تأخذك إلى أعماق الفكر

الأزمة المالية العالمية 2008: قراءة في كتاب ”أزمة اعتقادات A Crisis of Beliefs”

الأزمة المالية العالمية ٢٠٠٨
0

قبل شهر من إطباق الأزمة المالية العالمية 2008 على رقاب العالمين، وقع خبر انهيار بنك ليمان براذرز للاستثمار في يوم الأحد 14 سبتمبر 2008 كالصاعقة على رؤوس المستثمرين ورجال المال من الإنس والجانّ في جميع أركان العالم. فاجأ الخبر المستثمرين الذين هرعوا يبيعون حيازاتهم من الأوراق المالية فأغرقوا الأسواق بالأسهم دافعين مؤشر داو جونز نحو القاع لينخفض بمقدار 500 نقطة يوم الاثنين صبيحة اليوم التالي لإفلاس ليمان. فاجأ الخبر أيضًا صناع السياسة، الذين هرعوا لإنقاذ مؤسسات مالية أخرى بعد أن أعلنوا لعدة أشهر أنه لن تكون هناك عمليات إنقاذ حكومية لأي مؤسسة.

فاجأ الخبر كذلك خبراء نماذج التنبؤ والاقتصاد القياسي المتربعين على عروش الرياضيات والإحصاء في البنوك المركزية وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي الامريكي، حيث توقعوا قبل ستة أسابيع فقط من إفلاس بنك ليمان براذرز، أي في أوائل أغسطس 2008 تحديدًا استمرار الاقتصاد الأمريكي في النمو بشكل جيّد وصلابة القطاع المالي في الولايات المتحدة الأمريكية . لكن ما حدث كان على النقيض من هذا التنبؤ، أنّ النظام المالي الأمريكي انهار تقريبًا بعد إفلاس ليمان، وانزلق الاقتصاد في هوة ركود عميق. وﻗد ﺣدث ذﻟك ﻋﻟﯽ اﻟرﻏم ﻣن ﺟﮭود اﻟﺣﮐوﻣﺔ ﻏﯾر اﻟﻌﺎدﯾﺔ لإﻧﻘﺎذ اﻟﻧظﺎم اﻟﻣﺎﻟﻲ ﺑﻌد انهيار ليمان.

والسؤال هنا…. لماذا أحدثت أزمة بنك ليمان مفاجأةً بهذا الحجم ؟

تفاجأ العالم اجمع رغمًا عن تراكم عوامل الهشاشة في النظام المالي الأمريكي والأوروبي قبل انهيار البنك بفترة ليست بقصيرة؟ ليس هذا فقط، ففي منتصف العقد الأول من القرن الحالي، شهد الاقتصاد الأمريكي فقاعة عقارية ضخمة.. ومع ارتفاع أسعار العقارات، اضطرت الأُسر إلى الاستدانة بشدة لشراء المنازل لاجئين إلى قروض الرهن العقاري. واضطرت البنوك والمؤسسات المالية الأخرى نفسها إلى الاقتراض لتمويل توسّعها في الإقراض العقاري فضلًا عن إصدارها لأوراق مالية مدعومة بعوائد القروض العقارية ومع تقلّص هذه الفقاعة بعد عام 2006، عانى النظام المالي من نقص كبير في السيولة، وشهدنا في أعقاب ذلك حالات من الإفلاس أو اندماج البنوك في كيانات أكبر. ومع ذلك، ظلّ النظام المالي والاقتصاد الأمريكي حتى خريف عام 2008 مستمر في الأداء المقبول أو لنقل طافِيَا على سطح الماء دون غرق، وذلك بدعم من مستمر من جانب الاحتياطي الفيدرالي بهدف تجنب حدوث حالة من الذعر بين الناس خوفًا على أموالها بالبنوك.

