تأخذك إلى أعماق الفكر

أولاد حارتنا … الدين والسياسة والعلم برواية أخرى

عندما تَقرأ روايةَ “أولاد حارتنا – 1962” للأديب الكبير نجيب محفوظ، خارج الخلْفية الأرثوذكسية، تجد نفسك أمام قامة فكرية عبقرية عميقة الفهم، متدثرة في ثوب روائيّ واقعيّ. لا يملُّ من وصف يوميات الحارة المصرية، بنِسْوتها الفاتنات ورجالها ذوي العصي والنباتات. أحاديث الفُتوة والجوزة والعوالم والعاهرات والحشاشين وبائعي الفول والعلمية، وسعي الناس الحثيث نحو الرزق بأي طريقة.

انشغال الرجل المُزمن بنقل تفاصيل الحياة المصرية الشعبية بكل تفاصيلها الى القارئ العربي ثم العالمي بعد نوبل. لم يمنعه من التعبير عن شغفه الأول أي الفلسفة وقلقها الوجودي. والانشغال دون سابق إنذار بمسألة “مصير البشرية” أو سؤال “الأصل” كما عبّر عنه الروائي الأمريكي “دان براون” (2017) بعد محفوظ بعقود في أسئلة روايته: من أين أتينا .. إلى أين نحن ذاهبون ..؟

هنا تبرز لك عبقرية محفوظ. فقد دسَّ بحرفية عالية وسط عالم الواقعية السحرية الذي شيّده بطريقته دون أن يقرأ أعمال كارسيا مركيز. فجوة روائية تدخل في باب “الرمزية التقابلية ” إن شنها أن نسمّي جنس أولاد حارتنا. وكَونْ نجيب محفوظ روائي آمن بأنَّ الكتابة شكل من أشكال التغيير الاجتماعي والسياسي، فقد توقف فعلا عن الكتابة الأدبية بعد ثورة 1952، اعتقاد منه أنَّ الواقع الذي يكتب عليه قد تغير لفائدة واقع جديد حامل لقيم المساواة والعدل والحرية. غير أنَّ خمس سنوات فقط كانت كافية ليكتشف أنَّ لا تغيير حدث على الأرض، فقرر العودة بعمل مركزي في مساره الأدبي : أولاد حارتنا.

فهل تعمَّد نجيب محفوظ أن يعالج موضوع عميق وصعب المراسل. أي تاريخ الجنس البشري عبر رواية بسيطة الأحداث مباشرة العبارة واضحة المعنى رصينة المبنى، خالية من الغموض والتكلف والتعقُّد والخيال الفَنتازي الذي عرفت به أعماله خصوصا في الخمسينيات .

إعلان

هل سعى محفوظ الى تقديم نقد مبطّن لواقع فشل ثورة الضُباط الأحرار وانحرافها عن مسار تحقيق الحرية والعدل والتنمية، دون أن يواجه السلطة الناصرية ذات النفوذ الباهر والقهر الجبّار حينها؟

هل راهن محفوظ على تقديم قراءته البشرية “للسرديات المقدسة” في تناولها لأصل البشرية بتقابل لا تخطئه العين . فالجبلاوي عنده هو الخالق المهيمن و أدهم هو أدم وإداري، وإبليس يساوي رفاعة والمسيح هو جبل وموسى يقابل قاسم، محمد هو الحارة، والدنيا هي قنديل وجبريل هو همام وهابيل، قدري وقابيل، وغيرها كثير من التقابلات في مواقف الشخصيات ومصائرها التي تتقاطع حد التطابق مع مصائر الشخصيات المركزية في السردية الدينية الإبراهيمية بتمظهراتها الثلاث .

هذا هو الإحساس الذي ينتابك عندما تنتهي من قراءة الخمسمئة صفحة و نيّف التي تضمها دفتي الرواية. لتجد نهاية مجهولة المصير ( الى أين نمضي؟ ) مفتوحة الصراع بين مكونات الحارة. وحده عرفة هو الشخصية المجهولة النسب التي ترمز إلى العلم والمعرفة تحتل المشهد الأخير من الرواية وهو يقتل الجبلاوي، كأن الأمر شبيه بما قاله نتشه عن العلم وموت الإله .

التأمل الفلسفيٍ في مصير الإنسان خارج سلطة الأديان هو الدافع الحقيقي من وراء كتابة أولاد حارتنا. ومن خلالها طرح الأسئلة الوجودية الكبرى : لماذا الظلم؟ لماذا الشر؟ لماذا الغواية؟ لماذا القتل؟

لمَ يحتاج الناس الى الحرية ويتوقون الى التخلص من سطوة الجبابرة؟

لماذا ينجرّون بالمئات نحو زعامات تدفع بهم نحو حجيم الحرب والموت دون أن يتساءلوا عن جذوة موتهم حول قضايا أتفه من أن يموت الإنسان من أجلها؟

هل العلم والمعرفة وحدهما سر خلاص البشرية من التيه والشقاء الذي تحياه مند الالاف السنين؟. خلاص يقوم على واقع جديد أساسه العقل والتفكير العقلاني المشروط بإمعان النظر وتعميق التفكير في التاريخ و الكون.

