تأخذك إلى أعماق الفكر

استحالة المنطق.. وسائل لتهدئة العقل الجامح!

يقلّب البحر على النفس الأوجاع، والطبيعة الخام تسلّي العين وتُدمي القلب في ذات الوقت، إذن لا عزاء، ولا ثمة حتى مجرد فرصة لإزاحة العبء من على الكاهل، وإطفاء شعلة العقل المتوقدة ولو لبرهة.

ومن عجب أن يفكر المرء في إنهاء حياته بين أزهار نابعة من قلب الصخر، وأمواج ثائرة على نظام الحد والرمل، صحيح أن هذا عجيب، وعجيب جداً، لكن الأعجب منه هو هاته الطريقة التي يتعامل بها العقل الجامح مع منظر جميل، ومشهد خلاّب، مع موج يناطح الصخر، وزهر يقاوم الحجر، مع حبات رمل لينة مفرطة في النعومة تذوب تحت القدم ثم تعاود الاجتماع من جديد، مع معزاة ترعى في الصحراء زاهية ببعض الحشائش غير عابئة بالغد ولا بالعالم، كل المناظر هنا تدعو للحياة وتبث الأمل، إلا أن العقل المُعتلّ، أو الصحيح أكثر مما ينبغي، لا يترك لنا الفرصة، ولا يلبي لنا رغبة الهدوء ولو قليلاً.

فالعقل المُعتلّ، والروح المريضة، لا يتركان لنا فرصة حتى لمجرد نسيان الوجود (وجودنا الخاص أو حتى الوجود العام)، إنه ينوء بكلكه على صدر سعادتنا فيدميها ، وينكأ جراحاتها من جديد ويفْجُرها.

الوجود كعلّة!

أن تكون موجوداً، أتعرف ماذا يعني هذا؟ يعني أن تكون مُعتلًا؛ فالوجود علة واعتلال، معضلة وإشكال، ولكي نقضي مدتنا هنا (على هذه الأرض) على أفضل ما يكون قبل أن نمضي إلى حال سبيلنا، يتوجب علينا أن نقف في مواجهة هذا الاعتلال، وأن نحاول حل هذا الإشكال. والروح التي لم تُدرك كُنه اعتلالها، ولا ماهية إشكالها ما انولدت بعد.

لكن السؤال الأجدى من هذا والأكثر منه أهمية: لماذا نكون معتلين أصلًا؟ الحقيقة أن الاعتلال النفسي ليس أكثر من عَرَض لمرض آخر خطير، وهو الاعتلال الوجودي؛ فانسداد الأفق على الوجود يفعل هذا وأكثر؛ فأن يكون المرء لا يعرف نفسه، ولا يعرف حتى لهذه النفس هدفاً أو غاية، وإذا سُئل ماذا تعمل؟ أو ما وظيفتك؟ فيهرب قائلًا: “على باب الله” أو أية جملة هروبية أخرى.

إعلان

إنه لا يجد لهذا السؤال ولا لغيره من آلاف الأسئلة المحرجة والصادمة الأخرى إجابة، كل هذه الأسئلة التي لا جواب عليها، والتي تضعنا في مواجهة حاسمة مع وجودنا الخاص ووجهاً لوجه، وتحتم علينا تقليب أرواحنا ظهراً لبطن، واستقصاء ذواتنا، وخبرها، ومعرفة حالها ومآلها.

والعقل المعتل حسود هو الآخر؛ يحسدنا على لحظات الراحة المؤقتة، والمؤقتة جدًا، لا يترك لنا فرصة للهدوء، ولا حتى للخلود إلى النوم ولو للحظات، فيعاود مهنته القديمة: المزيد من طرح الأسئلة، والدفع بهذه الأسئلة إلى أقصى حدودها الممكنة واللاممكنة معاً. إن أملنا وكل منانا هو: أن تُطفأ ماكينة العقل في الليل، أن يخرس ، ويصمت هديره الفوار.

لا تكمن المشكلة في الروح إذاً، ولا النفس، فقط في العقل المريض، أو قل إن شئت الدقة، الذي يمارس دوره بتطرف ونشاط لا تقوى الروح على تحمله، إنه نشاط يرض الجسد رضاً. يا صديقي العقل، ألا تهدأ قليلاً؟ لا أريدك أن تعمل بكل بهذا النشاط، ولا بكل هذه الطاقة، فقط ريّح نفسك وأعتقني.

