تأخذك إلى أعماق الفكر

الأديان في الفكر العلمي من أنكساغوراس إلى مرسيا إلياد 3

علم اجتماع الأديان

تأسس علم الاجتماع في القرن التاسع عشر ميلاديًا كغيره من العلوم، على يد الفرنسي “أوغست كونت“، ومنذ البداية تمايز علم اجتماع الدين عن علم الاجتماع العام، وكان لمؤسسه نفسه في هذا الحقل إسهام شهير، ففي تأمله لتاريخ المعرفة الإنسانية قسّم كونت التاريخ إلى ثلاث مراحل، الأولى: هي “المرحلة الدينية/ الأسطورية”، تليها “المرحلة الفلسفية/ اللاهوتية”، ثم آخر مرحلة وهي “الوضعية/ العلمية”، حيث اعتقد كونت أن عهد الدين قد ولّى مع دخول البشرية في زمان الوضعية l’aire de positivisme، غير أنه وبفضل شعوره بأن المسيحية في طريقها إلى الزوال، دعا إلى تأسيس دين جديد وموحد للبشرية، يتأسس على “الحب كمبدأ – النظام قاعدة والتقدم هدف”، أما منهج دراسته فكان يتمثل في البحث عن التأثير الذي يفرضه المجتمع على الدين وكيف يعطي هذا الأخير أيضًا للمجتمع هويته ونظامه، حيث في نظره “كل قواعد تنظيم الحياة البشرية داخل المجتمع من اللازم تواجدها في محتوى الظواهر الدينية، فدراسة الديني متعذرة إذا انفصلت عن الاجتماعي، كون الواحد متواجدًا في حضن الآخر” (59).

سوف يتمدد هذا المنهج مع المؤسس المنهجي لعلم الاجتماع وهو “إميل دوركايهم” الذي أثّر ولا زال يؤثر على كل العلوم الإنسانية التي تدرس الأديان، ففي سنة 1912 م أصدر كتابه “الأشكال الأولية للحياة الدينية” بعد بحث إثنوغرافي قام به في قبيلة الأورنتا بأوستراليا، وينهض الكتاب على الأطروحة التي مفادها أن الظاهرة الدينية ظاهرة تاريخية كغيرها من الظواهر الاجتماعية، ما يعني بأن الدين صنع بشري خالص، يقوم على “نظام تصنيف” يفرق فيه المقدس عن المدنس، وذلك ما ينظم الحياة الاجتماعية (60)، حيث يُرمَّزُ المقدس في شارات طبيعية كالحيونات أو النباتات وهو ما يطلق عليه “الطوطم”.

كما وضح دوركايم أن لا مقدس في ذاته وإنما البشر هم الذين يضفون القداسة على الأشياء الطبيعية، هكذا فالتحليل الذي قام به أظهر “وجود علاقة دينية بين الفرد وعشيرته أو وسطه الاجتماعي، فتلك العلاقة ذات الطابع القداسي بيّنت لدوركايم أنها أصل كل دين، حيث أن الطوطم هو الوجه الآخر للمقدس فهو الانعكاس الرمزي على المستوى الديني للجماعة البشرية، وبالتالي فإن الوقائع الاجتماعية تفسر الوقائع الدينية” (61)، وبه يتبين أن المجتمع هو أصل الدين عند دوركايهم، يخلقه من أجل غاية تنظيمية، ما يعني أن أم الإله ليست سوى المجتمع.

يعد في هذا السياق “ماكس فيبر” كأعظم عالم اجتماع أديان، حيث دبج في هذا الحقل أكثر من كتاب منهجي ودراسة تنظيرية، حيث يعتبر كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” الصادر سنة 1905 م واحدًا من أهم كتب علم الأديان على الإطلاق، فعكس ما كان يعتقد ماركس بأن البنية الفوقية التي ينتمي لها الدين دائمًا موجهة من طرف البنية التحتية (الاقتصاد)، أكد فيبر العكس حيث اعتبر الرأسمالية -و هي أظهر وجوه الاقتصاد الحديث- ناتجة (بالإضافة إلى عوامل أخرى) عن تطور الأخلاق الزهدية البروتستانتية في أوربا، حيث تتبع هذا الألماني تاريخيًا كبريات العائلات البرجوازية فوجد أن معظمهم ينتمون إلى المذهب البروتستانتي.

ولتعميق البحث درس جماعة الكالفينيين الذين ينتمون لنفس المذهب، فوجد بأن البروتستانتية تعتبر أن نجاح العبد في الدنيا علامة على رضى الله وعلى نجاحه في الآخرة، وبالتالي يسعى البروتستانتي إلى عيش حياة مكرسة للعمل خصوصًا لنيل الجنة، وهو ما يتسبب في عائدات مادية باستمرار؛ ذلك ما يساعد على تراكم رأس المال، حيث إن “هذه الطهرية الكالفينية هي ما يولد عقلية الربح والفائدة الذين يعتبران أهم سمات الرأسمالية” (62)، وبالتالي تظهر هنا سمة أخرى للدين كشفتها الماركسية والوضعية، وهي اعتبارها الدين عاملًا يشد المجتمع إلى الخلف متسببًا في جموده، غير أن فيبر وضح بأن الدين في طليعة عوامل التغير الاجتماعي.