لذا شكَّل “الكتاب ” السر المكنون للجبلاوي وحجة الوقف المودعة في غرفة لا يدخلها إلّا الأب ” والذي بسبب الرغبة في اكتشافه ” معرفة توزيع الإرث تحت تأثير غواية إدريس ( المتظاهر بالندم على تمرده وغايته معرفة مستقبله ) طرد أدهم وزوجه أميمية (حواء ) من عزبة الجبلاوي حيث الهناء والرخاء والرغد وزقزقة العصافير ، وطُردوا نحو صحراء التيه والضياع والصراع.

وبعدها ابتدأت المَلهاة البشرية المعروفة. كدٌّ حثيث نحو المال، قتلٌ، زواج وإنجاب، زعماء وأنبياء، ثورات من أجل امتلاك الحارة الواقعية أو الرمزية، المحدودة و الغير محدودة زمانيًا ومكانيًا وعن يوتوبيا الحلم المستحيل في استعادة الفردوس المُحتجب “العزبة”.

بالمقابل أراد محفوظ للجبلاوي وضعية الغموض والجبروت والتعالي و الاحتجاب و الهيبة . فالجبلاوي بنى العزبة من العدم في صحراء المقطم ، إختار العزلة عن باقي البلاد الفسيحة ، فرض قوانينه الصارمة على أبنائه، فمن أطاع فاز ” أدهم ” ومن عصى للنفي حاز ” إدريس” . لا يتواصل مع نسله الى عبر رسول كما فعل الجبلاوي مع حفيده همام صاحب الخلق الدمث . السبب الذي فجر صراع جديد عندما قتل قدري أخاه همام غيرة منه على حظوته عند الجبلاوي .

لكن ما المصلحة التي يرتجيها نجيب محفوظ في دخول عش الدبابير وهو يقوم بإعادة حكي قصة البشرية على الأرض، معرضًا نفسه لغضب التفكير المتعصب دينيًا، حتى كاد يفقد حياته بسبب رواية لم يقرأها – مع الأسف – الذي أراد قتله سنة 1995، بدعوة التجرؤ على المقدس.

لماذا حرص محفوظ عن عدم الدفاع عن نفسه وهو يُتهم بإزدراء الأديان؟ ويجلس هادئًا في بيته ويستمر في الكتابة ويرفض طباعة الرواية في مصر دون ترخيص الأزهر!

لما يَفتح محفوظ نار غضب السلطة على نفسه، وهو يصوّر حارة الجبلاوي ” مصر في الحقيقة ” وهي حارة متخلفة وفقيرة ومتسخة . لقمة سائغة في شدق الأشرار و النُهّاب . الواحد من أهل الحارة يكد ويكدح من أجل لقيمات معدودات ، أطفالها عراة حفاة يملأون الجو بصراخهم والأرض بقاذوراتهم ، نسوتها البئيسات اللواتي يقشرن البصل ويتبادلن الشتائم ، حارة الذباب، والقمل صديق الجميع ، حارة إرهاب الفتوات وقهرهم للناس عبر الإتاوات التي لا تنتهي .

إنَّ الواقع المُزري الذي تنبأ به محفوظ مند عقود و أثبتتهالواقع المعيش المنذر بثورة الجياع. الواقع الذي رآه محفوظ بئيسا ومزريا بسبب فساد نظّار الوقف المتحالفين مع الفتوات المرتزقة، إنهم الفئة المهيمنة ( السياسيون والعسكر ورجال الأعمال والكهنة) التي تمتص خيرات الوقف أو البلاد حتى حوّلتها الى مجاعة كبيرة.

ولعل المفكر العربي جورج طرابيشي كان محقا عندما قال في دراسته العميقة حول نجيب محفوظ، أنَّ طموح محفوظ في إعادة كتابة سيرة البشرية في رواية أو ملحمة روائية هو عمل جبار لم يكن فيه محفوظ مجرد مؤرخ للتاريخ الكبير. بل هو روائي مؤرخ يقوم بعرض أحداث يرجو عبرها توكيد وجهة نظر معينة. أي وجهة نظر إبتغى محفوظ دسّها في متن جمالي حتى لا تبدو أبعادها الفكرية صادمة لمجتمع يرزح تحت وطأة التخلف الفكري و الإجتماعي ، وليست له القدرة على التفكير العقلاني في المقدس.