تغييب العقل أو تهدئته:

التفكير المنطقي مريح للغاية، هذا صحيح، ولكن أنى للمرضى أن يوقفوا المنطق عند حدوده؟! فالعقل يتوجه إلى أقصى نقطة منطقية ممكنة وربما لا ممكنة حتى، ثم يزرعنا في أعلى قمة لليأس والضياع، كل الطرق إذاً، تؤدي للعقل، والإيمان به “بهذا العقل” مُهلك، والانزياح عنه مُهلك كذلك.

حسنًا، فلنحاول أن نُهدّئ هذا العقل أو نغيّبه، سنسافر إلى بعيد، سنهرب من المدينة والزحام، سنتعاطى خمراً وبعض المخدرات الأخرى، سنجاور أتفه الخلق، والذين وضعوا عقولهم منذ زمن في ثلاجة، لا تثق في هذا الحل، فقد جرّبه غيرك ولم يجد معهم أدنى نفع، بل حاول بعضهم الانتحار وسط محمية طبيعية تنبض بالحياة والأمل.

لم تجدِ معك الأسفار، ولا الخمور، وشتى وسائل تغييب العقل الأخرى، لا تيأس، لا تيأس أبداً ، حاول مرة أخرى في اتجاه آخر، توجه إلى امرأة، ويستحسن أن تتحرى تلك التي تتحمل وطأة الحب العنيف، التي بإمكانها تلقّي كل هذا السيل الجارف من المشاعر الفياضة، والإنسانية المفرطة، اتخذها لك إلهاً، ضعها في “فاترينة”، وادعو العالم كله لمشاهدة تحفتك الفنية هذه، تعامل مع جسدها كأنه كنز رباني، واعتبره سراً كبيراً من أسرار الآلهة، احتفي بالشَعر والبسمة، وقدّس اللون والسُمرة، وهِم عشقًا بالكلمات التي تنطقها.

اكتبْ لها، فالآن وجدنا لهذه الموهبة “الكتابة” فائدة، استخدم قدرتك على سبك الكلمات في نثر الدرّ على مسامعها، وشنّف بالألفاظ أذنيها، قل لها: “أنت كل النساء”، واحفظ في غيبتها الحب في قلبك، لا تخنها حتى ولو بالنظرات، قل لها: “اكتفيت بك عن الجميع؛ فالحب رحلة من الأنا إلى الآخر، هجران للجميع سوى واحد، وهذا الواحد هو أنتِ”، سيعجبها كلامك، وستباهي بك صديقاتها، ستحفظ بعض كلماتك، سترددها أحياناً، ستلتحمان معاً ، لكن العقل الصاخب، عدوك الأكبر، سيثور من جديد، سيعاود طرح الأسئلة المحرجة في أشد اللحظات خصوصية وسعادة من جديد، فتُضطر _ وأنتما ملتحمان_ إلى البكاء، ستسقط دموعك الحارة على جدران روحك فيتحول الدمع إلى خناجر وطعنات.

ستظن هي أن هذا هو بكاء الفرح؛ فرح الوصل واللقاء، ستعدك بالبقاء معك إلى الأبد، لا بأس فما أسهل الكلام وما أكثر ما نعود بعد الوعود بالخيبات، سيتكرر بكاؤك، وسيتعاظم حزنك، فتملك هذه التي جعلت منها ملكة، ونصّبتها على رؤوس كل النساء قديسة بل وإلهة، ستكره روحك، ستلعن دينك، ستكفر بقدرك، وستخونك مع أخص وأقرب أصدقائك.

المشكلة إذاً، ليست في الخارج، ليست في العالم؛ فالعالم مليء بجمال يتمتع به الأصحاء، بل في الداخل، في داخلنا نحن المعتلين نفسيًا والمأزومين وجوديًا، والمجروحين وجدانيًا، أنت مذبوح من الداخل، والخنجر في قلب روحك مغروز، لا جدوى يا رفيقي، لا جدوى أبدًا، فإذا ذهبنا لانتزاع الخنجر أو تركناه على حاله ستموت. تحمّل إذاً، وبرجولة، قدرك.

نرشح لك: الكتابة كعملية لفهم الذات الواقع

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد علواني

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

تدقيق علمي: مجد حرب

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.