مثلث السلطة: إعادة توازن النظام العالمي الجديد

يرى «ألكسندر ستوب- Alexander Stubb» الرئيس الفنلندي الحالي أنٌ الأحادية القطبية قد زالت منذ الدخول الروسي لأوكرانيا، في العام 2022، ومنذ تلك اللحظة ظهرت ثلاثة أقطاب قوى عالمية جديدة وهي الغرب العالمي، والشرق العالمي، والجنوب العالمي، ولكل قطب نقاط قوة وضعف، وأنّ الغرب إذا أراد أن ينتصر فعليه إعادة النظر في جملة من الأمور من بينها كيفية تعامله مع الجنوب العالمي. وسنحاول في هذا المقال لاستعراض أهم النقاط التي أثارها المؤلّف، ولكن قبل ذلك سنسعى للتعريف بشخصه.

ولد ألكسندر ستوب في العام 1968، وقد انتُخِبَ في شباط من هذا العام رئيسًا لفنلندا، وهو عضو تحالف تيار وطني يميني معتدل، كان رئيسًا للوزراء من العام 2015 إلى 2015، ووزيرًا للخارجية، ووزير المالية، وعضو سابق في البرلمان الأوروبي، كما شغل منصب نائب رئيس بنك الاستثمار الأوروبي من العام 2017 إلى العام 2020.