إنها ملحمة أولاد حارتنا، والتي في نظرنا على الأقل هي قراءة تفكيكية لعلاقة الدين بالساسة باعتبارهما الثنائي الذي أرّق البشرية مند فجر وعيها إلى اليوم . فهل وظف محفوظ سردية الخلق البشري المستمدة من الإخبار الديني لكي يرفض واقع البشرية الحالي المختل ميزان العدل فيه لصالح هيمنة فئة تتكلم باسم السماء ( الجبلاوي الذي لا يموت ) وتجثم على رقاب الناس الى أجل غير مسمى . بل الأجل الذي سماه محفوظ ” عرفة ” أي زمن العلم والعقل ، زمن نزع السحر على العالم بلغة ماكس فيبر ؛ لصالح حرية الإنسان وكرامته .

عرفة نبي العصر الحديث الذي ضاق درعا بأنين المُعذبين ( بلغة فرانز فانون )

من أبناء الحارة وهو يهِيمون على وجوههم بحثًا عن غيث ” الجبلاوي “، بينما الشعراء ( الوعاظ – رجال الدين ) لا يملُّون من التغني بالذكرى البعيدة لأبناء الحارة (جبل و رفاعة و قاسم) وبسيرتهم العطرة.

فقطع عهدًا على نفسه بوضح حد لهذا القدر. اخترع زجاجة متفجرة بهتت النظّار والفتوات . ورفع سقف الشك الى الجبلاوي ذاته ، متسائلا من جذوة وجوده بينما النظّار يعبثون بوقفه دون إرادة منه. إذًا لا مناص من مجابهة سلبية أهل الحارة ” البشرية ” ودخول خلوة الجبلاوي و الاطلاع على الحجة ( قوانين الوجود) لمعرفة الحقيقة من الوهم.

قال مشيل فوكو ذات المرة ؛ المعرفة هي الكشف . والمفارقة التي اكتشفناها ونحن نعيد قراءة الرواية أنَّ كل الاتهامات التي كيلت لمحفوظ لم تعترف بأنَّ الرجل قيّد نفسه بالمتن الديني وهو يروي قصة البشرية بشكل جاء متطابقا مع الدين لكن ليس بالضرورة متوافق مع العلم ، وهذا المسعى ليس مجاني لأن نجيب أراد أن يصالح الدين مع العلم خدمة للواقع ، بمعنى حاول أن يقول أنَّ الأنبياء والعلماء ( العلماء ورثة الانبياء ) لهم نفس الهدف وهو خدمة أبناء الحارة ، وأي توتر واقع بين الدين والعلم ليس إلا في صالح المهيمنين . وربما هذا هو سر إحجام محفوظ عن مواجهة الأزهر وسر تسامحه مع الفتى الذي حاول قتله.

لقد انشغل الجميع بمسألة محاولة محفوظ توظيف وقائع مٌقدسة واردة في النصوص الأساسية ، في حين لم ينتبهوا إلى أنَّ الرجل أراد أن ينبهنا إلى انحرافنا السحيق نحو هاوية البداوة . محفوظ خصص فصل واحد فقط وهو يحاكي قصة الخلق، في حين خصص الفصول المتبقية كلها للإنسان، لآلامه وأحلامه وإحباطاته وصرخاته المتكررة ( أين أنت يا جبلاوي؟ ). صراعات محورها الأساسي فكرة العودة الى العِزبة (الجنة) ونيل رضا الجبلاوي من جديد. وما الأعمال النبيلة (الرسالات) لأبناء الحارة (جبل – رفاعة – قاسم : الأنبياء) إلا صرخة في واد هدفها إسقاط شجرة التوت عن المهيمنين . في حين الحل الذي إقترحه محفوظ دون تحفظ ، عندما قتل عرفة أو تسبب في موت ) رغبة وثقة الإنسان في المعرفة وقدرته على تملكها ) الجبلاوي . لكن المصيبة أن عرفة بسبب الخوف وجد نفسه في قبضة الناظر الذي راح يستغله لإستمرار نفس الوضع. وهذا هو النقد المباشر من محفوظ لمرحلة ما بعد الحداثة ، بعدما صار العلم والعقل في خدمة المهيمنين الجدد ( الامبريالية النيولبرالية ) .

لكن محفوظ عنده أمل أن يرث عرفة روح الجبلاوي ويستمر بها وهو راضي عنه . فإذا كان العلم سبب موت الاله فهذا لا يعني أنه سيظل أسير قوى الشر، بل لا بد أن يكون سبب خلاص البشرية جمعاء .

ثم انتهت الرواية.

فريق الإعداد

إعداد: عبدالواحد النقاز

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...