تصريحات المسؤولين المتفائلة رغما عن كل المخاطر

وبحلول منتصف عام 2008، رأى المستثمرون والسلطات الإشرافية المالية في أمريكا أنه على الرغم من التراجع  في حجم الفقاعة العقارية housing bubble( أي هناك اتجاه. نزولي في الأسعار يوحي باحتمال انفجار قريب في الفقاعة العقارية) فإن الوضع لازال تحت السيطرة. وفي 7 مايو 2008، أعلن وزير الخزانة الأمريكي هنري بولسون أنّ ”الوضع الأسوأ أصبح وراءنا“ بمعنى أنّ الاقتصاد الأمريكي تجاوز السيناريوهات الأسوأ. وفي 9 يونيو 2008، صرّح رئيس الاحتياطي الفدرالي ”بن بيرنانكي“ أنّ “مخاطر انزلاق الاقتصاد الامريكيي في” ركود كبير تتضاءل بشدة.

إعلان

سوء الوضع المالي بليمان براذرز لم يكن خفيا على أحد

ولا يمكن أن تُعزى مفاجأة إفلاس البنك إلى انكشاف مدى سوء الوضع المالي به، فقد كان هذا البنك في ورطة منذ فترة، وكان من المتوقّع أن يتم بيعه قبل عدة أشهر قبل إعلان الإفلاس في سبتمبر، بل وكانت البنوك الأمريكية بشكل عام تتكبّد خسائر كبيرة على مدار عدة أشهر متتالية خاصة مع تدهور سوق المباني والرهن العقاري. ولا يمكن أن تُعزى المفاجأة إلى بيانات الحكومة الرافضة لسياسة “توفير إنقاذ مالي للمؤسسات المتعسرة”، لأنه إذا كان هذا هو السبب في حدوث انهيار بهذا الحجم، لكانت الأسواق قد استعادت روحها ونشاطها مرة أخرى بمجرد أن أصبح واضحًا يوم الاثنين أنّ الحكومة ستقوم بعمليات إنقاذ مالية كبيرة. ومن باب الدقة، تحسّنت الأسواق تحسنًا طفيفًا مع الإعلان عن برامج الإنقاذ المالي إلا أنها أخذت بعد ذلك في التدهور وواصلت تدهورها، على الرغم من كل عمليات الإنقاذ.

الأزمة المالية العالمية 2008 وسيكولوجية المستثمرين

حاول كلّ من البروفسور نيقولا جينياولي Nicola Gennaioli من جامعة بوكوني الإيطالية والبروفيسور أندريه شيلفر Andrei Shleifer من جامعة هارفارد الإجابة عن هذه الأسئلة في كتابهما أزمة معتقدات: سيكولوجية المستثمرين والهشاشة المالية (A Crisis of Beliefs: Investor Psychology and Financial Fragility (2018 -إصدار جامعة برينستون- وحاولا تفسير هذه الظاهرة في ضوء أطروحات الاقتصاد السلوكي التي كشف عن نورها نجومُ الاقتصاد السلوكي وعلم النفس كانمان وتفرسكي. ولقد لاحظ المؤلفان في هذا الكتاب الرّصين المدعّم بالإحصاءات والاستقصاءات البحثية التفصيلية أنّ الأزمات المالية تحدث بشكل متكرّر بعد فترات مطولة من التوسع الائتماني (الدين)، والغريب أنها تفاجئ المستثمرين والأسواق في كل مرة. ويأخذ المؤلفان بيد القراء في مسيرة في أحراش ما قبل الأزمة العالمية وما بعدها للكشف عن أسباب انهيار ليمان براذرز وماترتب على ذلك من انهيار في النظام المالي في الولايات المتحدة، ويقدّمان دليلُا يوضّح الدور الخطير الذي لعبته اعتقادات مشترِي العقارات والمستثمرين والسلطات الرقابية؛ ونقصد بالاعتقادات هنا آراء وأحكام المستثمرين وتصوّراتهم عن المستقبل الاقتصادي لاستثماراتهم والوضع الاقتصادي عمومًا في الولايات المتحدة خاصة والاقتصاد العالمي عمومًا.