إعلان

علم نفس الأديان

أيضًا علم النفس خرج من جبة الفلسفة نهائيًا في النصف الثاني للقرن 19 م، ولعل أبرز أعلامه النمساوي “سيغموند فرويد“، الذي له مساهمة رهيبة في علم نفس الأديان، فبالاعتماد على نظريات الفرنسي “شاركو” حول الهستيرية، سوف يستنتج فرويد الأصل النفسي لمختلف أنواع العصاب، ومنه سيلاحظ بأن الظاهرة الدينية مشابهة للأعراض العصابية الفردية، فالظاهرة الدينية مماثلة للمسار العُصابي التالي: انجراح منسي أثناء فترة كمون يعاود الظهور تحت شكل عقدة أب مهيب، إذ عنده الدين حالة نفسية تغمر الإنسان، مرة تطفح وأخرى تفتر، أي خاضعة لقوانين الشخصية النفسية، ولاحت فرضية لفرويد من أحد مقترحات “تشارلز داروين“، مفادها أن في عشيرة بدائية حيث كان الأب يحتكر النساء، فأنشأ بذلك تدمرًا عند أبنائه باحتكاره للجنس، وبسبب التحجير على ممارسة الجنس، سوف يقوم الأبناء بقتل أبيهم لتفريغ غرائزهم الجنسية من الكبت الذي فرضه عليهم الأب، و بحسبه فالأبناء لم يقتلوا آباءهم فحسب بل التهموه أملًا في التماثل معه، ثم جسدوا صورة الأب في شكل طوطم.

يماثل فرويد بين الأب المقتول والإله المعبود، حيث كتب سنة 1910 م بعد وفاة ليوناردو دافنتشي، يقول:

“سمح لنا التحليل النفسي بإدراك العلاقات المتينة الموجودة بين عقدة أوديب والإيمان بالله، فقد علمنا أن الإله الشخصي من وجهة نظر نفسية ليس سوى صورة لأب مهيب، يتبين لنا كل يوم كيف يفقد الكثير من الشبان إيمانهم بمجرد انحدار السلطة الأبوية، إننا نكتشف في عقدة أوديب أصل كل حاجة دينية” (63)، و بذلك فإن عبادة الأب في العقيدة الدينية تبدو متماثلة مع عبادة إله شخصي، إذ عند فرويد “الإيمان ضعيف وخائف؛ لأنه تعرض إلى ضغط جبري متأتٍّ من الطفولة العقلية”.

بذلك يعقد فرويد مماثلة أخرى بين الدين والطفولة، حيث يرى أن الدين ينبع من عجز الإنسان في مواجهة قوى الطبيعة في الخارج، حيث ينشأ الدين في مرحلة مبكرة من التطور الإنساني عندما لم يكن الإنسان يستطيع أن يستخدم عقله بعد في التصدي لهذه القوى الخارجية والداخلية، ولا يجد مفرًا من كبتها، أو التحايل عليها مستعينًا بقوى عاطفية أخرى، وهكذا بدلًا من التعامل مع هذه القوى عن طريق العقل، يتعامل معها بـ”عواطف مضادة”، بقوى وجدانية أخرى، وظيفتها هي الكبت، أو التحكم فيما يعجز عن التعامل معه عقليًا. وفي هذه العملية ينمّي الإنسان ما يطلق عليه فرويد اسم “الوهم”، الذي تؤخذ مادته من التجربة الفردية في مرحلة الطفولة، حيث كلما تعرض الطفل إلى خطر عاد إلى أبيه، الذي يعتقد بأنه أوتي قوة خارقة (فهو على كل شيء قدير) وحكمة ثاقبة، وبالتالي كي يضمن الطفل حب ورعاية أبيه فإنه يواظب على رفع كل عناوين الاحترام والتبجيل له (64).

يلاحظ فرويد بأن الدين ليس إلا تكرارًا لهذه التجربة الطفولية البدائية، حيث يتعامل الإنسان مع القوى المهددة له بنفس الطريقة التي تعلمها منذ أن كان طفلًا كي يدرأ شعوره بعدم الاطمئنان، من خلال الاعتماد على أب قوي يعجب به ويخافه، بذلك يقارن فرويد بين الدين وعصاب الإحصار Obsessional Neuroses الذي يصيب الأطفال، بل يوسع دائرة المقارنة إلى أن يستنتج بأن الدين عصاب جماعي Collective Neurosis تسببه ظروف مماثلة للظروف التي تحدث عصاب الطفولة (65). من هذا كله فإن الدين عند فرويد ليس أكثر من وهم، إذ إن كل اعتقاد حسبه مجرد تخريف ما دام مدفوعًا بتحقيق اللذة أو درء الخطر.

