تأخذك إلى أعماق الفكر

اصطدام نجمين في زمان الديناصورات ينتج تريليونات الأطنان من الذهب ويثبت نظرية آينشتاين

تتكون ذرة أي عنصر من نواة صغيرة جدا بداخلها عدد من النيوترونات متعادلة الشحنة والبروتونات موجبة الشحنة وخارج النواة جسيمات صغيرة جدا جدا وهي الإلكترونات سالبة الشحنة . مايحدد نوع المادة هو عدد البروتونات الموجبة داخل النواة فمثلا لو أن النواة د\اخلها بروتون واحد تصبح هيدروجين ولو داخلها 11 بروتون تصبح صوديوم ولو كان داخلها 79 بروتون تصبح ذهبا . أما فائدة النيوترونات فهي تقليل قوة التنافر الكهربي بين البروتونات التي تحمل نفس الشحنة بواسطة القوى النووية . إذن مما سبق إذا أردنا تكوين عناصر أعلى في عدد البروتونات مثل الذهب يجب أن ندمج نواتين أو أكثر من عنصرين أو عناصر أقل في عدد البروتونات . ولكن ذلك يتطلب كسر القوى النووية لنواتي ذرتين لإعادة دمجهما مرة أخرى في نواة واحدة كبيرة . ويسمى هذا بتفاعل الاندماج النووي ولكن هذا يتطلب درجات حرارة وضغط عاليين حتى تتحرك الجزيئات بسرعة جد عالية حتى أن القوة النووية لن تجد الوقت الكافي لتعمل وتتفكك النواة . وتكون هذه الحرارة في حدود\ عشرات الملايين من الدرجات المئوية وفي الطبيعة لايوجد مكان تتوفر فيه هذه الكمية الهائلة من الحرارة إلا في النجوم . وللعلم فأنه لصنع تفاعل نووي اندماجي يجب أولا تفجير قنبلة انشطارية مثل قنبلة هيروشيما وناجازاكي لنحصل على ضغط وحرارة كافيين لاتمام التفاعل .
يتكون كوننا من هيدروجين وهيليوم بنسبة 99 في المائة . وكل العناصر في الجدول الدوري تكونت منهما . وكما ذكرنا سابقا فإن كل 4 أنوية هيدروجين ( يوجد بروتون واحد في كل نواة ) يتحدوا معا في النجم لتكون نواة هيليوم ( بها بروتونين في النواة ) وتنطلق اشعة جاما وعرفنا أن النجوم في مرحلة الغنهيار تؤدي لاتحاد أنوية الهيدروجين والهيليوم لتكون الاكسجين ( 8 بروتونات في النواة ) وكربون ( 6 بروتونات في النواة ) . وفي الاصطدام الذي حدث بين الثنائي النجمي الذي نحن بصدده الىن ارتبطت أنوية لعناصر صغيرة معا نتيجة لتفاعلات اندماج نووي بسبب الحرارة العالية جدا لتكون العناصر الثقيلة مثل الذهب ( 79 بروتون في النواة ) والبلاتينيوم ( 78 بروتون في النواة ) واليورانيوم ( 92 بروتون في النواة ) .
والجدير بالذكر أن جسدنا يحتوي على ثلاث أرباعه من المياه وهو يتكون من الاكسجين والهيدروجين ، ونحن نعرف الىن أن الهيدروجين تكون من 13 مليار عام في الإنفجار العظيم بينما الاكسجين كان عليه أن ينتظر ليطهى داخل نجوم كشمسنا . والشئ نفسه صحيح بالنسبة لعنصر آخر في جسمنا هو الكربون . العنصر الذي ترتكز عليه كل أشكال الحياة لكن جسدنا يحتوى أيضا على عناصر أخرى بكميات قليلة مثل الحديد الذي تكون خلال موت النجوم العملاقة عندما وصلوا لنهاية حياتهم . وهناك أيضا عنصر نادر كالزنك والذهب موجود في جسدنا . وعنصر الزنك يتكون في انفجار سوبرنوفا . لقد تم طهي العناصر جميعا في المراجل الكونية ويمكننا جميعا أن نقول أننا مصنوعون من غبار النجوم ، لكن الحقيقة أيضا أننا جميعا مجرد نفايات نووية .

