الشيء المهم أن تعامُل التجار مع الأعيان لم يتوقف فقط على توفير الحاصلات الزراعية في شكلها الأولي فقط، بل قام التجار بتمويل الأعيان لإمدادهم بسلع جاهزة للاستهلاك البشري، حيث يقوم الأعيان بتحول تلك المواد الخام إلى سلع، وبسبب ذلك استثمر الأعيان في شراء المضارب، المعاصر، المطاحن، معامل السكر، في المدينة والريف على السواء.

تذكر الدراسة أنه بعد العقد الأول و الثاني من القرن الثامن عشر، انخفض تمويل التجار، لاعتماد الأعيان على أنفسهم، نتيجة الثروات الطائلة التي حققوها من الإنتاج في الفترات السابقة.

استثمر الأعيان في الإنتاج الزراعي والحيواني، حيث تتخصص أعيان كل منطقة حسب طبيعة إنتاجها الزراعي، ومدى حجم الطلب عليه. كما أنشؤوا شركات للماشية، برؤوس أموال ضخمة، تلبية لاحتياجات المدينة من الألبان واللحوم. ويقول الباحث أن إنشاء شيء كهذا يحتاج مجهودًا كبيرًا، فيجب إنشاء الكثير من الحظائر ورعايتها والحفاظ على نظافتها، وانتخاب الأصلح من الحيوانات، وتوفير الأعلاف المناسبة لها، والتسمين لإنتاج اللحوم. كما كانت الأوبئة والأمراض أزمة كبيرة بالنسبة لتلك المشاريع، مما يسبب لها خسائر فادحة.

الاستثمارات الأخرى

بعد تصاعد نفوذ الأعيان في الريف، اتجهوا للاستثمار في المدينة، حيث اشتروا المخازن، والمضارب، والمعاصر، والعقارات بكافة أشكالها. تلك العقارات التي مثلت أيضًا مجالًا مهمًا للربح، فكلما تزايدت أرباح النشاط الصناعي والتجاري، زادت الاستثمارات في ذلك القطاع. ويقول الكاتب إن كثرة الإقبال على شراء عقارات المدن من هؤلاء الأعيان، مثّل عاملًا مركزيًا في التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت لهذه العائلات وأبنائها، خصوصًا عندما اندمجوا في الحياة السياسية في عصر إسماعيل.

قد يعجبك أيضًا

نواة عائلات رأسمالية زراعية

كان نشاط الأعيـان نشاطًا عائليًا، مثلت العائلة النواة التي من خلالها يتم كل شيء، ومع صعود نفوذ هؤلاء الأعيان في الريف، ثم في المدينة على حد سواء، وفي ظل توثيق الشبكات الإنتاجية، والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية بتجار المدن، والعسكر، ورجال الدين. شكلوا نواة طبقة رأسمالية ريفية، أصبحت تمتلك وضعًا مرموقًا في الريف، وانعكس ذلك سلبًا على الأهالي من حيث الاستغلال.

فساد الأعيان

بسبب أن العامل الرئيسي لنشاطهم كان الربح بشكل أساسي، اتجه الأعيان أحيانًا لزيادة ثرواتهم بطرق غير شرعية على حساب الفلاحين، فحاولوا القضاء على كل محاولة لمنافسة نفوذهم المتزايد، كما عملوا على توسيع هوة الفروق الطبقية بينهم وبين الأهالي، وذلك كما قلنا عن طريق توطيدهم لعلاقات مع غيرهم من الفئات، عن طريق التجارة، والزواج. كما امتلاكهم للعقارات الضخمة في المدينة والريف، وزيادة نشاطهم.

استخدم الأعيـان أيضًا الأساليب غير الشرعية  كالتزوير، والتلاعب بالأسعار، كما تعدوا على الأوقاف والمساجد، واستنزفوا كل شيء يمكن استنزافه لأغراضهم الخاصة، ولتحقيق الربح، وكلما قلت قبضة الإدارة الرقابية على الريف، كلما ازداد هؤلاء الأعيان جشعًا وفسادًا.

لكن في النهاية لم يكن الوضع هكذا دائمًا، فالبعض منهم وانطلاقًا من موقعه الاجتماعي، حاول مساعدة الفقراء، وإنشاء المساجد، والكتاتيب لنشر الثقافة، كما أوقفوا مساحات زراعية كبيرة للإنفاق على الأعمال الخيرية. ويمكن المجادلة أن تلك الأفعال كانت غطاءً أيديولوجيًا، على أفعالهم غير الشرعية، ومحاولة لتخفيف وطأة الفساد. حيث في النهاية لم تتجذر تلك المنشآت بالشكل اللازم في المجتمع الريفي.

في النهاية حاولنا الحديث عن دور الأعيان في ريف مصر العثمانية، سلبًا وإيجابًا، ونشاطاتهم المختلفة، ومدى النفوذ الذي حققته عائلاتهم، والتي مثلت نواة طبقة ظهرت بشكل واضح فيما بعد، حيث يمثل الأعيان جذور هذه الطبقة. خصوصًا أن محمد علي استعان بالكثير منهم في مشروعاته الخاصة، واستعان ببعض أبنائهم في مدارسه الزراعية.

 

 

 

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد رمضان

تدقيق لغوي: آلاء الطيراوي

الصورة: المحطة

اترك تعليقا