وفي كتابه المهم “موسى والتوحيد” عمّق هذا التحليل الذي تتموقع فيه رمزية الأب في المركز، حيث أكد بأن: “يهوه لا يزيد عن كونه تصعيدًا لإحساس عام بالذنب البدائي الناشئ عن قتل الأب الذي هو منبع تمجيد فكرة الرب”، يوغل فرويد أكثر في الجذرية حينما يعلن بأن هذه العلاقة وهذا الوعي الوهمي يؤدي بـ”النوع الإنساني لأن يتعرض لتطورات ذات محتوى عدائي جنسي تخلف آثارًا دامية، وتكون مبعدة ومنسية في مجالها، آجلًا وبعد فترة طويلة من الكمون، تصبح نشيطة ومنتجة لظواهر مشابهة في بنيتها واتجاهاتها للأعراض العُصابية، ونتاج تلك السياقات هي الظاهرة الدينية، التي لا يمكن اعتبارها من وجهة نظر تحليل نفسية إلا على أنها عُصاب وسواسي كوني للإنسانية” (66)، وبذلك فإن الإيمان ليس أكثر من أعراض النفس المريضة التي تمس حتى الاعتقاد في الله وحبه، الذي حسب فرويد خاضع لرغبة جنسية مكبوتة أو إلى “علاقة اعتماد” على كائن متخيل يجنّب الإنسان الخطر (67)، إلى جانب هذه الأخيرة فإن التحليل النفسي وضح بأن الطابع الخيالي العميق لهو أهم خصيصة تجعل من التجربة الدينية أمرًا ممكنَ الوجود من وجهة نظر سيكولوجيا الإنسان المؤمن، وبه تكتمل أركان مساهمة فرويد في علم الأديان، فكما يؤكد ميسلال: “بأنه من اللازم الاعتراف بأن مزية فرويد مهمة، فهو الأول الذي وعى أن كل علاقة للإنسان مع الإلهي تمر حتمًا عبر وساطة الأب” (68).

ستطبع أعمال السويسري “كارل يونغ” أيضًا هذا المبحث، فرغم صداقته لفرويد منذ أولى سنوات نشاطه العلمي إلا أنه سوف يضع مسافة بينه وبين التحليل النفسي الفرويدي، كي يؤسس لخصوصية فكره السيكولوجي، بحيث سيخفف من راديكالية التحليل النفسي تجاه الدين، ويوسع دائرة فهمه ويعمق منهج تحليله، فهو الآخر اهتم بالرموز التي تُمَثَّلُ فيها المقدسات كما يفعل الفينومينولوجيون، كما أنه وسع من دائرة اللاوعي في التحليل النفسي، وأكد أنه لا يوجد فقط “لاوعي فردي” بل يوجد أيضًا “لاوعي جماعي” وهو الذي له سلطة تأثير أكبر على الأول منه لسلطة هذا الأخير على الثاني، إذ إن اللاوعي الجماعي عنده هو “الذي تتجلى بفضله وحدة النوع الإنساني، وهو المسكون بنماذج أصلية خفية لا تزيد على كونها تجليات للمحتويات النفسية والرسومات الرمزية، حيث ينعكس الواقع، والتي يسايرها غريزيًا كل كائن بشري بكل كيانه” (69).

فما دام الدين يتجلى في الرمزي، وما دام اللاوعي مخزنًا للرمزي، لاحظ يونغ وجود علاقة بين اللاوعي والدين حيث إن هذا الأخير: “موقف للشعور الذي تحوَّر بتجربة النومينو (خارق للطبيعة)، ولكن ذلك التغير تم عبر رموز متأتية لاشعوريًا ومحملة بشحنة عاطفية شخصية، بذلك فإن تحليل الأحلام أمر ضروري لأنه يرفع الستار عن ظواهر داخلية للنفسية بقيت مجهولة، ومن هنا سوف يهتم يونغ بتفسير الأحلام أكثر من مؤسس التحليل النفسي، فالحلم عند فرويد ليس سوى واجهة بسيطة يتخفى وراءها المقموع والمكبوت، أما مع يونغ فالحلم هو ظاهرة عادية ومألوفة، يجذر التعامل معها كحادثة طبيعية تعكس واقعيًا ما هو موجود، ومتى كان الدين موضوعًا للحلم فإنه جزء من حالة طبيعية مألوفة توجد في صميم الإنسان، هكذا فإن حسب يونغ الحياة الروحية تتجلى عبر رموز متأتيةً من اللاوعي ومُرَاءةً في الأحلام أحيانًا، ذلك ما يثبت بأن الوظيفة الدينية توجد في حضن ذلك اللاوعي (70).

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.