أولًا: الغرب العالمي -Global West
يتألّف هذا القطب من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وأستراليا، وكندا، والقوى الديمقراطية في آسيا مثل كوريا الجنوبية واليابان. ويمثّل هذا القطب 15% فقط من سكان العالم، لكنه لا يزال يسيطر على 50% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. يقوم النموذج الغربي على قيم الديمقراطية الليبرالية، سيادة القانون، وحقوق الإنسان.
في الواقع بسط الغرب نفوذه المطلق بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، واستمر ذلك عبر “الحرب على الإرهاب” التي منحت الأولوية للأمن العالمي. ومع ذلك، يعتقد المؤلّف أنّ نظام ما بعد 1945 (الذي تعزز عام 1991) قد انتهى فعليًا نتيجة:
إعلان
• تحويل دول العالم الثالث إلى ساحات لتصفية الحسابات الجيوسياسية، مما ولد شعوراً بالاستياء تجاه “ازدواجية المعايير” الغربية.
• الغطرسة الغربية، حيث تجاهلت الدول الغربية دمج القوى الصاعدة في النظام الدولي أو الإصغاء لمطالبها.
• الاجتياح الروسي لأوكرانيا الذي كسر قواعد الاستقرار الأوروبي.
هذه العوامل دفعت قوى مثل الصين، روسيا، إيران، وكوريا الشمالية للسعي نحو خلق نظام عالمي موازي “متعدد الأقطاب”.
ثانيًا: الشرق العالمي – Global East
يبرز الشرق العالمي بوصفه كتلة جيوسياسية صلبة تهدف إلى إنهاء الهيمنة الغربية وإعادة صياغة قواعد النظام الدولي. ورغم أنّ هذا القطب يجمع قوى سلطوية متعددة، إلّا أنه يقوم على علاقة ثنائية فريدة ومتباينة بين الصين وروسيا، حيث تتقاسم الدولتان الأدوار لتشكيل جبهة تتولى القيام “بمراجعة” شاملة للنظام الدولي، إذ تُمثّل الصين “العقل المدبر” والمحرّك الاقتصادي والتقني لهذا القطب، حيث تسعى لبناء نظام عالمي بديل، يعتمد على مبادرة حيوية تستهدف خلق طرق تجارية برية وبحرية متعددة وهي مبادرة الحزام والطريق، وهو قطب ذو نفس طويل واستراتيجية صبورة. وفي المقابل، تلعب روسيا دور القوة “المزعزعة” التي تستنزف موارد الغرب وتكسر قواعده الأمنية من خلال المواجهات المباشرة والحروب الهجينة، مما يتيح للصين غطاءً سياسيًا ومساحة للمناورة الاقتصادية.
وبالرغم من التحالف الظاهري، غير أنّ ميزان القوى مال بشكل حاسم لصالح بكين؛ فقد تحوّلت روسيا بفعل العزلة الغربية إلى «شريك أضعف» يعتمد بشكل حيوي على الصين كمنفذ وحيد للطاقة ومصدر للسيولة والتقنيات الحساسة، مما جعل الطموحات الروسية تدور في فلك الرؤية الصينية الكبرى. كما يتحد الطرفان في رفض النموذج الليبرالي، مروجين لنظام “تعدد الأقطاب” الذي يقدس السيادة المطلقة للدولة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية. وبينما تقدّم الصين نموذجها كبديل تنموي جذاب للجنوب العالمي، تفرض روسيا واقعًا أمنيًا جديدًا يعيد إحياء مفهوم «مناطق النفوذ» ةلتقليدية، وهو ما يهدف في النهاية إلى تحطيم وحدة المعايير الغربية.
ويتكامل القطب الشرقي من خلال دمج القوة التكنولوجية الصينية (الذكاء الاصطناعي والسيادة على البيانات) مع القوة الريعية الروسية (النفط والغاز والترسانة النووية). هذا التكامل يخلق قطبًا يمتلك القدرة على ممارسة ضغوط اقتصادية وأمنية هائلة على الغرب، مع تقديم نموذج لـ «السلطوية الرقمية» يضمن استقرار الأنظمة السلطوية في مواجهة الضغوط الديمقراطية.
ثالثًا: الجنوب العالمي -Global South
إنّ محور القوة الثالث، هو الجنوب الغني موارديًا وديموغرافيًا، ولا توجد لدى القطب هذا عقيدة موحدة. وتطمح دول الجنوب (مثل الهند والبرازيل ودول الخليج) إلى الانتفاع من الجميع؛ فهي تبرم اتفاقيات دفاعية وتقنية مع أمريكا، وفي الوقت ذاته تستفيد من مشاريع البنية التحتية الصينية. ويشعر الجنوب العالمي أنه مهمّش في التمثيل في المؤسّسات الدولية التي نشأت بعد العام 1945، كما تسعى هذه الدول لتبني حياد تكتيكي في الصراعات الكبرى، حيث تشتتها هذه الصراعات عن مشاكل أكثر إلحاحًا مثل التنمية والديون.
يؤكًد المؤلّف أنّ الطرف الذي سينجح في جذب «الجنوب العالمي» لصفه هو من سيقود مستقبل النظام الدولي، نظراً للثقل الديموغرافي والموارد التي يمتلكها هذا الجنوب.
رابعًا: صراع البيانات والمستقبل
يبرز ألكسندر ستوب تباينًا في التعامل مع القوة الرقمية:
• الصين: تفرض سيادة الدولة المطلقة على البيانات.
• الولايات المتحدة: تترك التحكم في البيانات للشركات التكنولوجية الكبرى.
• أوروبا: تركّز على حماية الحريات الفردية وخصوصية البيانات.
خامسًا: نهج غربي جديد
يخلص ألكسندر ستوب إلى ضرورة تبني الغرب لواقعية جديدة تتمثّل في الآتي، وهي ما يعرفها باستراتيجية “اعادة التوازن”، ونصائح هي:
• ضرورة رؤية الجنوب العالمي كشركاء لا ساحة نفوذ، ويكون ذلك من خلال شراكة حقيقية يكون لها ثقلها في صناعة القرار السياسي وليست مجرد ممولة للمشاريع التي يتطلّعون إليها، فضلًا عن احترام السيادة الوطنية وذلك بالابتعاد عن التدخّل في الشؤون الداخلية لدول الجنوب تحت ذريعة قضايا حقوق الإنسان، والتحول بدلاً من ذلك إلى نموذج القيادة بالقدوة، بحيث يركز الغرب على تطبيق ممارساته الحقوقية داخليًا، مما ينهي حالة الاستياء من ازدواجية المعايير ويخلق أرضية صلبة من الثقة المتبادلة.
• إصلاح المؤسسات الدولية، إذ يرى الكاتب أنّ المؤسسات الحالية، كالأمم المتحدة والبنك الدولي، ما تزال تعكس موازين القوى التي أفرزتها نتائج الحرب العالمية الثانية في عام 1945، وهو ما لم يعد ينسجم مع التحوّلات السياسية والاقتصادية الكبرى في المجتمع الدولي المعاصر. لذا، لابدً من إعادة النظر في حق الفيتو الممنوح للدول الخمس الكبرى، والذي بات يستخدم كأداة لتعطيل الإرادة الدولية وحماية مصالح لدول محددة. وهنا تبرز الحاجة لتبني نهج سياسي جديد يقوم على تعددية القوى والتعاون المشترك، بدلًا من عقلية مناطق النفوذ وتقسيم العالم بين القوى العظمى.
يرى الكاتب أنّ القوة الخارجية ما هي إلّا انعكاس للقوة الداخلية، لذا يجب على الانظمة الديمقراطية أن تثبث جدارتها وفعاليتها في توفير الأمن والرفاهية والخدمات الأسياسية لمواطنيها، بحيث تبقى متماسكة ولا تتزعزع بنيتها عند حدوث الأزمات. علاوة على ذلك، لابدّ من تحديث القوانين والتشريعات لتواكب التطوّر التكنولوجي المتسارع، مع ضمان حماية خصوصية الأفراد وسيادة بياناتهم، حيث يعني هذا الالتزام الأخلاقي ميزة تنافسية كبرى للنموذج الغربي في مواجهة النماذج السلطوية.
ويقترح الكاتب تبنّي استراتيجية متوازنة تتجنّب الصدام المباشر والشامل مع القوى الشرقية (الصين وروسيا) ويتجسّد هذا النهج في تقليل الاعتماد الاقتصادي والتقني الحساس على الصين لتفادي الضغوط المستقبلية، دون اللجوء إلى الانفصال الكامل الذي قد يضر بالاقتصاد العالمي. كما يشدّد على ضرورة إبقاء قنوات الحوار المفتوحة والتعاون في القضايا الوجودية التي تتجاوز الصراعات السياسية، مثل مكافحة الأوبئة ومواجهة التغيرات المناخية، لضمان الاستقرار.
إعلان