الاقتصاد السلوكي

وباستخدام آخر الأبحاث في مجال علم النفس والاقتصاد السلوكي، قدّم الكتاب نظرية جديدة في تكوين هذه الاعتقادات، والتي تفسّر لماذا هبطت الأزمة المالية كصدمة على رؤوس العديد من الناس وكيف استمرّ عدم الاستقرار الاقتصادي على الرغم من برامج الإنقاذ الضخمة التي قدمتها الحكومات في جميع أنحاء العالم . ويرى الكتاب أنّ اعتقادات المستثمرين باستمرارية ارتفاع أسعار العقارات في المستقبل وبسلامة الوضع المالي والاقتصادي والتي تكوّنت نتيجة لبعض الآليات المعرفية والإدراكية للعقل البشري أو الـ”heuristics” (وهي بعض القواعد البسيطة التي نلجأ إليها عند اتخاذ قراراتنا بشكل سريع حيث لا يتوافر لنا الوقت والجهد الكافي في كلّ وضع لدراسة كافة المعلومات، ربما تكون أقرب ترجمة لها من وجهة نظري هي ”حدس“) وأهمهما بالنسبة لموضوع الكتاب: الحدس المعتمد على المعلومات المتاحة Availability Heuristics، ويقصد بذلك أنّ متخذي القرارات يكوّنون أحكامهم (اعتقادتهم) ويتخذون قراراتهم بناءً على المعلومات المتاحة لديهم وهي عادة ما تكون أحدث معلومات، حتى لو لم تكن دقيقة. وهذا ما قد يؤدي به إلى اتخاذ قرارات خاطئة، وكذلك الحدس التمثيلي Representativeness Heuristics، وهو الذي يستخدمه الناس في تكوين أحكامهم عن احتمال حدوث حدث ما، وربما تحتاج هذه التسمية إلى شرح فيما يلي:

الحدس التمثيلي Representativeness Heuristics

عندما يُطلب من الناس الحكم على احتمال انتماء “أ” للفئة “ب”، فإنهم (تلقائيًا) يجيبون على هذا السؤال بالبحث عن مقدار التشابه بين “أ” والصورة أو الصورة النمطية التي في أذهانهم عن “ب” (أي مقدار تمثيل “أ” لـ ”ب”) كما نقول في الإحصاء. ولقد ضرب الكتاب مثالًا طريفًا في هذا الشأن عن احتمال أن يكون الإيرلندي ذي شعر أحمر، ففي اختبار أجراه الباحثون على عدد كبير من الطلبة الذين تصادف احتواء جماعتهم على عدد كبير جدًا من الإيرلنديين أصحاب الشعر الأحمر، وسأل الطلبة: ما هو احتمال أن يكون الإيرلندي ذي شعر أحمر؟ أجاب الطلبة بأنّ هذا محتمل بشكل كبير جدًا، وذلك بناءً على معلوماتهم التي استقوها من مشاهدتهم في الجامعة والتي اعتبروها ذهنيا ”عيّنة“ تمثّل عمومًا الشكل الإيرلندي. وفي أسواق الأسهم، يظنّ الناس أنّ نوعًا ما من الأسهم ستستمر قيمتها في الصعود بناءً على اعتقادهم بأنّ ”الشركة المصدّرة لهذه الأسهم تسجّل عوائد ممتازة بشكل استثنائي على مدار الخمسة سنوات الاخيرة. ولو نظر الناس إلى منحنى عوائد الشركة على مدة أوسع لوجدوا أنّ الوضع الطبيعي لهذه الشركة هو الخسارة أو المكسب الطفيف. وهذا ما يجب أن تبنى عليه الأحكام العقلانية لمستقبل هذا السهم، من خلال معرفة أنّ احتمالات المكاسب المرتفعة التي سجّلها السهم هي استثناء (أو طرفي tail كما نسميه في الإحصاء) وأنّ أداء السهم العادي المعتاد (normal distribution) هو الأقرب للخسارة والربح البسيط كل فترة.

الخلاصة

ودون الدخول في تفاصيل أكثر، فإنّ هذا الكتاب الجميل من الكتب التي يجب على المهتمين بالاقتصاد قراءتها a must read، والجديد الذي أضافه من وجهة نظري هو أنّ الأزمات المالية يمكن التنبؤ بحدوثها، وقد حدث هذا مع الأزمة المالية العالمية 2008، وليست غير قابلة للتنبؤ (بجعة سوداء) كما ذكر نيقولاس طالب.. لكن ما منع الناس من توقّع حدوثها هو اعتقاداتهم التي ترتّب عليها نتائج خطيرة بسبب الانزلاق في مغالطات إدراكية كشف عنها الاقتصاد السلوكي وعلم النفس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...