الجاذبية وانحناء الزمكان :

تعتبر الجاذبية أحد القوى الأربعة في الكون وبالرغم من أنها أضعف القوى الأربعة إلا أنها أكثر القوى التي نلاحظها فهي التي تحفظنا وكل ماحولنا من أجسام مرتبطين بسطح الأرض وهي التي تحفظ الهواء الذي نتنفسه من الهروب للفضاء الخارجي كما تحتفظ بالقمر في مداره حول الأرض وتحافظ على الارض في مدارها حول الشمس . وقبل نيوتن لم يكن مفهوما أن سقوط تفاحة من الشجرة على الأرض يشهد بان نفس المبدأ الفيزيائي هو الذي يجعل الكواكب تدور حول الشمس . وكانت نظرة نيوتن للجاذبية أن كل شئ على الغطلاق يمارس قوة جاذبية على كل شئ آخر على الغطلاق . واستنتج نيوتن معتمدا على الدراسة العميقة لتحليل حركة الكواكب لكبلر أن شدة الجاذبية بين جسمين تعتمد على أمرين : كتلة الجسم والمسافة بين الجسمين . وتوصل لمعادلت تنص على أن قوة الجاذبية بين جسمين تتناسب طرديا مع حاصل ضرب كتلتيهما وعكسيا مع مربع المسافة بينهما . ويمكن استخدام قانون الجاذبية هذا للتنبؤ بحركة الكواكب والمذنبات حول الشمس وحركة القمر حول الارض وحركة الصواريخ وكرة البيسبوب . وكان التوافق بين التنبؤات والمشاهدات الفعلية لحركة مثل هذه الاجسام مدهش . وقد اعطى هذا النجاح دعما لاباس به لنظرية نيوتن حتى اوائل القرن العشرين . وماميز هذه النظرة للجاذبية أن تأثيرها لحظي . أي أن الشمس لو اختفت الآن لتحررت الأرض من جاذبيتها في نفس اللحظة . وجاءت النسبية الخاصة لآينشتاين لتهدم التزامن . فالسمة الرئيسية للنسبية الخاصة هي أن الحد المطلق للسرعة ، فأي جسم أو إشارة أو حتى تأثير لايستطيع أن ينتقل بسرعة أكبر من الضوء . وبما أن ضوء الشمس يصلنا بعد 8 دقائق فهذا يعني أنه في حالة اختفاء الشمس فإن جاذبيتها ستظل تحكمنا لمدة 8 دقائق لحين وصول هذا التأثير إلينا . وبرغم هذه المعضلة التي خلقتها النسبية الخاصة لجاذبية نيوتن إلا أنها لم تفسر لنا كيف تعمل الجاذبية . والأمر الثاني الذي تفتقر له جاذبية نيوتن أنها لاتقدم شيئا عن معنى الجاذبية . بمعنى كيف أن جسمين منفصلين فيزيائيا يؤثران الواحد في حركة الآخر ؟ وماهي الوسائل التي تنجز بها الجاذبية رسالتها ؟ . هذه مشكلة كان نيوتن نفسه على دراية بها . وجاءت النسبية العامة لآينشتاين حين سيطر عليه موضوع الجاذبية التي هدم نظريتها السابقة لنيوتن حتى درس العلاقة بين الجاذبية والحركة المتسارعة . وتأثير التسارع على أبعاد الأجسام وبذلك استنتج أن التسارع يؤدي لاعوجاج المكان وكذلك يؤدي لاعوجاج الزمان . وفي لغة أبسط ينسج المكان والزمان معا البنية المتجانسة للزمكان . ومانعنيه باعوجاج الزمن هو إذا تغيرت سرعة مروره من موقع لآخر . وبالتالي فإن جاذبية آينشتاين تنتج عن اعوجاج نسيج الزمكان .

ولفهم ذلك نفترض غشاءا مستويا ذا بعدين وعندما نضع عليه جسما ثقيل سيحدث انحناءا وهذا مايحدث لنسيج الفضاء عندما نضع جسما مثل الشمس . وتبعا لذلك نجد أن الفضاء ليس مجرد مساحة خاملة تمدنا بمسرح لأحداث العالم ، بل إن شكل الفضاء يستجيب للأجسام الموجودة في الوسط المحيط . يؤثر هذا الاعوجاج في الاجسام الأخرى التي تتحرك بالقرب من الشمس حيث أن عليها الآن أن تعبر النسيج الفضائي المشوه . وبالتالي فإن مجال الجاذبية الذي يمسك بالأرض في مدارها ليس فعلا لحظيا غامضا للشمس ، بل هو اعوجاج النسيج الفضائي الذي تسبب به وجود الشمس . وهذا التأثير يصل إلينا بالتأكيد بعد 8 دقائق وهو زمن وصول الضوء من الشمس إلينا حيث أنه لاشئ يسبق الضوء . وبالتالي لو اختفت الشمس الآن فإن نسيج الفضاء سيعود كما كان بداية من الشمس ولكن هذا التأثير لن يصل إلينا سوى بعد 8 دقائق وحينها نشعر أن الشمس اختفت .

إعلان

وفي وصف آينشتاين للجاذبية ، كلما زادت كتلة الجسم كلما زاد التشوه الذي يحدثه في الفضاء المحيط به . وبالتالي فإن الجاذبية تنتقل عبر الفضاء في صورة تشوه للزمكان في صورة موجات لها سرعة محددة وهذه الموجات يحملها جسيم أولى يدعى الجرافيتون .

كيفية الكشف عن موجات الجاذبية :

حاول العلماء ايجاد سبل للكشف عن هذه الموجات ، ولكن يأس الكثير من العلماء من ملاحظة جرافيتون واحد وهذا يرجع إلى حقيقة أن قوة الجاذبية ضعيفة جدا لدرجة أنه يعتقد أن تفاعلات بين الجرافيتونات والمادة تفوق قدرة الإنسان على ملاحظتها ولو  في المستقبل المنظور . وقال فريمان دايسون من معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي في مؤتمر عقد من شهر في سنغافورة للاحتفال بذكرى ميلاده التسعون ” أنه من المستحيل فيزيائيا بناء كاشف للجرافيتونات ” ويقول دايسون بأن الطريقة القياسية للبحث عن موجات الجاذبية من خلال ارتداد الضوء بين مجموعة من المرايا ومن ثم قياس التغيرات الدقيقة في انفصالهم ستكون أمرا ميئوسا منه للكشف عن الجرافيتونات . فلكي نكون دقيقين بما فيه الكفاية للكشف عن هذه التغيرات الدقيقة في المسافة الضئيلة بسبب الجرافيتون الواحد فلا بد للمرايا أن تكون ثقيلة جدا لدرجة أنها ستنهار لتكون ثقبا أسودا .

وأخيرا خرج لورانس كراوس بحل يعتمد على اثبات أن توليد الموجات الجذبوية خلال التضخم يتناسب مع مربع ثابت بلانك ، مما يعنى أن الموجات الجاذبية كمية بالفعل . ويقول لورانس كراوس أن ما نأمله أخيرا هو كشف عن إشارة من جرافيتون وحيد تضاعف بفعل تمدد الكون لشئ يمكن ملاحظته . وهذا ماحدث عندما اصطدم النجمين النيترونين اللذان نحن بصدد الحديث عنهما الآن .

تم إنشاء مرصد ليجو للكشف عن الأمواج الثقالية وهي اختصار ( مرصد الموجات الثقالية بالتداخل الليزري ) ويتكون من مرصدين أحدهما في هانفورد والآخر في ليفنستون . وأنشئ عام 1994 م تحت إشراف العالمين كيب ثورن ورونالدو دريفر من كالتيك ورانير وايز من معهد ماساتشوستس للتقنية .وبذلك يتبع ليجو مرصدين تبلغ المسافة بينهما 3000 كيلومتر . ونظرا لأن موجات الجاذبية تنتشر بسرعة الضوء كما ذكرنا فيمكن تحديد موقع مصدر موجه ثقالية ( سوف يسجلها المرصدان ) عن طريق حساب الفرق في وصول الموجة الثقالية إلى المرصدين . كما يمكن بذلك فصل الضوضاء الأرضية التي تنتشر بسرعة الصوت مثل هزات أرضية أو زلازل أو اهتزازات عن قياسات حقيقية لموجات الجاذبية .

يتكون كل مرصد من أنبوبين طويلين متعامدين على بعضهما البعض أفقيا ويبلغ طول الانبوب الواحد 4 كيلومترات ومفرغ من الهواء . ويوجد في تقاطعه الانبوبان مقياسان تداخل ليزري . كما يوجد في مرصد هانفورد جهاز تداخل ثاني يعمل على نفس النظام المفرغ من الهواء ولكن بطول أنبوب 2 كيلومتر .

يقول كيب ثورن عن ليجو ” فتح ليجو نافذة جديدة على الكون . أنتجت النوافذ السابقة . تلك المعتمدة على التلسكوبات البصرية والراديوية مفاجآت كثيرة . لكن جميعها استخدمت الامواج الكهرومغناطيسية . الامواج الثقالية مختلفة بشكل جذري عن الأمواج الكهرومغناطيسية ، وليجو هو البداية فقط لعلم فلك الأمواج الثقالية ”

وصف ثورن أرصادنا السابقة لنسيج الزمكان بأنها محيط هادئ ولطالما تنبأت معادلات آينشتاين بان تصادم الثقوب السوداء سيؤدي إلى ظهور عاصفة عنيفة في نسيج الزمكان . الىن يمكنك سماع العاصفة العنيفة القادمة ويسجل ليجو الامواج الثقالية كصوت . إذ تبدو الامواج الثقالية الناجمة عن تصادم الثقوب السوداء مثل زقزقة صغيرة داخل ضجيج الخلفية الكونية .

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.